|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حدود الإنساني في الأدب الإسرائيلي سامي ميخائيل نموذجاً ـــ إسماعيل دبج منذ أن نشر الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل, العراقي الأصل والمنشأ والثقافة التكوينية, روايته الأحدث بالعبرية "حمائم في الطرف الأغر" قبل وقت قصير, والقراءات لها من النقاد الإسرائيليين تتابع, مع اختلاف وجهة النقد. ففيما لم ير فيها البعض أكثر من كونها محاولة غير ناجحة لمحاورة متأخرة كثيراً مع غسان كنفاني في روايته "عائد إلى حيفا", ومتخلفة عنها أدبيا ًوإبداعاً ـ يفعات ويس ـ, رأى فيها البعض الآخر رواية مبدعة فنياً, لا يضام فيها الجانب الأدبي التقني لحساب الموقف "الإنساني" الملتزم الذي يحاول الكاتب أن يرى من خلاله إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ـ يورام مليتزر ـ بينما أصر البعض الآخر على التركيز على السياسي فيها ليستنبط الموقف الإنساني للكاتب من مجمل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ـ انطوان شلحت ـ. لسنا في وارد السجال الأدبي مع النقاد والقارئين الذين توقفوا مع هذه الرواية, تحليلاً وعرضاً. كما لسنا في وارد تقديم قراءة نقدية لها, ولكننا سنتوقف عند أمر ملفت يستحق الوقوف عنده. إن أحداً من الذين قرظوا الرواية لموقفها الإنساني لا لمستواها الفني, وأطروا, دون تقتير, على الكاتب لجرأته وإنسانيته, لم يسأل نفسه هل أقرّ الكاتب هنا, أو في أي من أعماله الأخرى, بحقيقة أن مبدأ الصراع يعود في الأساس إلى أن ظلماً حقيقياً, إنسانياً وقومياً ووطنياً وأخلاقياً, قد وقع على الشعب الفلسطيني بفعل مشروع كولونيالي غربي النشأة خاطئ ومدان انطلاقاً؟ ـ وبالمناسبة فهذا الإقرار هو المعيار الذي أرساه أوري دافيس لتمييز الصائب أخلاقياً وإنسانياً من غير الصائب في المواقف تجاه الصراع في فلسطين وتجاه الصهيونية كصاحبة مشروع أشعل الصراع وما يزال يشعله ـ. بين القول بأن الشعب الفلسطيني عانى ويعاني من الاحتلال, وأن "الشعبين" يعيشان في صراع تراجيدي ـ وهو ما يُعد عادة بأنه قول إنساني متعاطف مع الشعب الفلسطيني ـ وبين الإقرار بأن الشعب الفلسطيني هو الضحية الوحيدة في فلسطين, وليس الضحية المشاركة, بوناً شاسعاً. قد يصح في عالم السياسة أن يوصف الموقف الآنف, إن جاء من رجل سياسة, بأنه إنساني بل ويساري, ولكن في الأدب, فإن إماطة اللثام عن الحقيقة العارية الجريئة المتخطية للاعتبارات الأيديولوجية والتي تقرأ فيما وراء الآتي, هي وحدها التي تصنع العظمة والخلود. وهذا ما لم يستطعه سامي ميخائيل, المؤهل أكثر من غيره, وهو العربي النشأة والثقافة وصاحب العلاقة الوطيدة بالكثير من المثقفين العرب, وصاحب المعرفة الوثيقة بالتاريخ الحديث لفلسطين, بسبب من خيوط أيديولوجية تربطه بالثقافة الكولونيالية ما زالت تحد من انطلاقته ورؤياه, وبسبب قصور أخلاقي يجعله لا يستطيع أن يضع المشروع الصهيوني الذي اقتلعه من جذوره كما اقتلع الفلسطينيين, موضع المحاكمة التاريخية والأخلاقية, مع أن البعض رأى فيه متحرراً من قيود وتنميطات الثقافة المهيمنة ـ أنطوان شلحت ـ. والمهم أيضاً هنا أن سامي ميخائيل يرفض أو لا يستطيع, وهو اليهودي الشرقي الذي عانى التهجير الصهيوني من وطنه الأصلي بفعل الخديعة أو بفعل غيرها لا يهم, أن يضع نفسه والفلسطيني على قدم المساواة بوصفهما ضحيتين لمشروع واحد. والسخرية هنا أن الذي أخذ بغير حق يستطيع دوماً أن يجود لصاحب الحق الأصلي بجزء مما أخذ, وأن يفوز بلقب "الإنساني" أيضاً! وهذا أبعد ما استطاع النقاد "الإنسانيون" الإسرائيليون أن يصلوا إليه. وهو ما يحيل إلى النقاش الذي دار طويلاً وسيبقى محتدماً لفترة طويلة, على ما نظن, بشأن العلاقة بين الأيديولوجية وبين الأدب, لجهة قدرة الأولى على التحكم بالثاني وتوظيفه لخدمتها, بوعي وإرادة أو بغير ذلك. إن المانع الإيديولوجي والذي خلق, عبر قوته المادية ومن خلال الدم والحديد, واقعاً معاشاً الآن في فلسطين, هو الذي يحول بين الناقد أو الأديب الإسرائيلي وبين الذهاب إلى أبعد من الواقع المعطى الناجز, إلى التساؤل عن مبدأ تشكل هذا الواقع, هل كان في الأساس عادلاً وأخلاقياً أم لا! وقف كل النقاد الإسرائيليين المتعاطفين مع الرواية, وبالتالي مع المعاناة الفلسطينية, عند المرحلة الأخيرة للوضع المأساوي الذي يعيشه الفلسطيني, وأعفوا أنفسهم من مؤونة الإجابة على السؤال: هذا الوضع المأساوي الراهن من يتحمل مسؤوليته وكيف نشأ؟ وهل يغني حزن السارق على المسروق منه عن الاعتراف بحقيقة واقعة السرقة. ماذا تفيد المسروق دموع السراق إذا لم يعد إليه ما سُرق؟ يأتي ميخائيل بأم فلسطينية ويجردها من وعيها الفلسطيني بحقها التاريخي بوطنها ومن تاريخية موقفها الذي لابد منطقاً, من أن يكون قد تشكل بفعل تجربة اللجوء والثكل والترمل والمعاناة, ويزجها في موقف درامي مع ابن اضطرت لمغادرته مع رعب عام 1948, فنشأ في أجواء يهودية ـ لمزيد من السخرية والخبث أيضاً, ولاستجرار العاطفة والتقليل من كون الفلسطيني هو الضحية الوحيدة هنا, يجعل هذه الأجواء في أحضان امرأة يهودية ناجية من المحرقة النازية ـ ويقسرهما على إعادة التعارف والتعاطف, دون أن يغفل التأكيد على أن هذه الأم قد غدت في سياق ألمها الناجم عن آليات الصراع, مثقفة ومن الشريحة العليا للشعب الفلسطيني, وناشطة إنسانية وسياسية وميالة للمصالحة, ربما ليقول إن الجهل وحده هو الذي يجعل الفلسطيني متمسكا بوطنه وبحقه التاريخي, وما إن يصيب شيئاً من الثقافة والذكاء حتى يبدأ في التخلي عن حقه والتنازل للآخر كبداية للحل. وفي سياق الرواية يدفع الأم بالتبني ـ لاحظوا أنها مجرد أم بالتبني وليس مادة بشرية, وشريكة بالتالي, في مشروع مدان ـ في ذروة الدراما, لتبدي استعداها للتخلي عن ابنها لصالح الأم البيولوجية دون أن يحمل ذلك أي ترميز, شفاف أو كتيم, يشير إلى أن الابن هنا كناية عن فلسطين كلها, لتبدأ خيوط الرواية بعدها في خط التشويق عبر أحداث يخلقها أي احتلال, إن كان هناك أي احتلال شبيه بالقائم في فلسطين. تبدأ نقطة الانطلاقة الدرامية التي تخلق كل الخيوط التشويقية اللاحقة أو المتصاعدة مأساوياً مع اللحظة الضرورية, لحظة البؤرة التي تبقى تشع إلى النهاية, وهي لحظة ترك الأم لابنها. وهنا إما أن دين الأم أو ندين الرعب, وخالق هذا الرعب, الذي كان فوق طاقة البشر ما جعل أماً تفقد ابنها. ولكن الرعب ذاك, وصانعيه, يبقى, لسبب ما, خارج المعالجة وخارج الضوء وخارج المحاكمة. إنه بين قوسين, ممنوع التساؤل حوله. لماذا نتعب أنفسنا به, دعونا عند حدود اللقاء الدرامي بين الأم وابنها لنصرخ متعاطفين: يا له من وضع محزن, دعونا نجد حلاً لهذا الصراع التراجيدي الذي يخلق حالات من هذا النوع... لا يجعلنا ما قلناه أعلاه ننكر أن ميخائيل متقدم على أغلب, إن لم يكن كل, الأدباء الإسرائيليين في موقفه من الفلسطيني ورفضه التعامل معه بمقولات النمط الإبليسي الذي حاولت الثقافة المهيمنة أن تخلقه له وتحبسه ضمنه, ولكن علينا في الوقت ذاته أن نعرف حدود وإمكانيات هذا التقدم... فهو في النهاية يبقى حبيس أفق يحده المشروع الذي خلق الرعب أساساً وما يزال يخلقه... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |