جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الفلسطينيون في العراق: جمل المحامل المجروح ـــ علي بدوان

ما زالت قضية اللاجئين الفلسطينيين في العراق تتفاعل بصمت دون التفات وانتباه مطلوب من الدول العربية وجامعتها العتيدة, ودون التفات مطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية والهيئات الفلسطينية المعنية.‏

وما زالت تتفاقم مع تفاقم قضية اللاجئين الفلسطينيين في العراق, حالة الخوف والهلع التي تسود أوساط هذا الجزء الغالي من الشعب الفلسطيني في ظل الاعتداءات اليومية التي تشنها على التجمعات الفلسطينية في بغداد تلك القوى السافرة وفرق الموت السرية التابعة لبعض الأحزاب والميليشيات العراقية التي دخلت إلى بغداد مع جحافل قوات الغزو الأنكلوسكسوني, خصوصاً منها مجموعات "سرايا الحساب" و"فرقة الموت" وهي مجموعات مسلحة فاشية السلوك والمنهج, وتتبع عملياً لقوى موجودة في قمة الهرم السلطوي الحاكم في المنطقة الخضراء من بغداد.‏

وفي الواقع العملي, فإن حملات القتل والتسخين والتوتير ضد الفلسطينيين دفعت بأعداد متزايدة من اللاجئين الفلسطينيين في العراق للتفكير بالهجرة الثانية إلى مختلف أصقاع المعمورة درءاً من خطر الموت الداهم الذي ينتظرها وينتظر أبناءها وشبابها وشاباتها وكهولها على حد سواء. فالعشرات من العائلات وصلت إلى أستراليا في هجرة النكبة الجديدة, وإلى الهند وبعض الدول المترامية الأطراف في أقاصي الأرض, بعد أن ضاقت بها أرض العرب, ,دون أن تجد العائلات الفلسطينية اللاجئة من تحرك عربي فاعل لحمايتها من غول الموت الذي يجتاح مواقع سكناها على يد مغول العصر من غزاة العراق وأذنابهم.‏

وعلى هذا الأساس, فإن أعداد اللاجئين الفلسطينيين في العراق لا تتعدى حالياً أكثر من (20) ألف مواطن فلسطيني بواقع (5000) عائلة, ومنهم بحدود (18) ألف من حملة الوثائق العراقية والباقي من حملة الوثائق المصرية واللبنانية والسورية والجواز الأردني, وكانت المفوضية السامية للاجئين قد قدرت أعدادهم بنحو (23) ألف في العام 2003, ولم يشمل تعدادها من كان منهم يقيم في البصرة والموصل.‏

إن العدوان الأمريكي على العراق, وكما جر الويلات على الشعب العراقي, جر الويلات أيضاً على جمهور اللاجئين الفلسطينيين, الذين تعرضوا عملياً لحملات القتل حيث بلغ عدد الشهداء من اللاجئين الفلسطينيين (70) شهيداً, ويمكن أن نحدد الفترات التالية من مراحل ممارسة الحقد والكراهية على الفلسطينيين:‏

* المرحلة الأولى: وتمتد من بدء العدوان على العراق وسقوط بغداد. حتى 1/5/2003, وفيها سقط من المواطنين الفلسطينيين (9) شهداء و(21) جريحاً برصاص الجيش الأمريكي, منهم منذر العمار, رمز نايف طهبوب (رئيس اتحاد طلاب فلسطين), راوند محمد سليمان, ووقعت اعتداءات مست المواطنين الفلسطينيين في أحياء: الطوبجي, بغداد الجديدة, البلديات حي الحرية. كما استشهد العشرات من الطلبة الفلسطينيين من خارج إطار المجتمع الفلسطيني اللاجئ إلى العراق, ولوحق ممثلو فلسطين في سفارتهم في بغداد واعتقل البعض منهم لفترات طويلة.‏

* المرحلة الثانية: وفيها ساد التحريض ضد الفلسطينيين على صفحات بعض الصحف الصفراء المشبوهة, وتم الرد عليها من قبل بعض الصحف التي تعاطفت مع الشعب الفلسطيني, ولعبت القوى التي دخلت مع الاحتلال دوراً كبيراً في تهيئة المناخات المعادية للفلسطينيين ومنها مجموعة قوات بدر, وحزب الدعوة, فوقعت اعتداءات مختلفة أصابت بعض المواطنين الفلسطينيين, ومنها توجيه رسائل التهديد, ودعوة الفلسطينيين للرحيل وإلا "فالموت بانتظارهم". وسقط في المحلة المشار إليها (20) شهيداً منهم: الدكتور حسام الدين أسعد أستاذ التاريخ في كلية المعلمين في الجامعة المستنصرية في بغداد على يد مجموعات التصفية التابعة لأحد الأحزاب العراقية, وسقطت قذائف هاون على الحي الفلسطيني في منطقة البلديات مما أدى لاستشهاد خمسة فلسطينيين, وتفجير نادي حيفا الرياضي الفلسطيني, عدا عن اعتقال العشرات من الفلسطينيين وتعذيبهم ووفاة العديد منهم بعد إطلاقهم.‏

* المرحلة الثالثة: وتمتد من عهد تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وحتى المرحلة الراهنة, حيث لم تتوقف الاعتداءات بالرغم من الوعود التي قطعها بعض الساسة العراقيين من أعضاء المجلس الانتقالي, وجلال الطالباني مع انتخابه كرئيس للعراق, وتشي المعلومات بأن رسائل التهديد اليومية لم تنقطع في الوصول إلى العائلات والأفراد من المواطنين الفلسطينيين, وكلها رسائل تحمل الحقد والكراهية من أطراف موتورة لا تربطها بالعروبة أو الإنسانية أي رابط.‏

ومن الزاوية التوثيقية التاريخية, يمكن القول, بعيد وقوع النكبة بفترة وجيزة صدرت الأوامر الملكية من بغداد القاضية بانسحاب الجيش العراقي من فوق الأرض الفلسطينية الواقعة ما قبل خطوط التقسيم دون مبرر تاركةً مناطق اللد والرملة, وتمركزت بعض القطعات العسكرية العراقية بعد انسحابها من ما وراء خطوط التقسيم في مناطق نابلس, جنين, طولكرم. وفي هذه الأثناء أخرجت القوات العراقية أبناء وعائلات فوج الكرمل من فلسطين إلى العراق باعتبارهم متطوعين في صفوف القوات النظامية العراقية, وبواقع خمسة آلاف نسمة هم نواة اللاجئين الفلسطينيين الذين استقروا على أرض العراق في منطقة معسكر الشعيبة قرب البصرة حتى العام 1952 عندما تمت عملية إعادة إسكانهم في المساكن الجماعية قرب بغداد. في حين بقيت أعداد منهم في البصرة, ورحلت أعداد إضافية نحو الموصل, وأصبح تعدادهم يقارب 42 ألف نسمة مع نهاية العام 2002 بما فيهم حملة الوثائق السورية والمصرية واللبنانية وجوازات السفر الأردنية, ومنذ ذاك الوقت ولدت مأساة هذا التجمع العزيز من أبناء فلسطين الذين خرجوا من أرض الوطن على أمل العودة السريعة تحت بيارق القوات العربية. يعود الفلسطينيون في العراق في أصولهم إلى قرى مثلث كرمل حيفا (33% من بلدة أجزم, 29% من بلدة جبع, 18% من بلدة عين غزال), 3% من منطقة يافا, وباقي النسبة تنتمي إلى العديد من قرى منطقة حيفا (12) قرية: سيرين, أم الزينات, الصرفند, كفرلام, الطيرة, الطنطورة, الفريديس, أم زريق, كوكب أبو الهيجاء, صبارين, الحدثة, عتليت, إضافة إلى بلدة أم الفحم.‏

وللأسف, فإن التجمع الفلسطيني اللاجئ فوق الأرض العراقية منذ العام 1948 بقي تجمعاً منسياً طواه الإهمال وسوء الرعاية التي عومل بها هؤلاء اللاجئين من أبناء فلسطين, وذلك على يد مختلف الحكومات والنظم التي تعاقبت على السلطة في العراق بالرغم من إعلانها الالتزام بما أقرته الجامعة العربية بشأن مساواة اللاجئ الفلسطيني مع المواطن في بلد اللجوء المعني. ففي الواقع العملي بقيت عملية مع التعاطي مع الوجود الفلسطيني اللاجئ بشأن القضايا الحياتية واليومية والرعاية من جوانبها المختلفة دون الحدود الدنيا المطلوبة, عدا الطبابة والتعليم, على الأقل قياساً بالمعاملة التي يلقاها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا البالغ عددهم قرابة نصف مليون من حيث المساواة التامة مع المواطن السوري.‏

ومما "زاد الطين بلة" على حد تعبير المثل العربي, رفض العراق وحكومة نوري السعيد آنذاك السماح لوكالة الغوث الدولية المعروفة اختصاراً باسم "وكالة الأونروا" القيام بتسجيل ورعاية اللاجئين الفلسطينيين, وبذا فقط حرمتهم من أبسط الحقوق في التسجيل ضمن سجلات الأونروا, وهي الهيئة الدولية التي كرست الاعتراف العالمي بمأساة الشعب الفلسطيني وبوجود اللاجئ الفلسطيني وعدالة قضيته, فوكالة الغوث الدولية المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) معنية بشكل مباشر بتوفير خدمات الإغاثة والصحة والتعليم لأكثر من نصف الشعب الفلسطيني, يمثلون الكتلة اللاجئة من أبناء فلسطين, باعتبارها الهيئة الدولية المسؤولة عن مصير اللاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم إلى وطنهم وديارهم الأصلية على أساس القرار (194) وفق قرار إنشائها في العام 1950. وفي هذا الإطار عاش التجمع الفلسطيني اللاجئ فوق الأرض العراقية ظروفاً صعبة وقاسية بالرغم من شهور العسل الطويلة التي حكمت مسار العلاقات الرسمية بين القيادات التقليدية الفلسطينية, وقيادات النظم التي تعاقبت على الحكم في العراق منذ قيادة المرحوم الحاج أمين الحسيني وصولاً إلى القيادة الفلسطينية الحالية, اللهم سوى مرحلتين انتعش فيهما هذا التجمع الفلسطيني اللاجئ: المرحلة الأولى تمت في ظل حكم المرحوم عبد الكريم قاسم الذي عمل على إسكان جزء من الفلسطينيين في تجمع مدني حديث في حي الطوبجي وحي الحرية في بغداد, وعمل على تأسيس فوج التحرير الفلسطيني, وإصدار القانون الخاص بفتح المجال أمام الفلسطيني للعمل في مختلف وظائف الدولة ومؤسساتها, وهو القرار الذي بقي نافذاً حتى سقوط بغداد بيد قوات التحالف الأنكلو سكسوني, والمرحلة الثانية تمت بعد انقلاب عام 1968 الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة حاملاً شعاراته القومية, حيث تم التطبيق العملي لعدد من القرارات التي كان قد تم اتخاذها في فترات سابقة في العراق وبقيت حبراً على ورق. بينما حظر على الفلسطينيين حق التملك ما عدا للضباط العاملين منهم في صفوف الجيش العراقي, وصدر قرار لاحق أقر حق الجميع بالتملك إلا أن صدر قرار معاكس له بوقف قرار التمليك بالقانون رقم (23) عام 1989, وصولاً إلى استصدار القرار الخاص لعام 1994 وفيه منع التمليك والاستثمار بشكل تام, ولو لم يكن من قرار منصف سوى القرار المتخذ كهدية للشعب الفلسطيني في الذكرى لانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية, حين أصدر الرئيس العراقي صدام حسين القرار رقم (122) وفيه النص الصريح بالمساواة التامة بين اللاجئ الفلسطيني في العراق والمواطن العراقي من حيث الحقوق والواجبات, ونص القرار على زج كل من يمانع تطبيق القرار بالسجن فوراً, كما وفي إلغاء كل القرارات التي تتعارض مع القرار السابق.‏

وللحق, فإن الجهود التي بذلت بعد العام 1968 أدت إلى خطوات إضافية تم اتخاذها من قبل الحكومة العراقية آنذاك وأفضت إلى استصدار مراسيم وقرارات رئاسية سهلت حركة اللاجئ الفلسطيني ومكنته من حق التملك والعمل أسوة بباقي المواطنين العراقيين, فضلاً عن إعادة إسكان غالبية اللاجئين الفلسطينيين في مناطق سكنية لائقة تناسب البشر وفق الحد الأدنى من المعايير المطلوبة. وأول هذه التجمعات السكنية تقع شرقي بغداد في المنطقة المسماة "مساكن البلديات" التي يحاول البعض الآن من الأطراف العراقية الموتورة إخراج العائلات الفلسطينية منها تحت ذرائع مختلفة تخفي وراءها القول الذي تردده بعض معارضات الأمس العراقية بأن "الفلسطينيون وقفوا دوماً إلى جانب نظام صدام حسين. وبعد يوم واحد من سقوط نظام صدام سقط ثلاثة من الشهداء الفلسطينيين في المكان ذاته على يد القوى والأطراف المشار إليها في حي البلديات.‏

إن التجمع الفلسطيني اللاجئ على أرض العراق, لم يكن سوى تجمع عروبي خالص, شارك في الدفاع عن العراق وسيادته في كل معاركه القومية, وقدم المئات من أبنائه من أجل وحدة التراب العراقي, وفداء لعروبته. وعليه فقد وصلت أعداد الضباط الفلسطينيين الأمراء في الجيش العراقي (رتبة عميد ركن وما فوق) إلى نحو (100) ضابط منهم اللواء حسام جرار مدير إدارة السلاح الكيماوي في الجيش العراقي والمعتقل في سجون قوات الاحتلال.‏

ولعب بعض الفلسطينيين دوراً بارزاً في الحياة الثقافية والاجتماعية في العراق منهم, الدكتور خالد علي مصطفى رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة المستنصرية في بغداد. والكاتب نواف أبو الهيجاء, والشاعر أديب ناصر شقيق الشهيد كمال ناصر ومدير إذاعة بغداد, والروائي جبرا إبراهيم جبرا, والمؤرخ برهان الدين عبوشي, والمناضل الفلسطيني لطف غنطوس, عصام سخنيني, محمد داوود, مطيع الشيخ طه, محمد حسين البرناوي, والباحثة الفلسطينية سلافة حجاوي, والموسيقي الأول في العراق روحي الخماش, والملحن الأول في العراق الموسيقار جميل قشطة, إضافة سليمان أبو عيطة مدرب فرقة الفن الشعبي العراقي, والفنان الفكاهي الأول في العراق محمد حسين عبد الرحيم, والمسرحي الأول زهير محمد رشيد, وجلال كامل, وكابتن منتخب العراق لسنوات طويلة محمد مصطفى عطية, والبطلان الأولمبيان محمد فخري, ومحمد رشيد فارس اللذان مثلا العراق في دورات دولية.‏

إن مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في العراق يقف في ظل المعاناة كجمل المحامل المجروح, يتفكك ويتشظى تحت وطأة الظروف القاسية التي يعانيها, وينتظر يداً عربية مسؤولة وموقفاً دولياً مسانداً لانقاذه من محنته, ووضع حد للمحاولات الجارية لتطفيش من تبقى من أبناء فلسطين المقيمين في العراق منذ عام النكبة وتحويلهم إلى لاجئين مرة ثانية في مختلف بقاع الأرض. وهنا يقع على عاتق الجامعة العربية دور رئيس في العمل من أجل إضافة قيود وسجلات اللاجئين الفلسطينيين في العراق إلى سجلات وكالة الأونروا باعتبارهم من اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا فلسطين عام النكبة تحت ظروف معينة على أمل العودة السريعة إلى أرض الوطن الفلسطيني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244