|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الانزياح الثقافي بين الدال والمدلول ـــ نزيه الشوفي من يُجِلْ ببصره في واقعنا العربي, ويتحسس متغيراته, يرَ مظاهر الأزمة واضحة.. وليس في ذلك مدعاة لليأس والقنوط.. * فالأزمات ظواهر طبيعية في حياة الأمم, وما من أمةٍ حية إلا وتعاني أزمة كلما انتقلت من مرحلة إلى أخرى, وفي رغبتها الانسجام مع حيوات الأمم القريبة والبعيدة, لمواجهة مشكلات الحاضر والماضي كما واجهها غيرنا من حكام وأنظمة ومواطنين.. * فبعد الحربين الكونيتين تكون وعي شعبي عربي /كان معدوماً في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين/ تناول مظاهر الحياة بأشكالها كافة... وقد اصطكت الأفكار بالأفكار وتولدت شرارات أنارت ظلمات متراكمةً بعضها فوق بعض أثرت في حياة الناس وتبين أن الأمم إنما تتسابق وتجهد نحو حياة كريمة بإقامة أنظمة سياسية تحقق العدالة التامة بين الأفراد والتضامن الاجتماعي وحرية الفكر والعمل. * وقد انتفع العرب بثمار التقدم العلمي والمعرفي والاكتشافات الهامة للمادة وطبائعها واستغلالها, وكذلك التجارب السياسية للشعوب والدول, لكن دون أن يكون لهم أية مشاركة في هذا السبق... لأن الانتفاع, لكي يكون حقيقياً, لابد وأن يساهموا في توليده والانتظام في المجتمع المتحضر, ينشئون كما ينشئ ويجهدون كما يجهد, ويبدعون كما يبدع... ولما زاد الاحتكاك مع العالم المتحضر لمس العرب (مثقفوهم) بأنه يعدو نحوهم أكثر مما يعدون نحوه, يعدو ومعه معداته وآراؤه وعلومه, وهم ما يزالون وقوفاً في أماكنهم, فقام الصراع بين المنقول والمعقول. ـ 2 ـ ولما كان العامل الثقافي في كل مجتمع يحيل إلى الاجتماعي, فقد انعكس الجمود على المجتمع كما انعكس على الثقافة بعد أول هزة أعقبت الحرب الكونية الثانية وهي نكبة الأمة في فلسطين, وقد صار الخطاب الثقافي الراهن صورة مجازية (إنشاء) لا تحليلية وبلا دلالة أو معنى, وذلك لأن العلاقة بين الثقافي والاجتماعي قد تفككت بعد انحسار حركة التحرر في ثمانينات القرن الماضي, وبذا تعطل المعنى ومعه وسائط التعبير... خاصة وأن الثقافة الراهنة متجهة إلى تجاوز الهويات الاجتماعية إن لم نقل نسفها وبالتالي انزياح الدال والمدلول... والآن تبدو صورة الثقافة العربية الراهنة جليةً فهي في مكان: تسعى إلى التكيف للاندماج في ركب العولمة... وفي مكان آخر تبدو الدول ومكانتها مجرد سلطة, لأنه الثقافة السائدة فيها لم تعد من نتاجها ولا تعبّر عن سلطتها, بل هي عائمة فوق أمواج العولمة المتلاطمة.. وفي مكان ثالث تجمدت الحركات الاجتماعية الممانعة أو الرافضة في نزوعها للتغيير, وبقيت تراوح في مكانها حتى صارت رقماً في عالم الغيبية الكونية دون أن يكون لها دور وسيط بين الفرد والعالم... وباختصار فقد عُمم دورها أو عُومِّ بين التصعيد الكوني أو التفتيت الفردي... وبالتالي تراجعت الحركات الاجتماعية العربية كما تراجعت الدولة والثقافة في آن معاً.. ـ 3 ـ وفي باب التسيب نذكر منه تسيب المفاهيم, فبعض النخب العربية الطامحة إلى توليد الخيار الليبرالي عبر فكرة المجتمع المدني الذي عللته وهو لما يزل جنيناً خاضعاً للإقصاء أو الاحتواء/ بأنه المجتمع المتحضر أو المتمدن أو غير العسكري والقهري, وبذا يخالفون هيغل وهوبز وغرامشي وكل الفيزيوقراطيين وماركس أيضاً.. فهذا الخيار, أيضاً, لا يمكن أن يولد بقرار محلي أو إقليمي بل أصبح بعد /11/ سبتمبر يحتاج إلى قرار أميركي يتخذه البيت الأبيض.. وهنا اختلطت المفاهيم, ووجد الإنسان نفسه في مجتمع بلا مواطنين, وثقافة بلا مثقفين ونخب تحمل أفكاراً بلا تفكير, ومدنيين بلا مدنية, وحقوق إنسان بلا بشر, وأفكار بلا معان.. وهنا فقدت الثقافة أصولها ومرجعيتها, منذ أن صارت ثقافة اللحظة العابرة, ومثقفين عابرين, لا يجمعهم رابط بين الذات والموضوع, ودلالة معطلة بلا مرجعية... أو أنها ثقافة لا أحد.. لا مكانية ولا زمانية.. ثقافة بلا ذاكرة, وكتاب يتنقلون بين لسعة الدبور وقصف بل دمار بغداد وبرك الدم المنتشرة بين القدس والرافدين... وينسى في كل مشهد ما جاء قبله كما في مسلسلات التلفزة العربية... * وفي الختام لم يبق إلا القول بأن الأزمة الراهنة تدعو إلى الجرأة والإقدام ووضع الأفكار أمام الرأي العام ومن الخطأ الانهزام والتخلف عن الانفتاح بكل أشكاله, إذ إن إثارة الأفكار ومخضها تولد حلاً صائباً يخرج الأمة من أزمتها.... وبعد nazshof@ ses – net. org |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |