جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

العقل الثقافي العربي ومحنة الانتماء ـــ محمد صابر عبيد

لم تتوقف علاقة الحوار/ الصراع بين العقل العربي والعقل الغربي بإسناد العقل العربي إلى آلية التمثل المتخيل المرتبط بالشعر, وإسناد العقل الغربي إلى آلية التمثل البرهاني المرتبط بالفلسفة, عند الحدود المعرفية في سياقاتها البحثية النظرية والإجرائية والتداولية, بل تنكّبت سلاحها الإيديولوجي لتخوض غمار صراع فكري وحضاري وثقافي من نوع جديد.‏

تمثل ذلك في شكل قطيعة أبستمولوجية فرضها العقل الغربي المدجج بغايات ومقاصد وأهداف أيديولوجية, تستخدم المعرفة أداة من أجل إرغام العقل المناوئ "الشرقي/ العربي" على إدراك حقيقة ثانويته وهامشيته, قياساً بالعقل الرئيس المركزي "الغربي", ورضوخه لقوانينه وأحواله انطلاقاً من فكرة التمركز الغربي القائمة على اعتقاد تفوّق استثنائي للوغوس الغربي, وهو يمتد إلى أعمق ميراث فلسفي يتصل بالثقافة الفلسفية الإغريقية, في مقابل تبعية اضطرارية لعقل شرقي ـ عربي يمتد إلى ميراث شعري عاطفي ذي بنية رومانسية, يستند فيه إلى عقل تحليلي هش.‏

وربما لم تظهر هذه الفكرة بهذا التعصب العرقي مثلما ظهرت عليه في العصر الحديث, إذ كشف عن تراكم معرفي غذّاه الفكر الفلسفي الغربي بالدرجة الأساس, وزاد من غلوائه كلما تقدم العقل الغربي في مسيرة الحضارة حتى وجد نفسه وقد تمركز حول ذاته تمركزاً هائلاً, أنتج قطيعة أبستمولوجية مروّعة زادت من احتقارها للآخر, ومن استسهالها النظر إليه بدونية.‏

سعت الماكنة العرقية والثقافية للآخر ـ بآلياتها القائمة على التعصب والغرور, وبما تمتلكه من إمكانات تكنولوجية وإعلامية وثقافية ـ إلى فرض أنموذجها, ولم تكن الحاضنة الرأسمالية ـ بالمعنى الأيديولوجي الحضاري ـ هي وحدها التي تقود حربها الشرسة, بل إن الماركسية ـ المناهض التقليدي للرأسمالية حسب الفرضية الثقافية التقليدية ـ هي الأخرى تنضم لصالح المركزية الغربية, حين يتعلّق الأمر بالتعصب العرقي والثقافي في النظر إلى الشرق ـ العربي خاصة ـ واختزاله إلى صورة تدور في فلك المركز, إذ "لم ينج الكثير من المفكرين والفلاسفة البارزين من الوقوع أسرى الرؤية الغربية المتعصبة عرقياً وثقافياً, ويؤكد خوان غويتسلو بأن الماركسية انطلقت من منظور يتطابق وتلك الرؤية في تحليلها لما هو شرقي"(*).‏

وبذلك تحول الصراع/ الحوار بين الشعري بتمثلاته المتخيلة, والفلسفي بتمثلاته البرهانية في الحدود المعرفية الأبستمولوجية إلى خصومة عرقية وثقافية أيديولوجية بين الغربي المتمركز حول ذاته المتحصنة ـ إعلامياً ـ بالفلسفة, والشرقي المختزل إلى صورة موجّهة بالشعر.‏

ومن هنا وجدنا أنفسنا نحن العرب ـ الشعب الأظهر في صورة الشرق بالنسبة لمقاصد الغرب ـ أمام خيارات ثقافية /حضارية/ أيديولوجية, تحتم علينا إعادة ترتيب بيتنا الثقافي العربي اعتماداً على سبيلين:‏

الأول ـ إعادة قراءة ميراثنا الثقافي العربي قراءة جديدة خالية من التوترات والأوهام.‏

والثاني ـ تفعيل العلاقة مع الآخر "الرافد الغربي" وتكييفها على النحو الذي نتجاوز فيه عقدة النقص بإزائه ونتحرر من ضغطها.‏

وأن لا نؤخذ في نشاطنا عبر السبيلين بهاجس الصراع القائم على الجدل العقيم في تفنيد نظرية الآخر وإعلاء شأن نظريتنا, بل نحرّض عقلنا على التفكير والتأمل والتدبّر, والذهاب إلى منطقة المفاهيم لتشكيلها تشكيلاً نظرياً في شكل جامع ينهض على البرهنة, وصولاً إلى نظم علمية بوسعها أن تفيد أيضاً من معطيات التمثل المتخيل, مثلما تستند إلى معطيات التمثل البرهاني, بعيداً عن كل أشكال الفصام الثقافي الذي تعيشه الشخصية العربية اليوم, وهي تجمع المتناقضات في سلة واحدة, إذ هي حاضنة للديمقراطية والحرية حين يتعلق الأمر بمصالحها, وبؤرة للعبودية والقهر والإكراه حين يتعلق الأمر بالآخر.‏

ولا جدوى من حلّ إشكالنا الحضاري مع الآخر ـ الغربي المزوّد بكل أسلحة الدمار المعرفي الشامل والزاعم لامتلاكه الحقيقة, قبل أن نحل إشكالنا مع أنفسنا وهي تنطوي على آخر مضاد خارج من ضلعنا.‏

(*) خوان غويتسلو, الاستشراق الإٍسباني, ترجمة كاظم جهاد: 145, نقلاً عن د. عبد الله إبراهيم, الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة, المركز الثقافي العربي, بيروت, ط1, 1999: 180 ـ 181.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244