|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
صدقي إسماعيل في الذاكرة ـــ د.عبد الكريم الأشتر ـ 1 ـ ما الذي أذكرني صدقي إسماعيل, وأنا في هذه الأرض الغريبة, بعيد عن الأرض التي عرفته فيها؟ كنت أطل من نافذة الفندق, فرأيت طريقاً ترابية ضعيفة تمتد وتختفي بين أشجار حديقته الخلفية. فما أدري كيف انهارت فجأة جدران الزمان والمكان وبرز لي صدقي إسماعيل! قلت: لعلها الطريق الترابية التي كنا نتجول في مثلها في إحدى الثُّكْنات بحلب, وكانوا اتخذوا منها مدرسة ثانوية وقع فيها تعييننا مدّرسَيْن, بعد تخرجنا من الجامعة. وقد اكتشفت بعدها أني لم أكن أعرف من صدقي, في الجامعة إلا أقلَّه: كنت أعرف أنه ينزع إلى البساطة, ولكني ما قدّرت أن يبلغ منها مرتبة السحر. كان يشبك يديه من خلفه ويتطلع في خضرة الأرض, كأنما يشغَله شاغل عنها. فمرّ بنا بائع الكعك, وكنّا أصبحنا من خلف الصفوف, وشمس الخريف تملأ الأرض. فتناول صدقي واحدة وناولني واحدة, وهو يضحك, ويردد قولة السيد المسيح: "دعوا الأطفال يأتون إلي"! وافترش الأرض ودعاني إليه, وأخذ يتطلع في الأشِياء من حوله, كأنه يراها لأول مرة, ويقضم الكعكة في تلذذ بالغ, ويُغرق في الحديث والضحك ورواية الطُّرَف, طفل كبير يحسبه من يراه لا يحمل شيئاً من هموم الكبار! ـ 2 ـ كان صدقي, في الجامعة, يتقدمنا في السن. فكان يختار لنفسه مقعداً في آخر المدرج, ينشغل فيه عن الدرس في أكثر الأحيان, بكتابه ودفتره, لا يسأل ولا يعترض. يتلفت إلى ما يسمع, في بعض الأحيان, ثم يعود إلى كتابه ودفتره, كأنه لم يسمع شيئاً! كان تجاوز مرحلة الدرس في الجامعة إلى مرحلة التكوين الذاتي. يقرأ في نهم, ويكتب ويفكر ويتأمل ويحلَم, وكان, على نحو ما نعرفه إلى آخر العمر. مسترخيَ إحدى خصلات الشعر, نحيفاً مشغولاً عن لباسه في غير إهمال بالغ, تتوقد عيناه توقداً ملحوظاً, مرح الحركة سريع المشية, كأنما أُعطى عطية الفنان في غير احتفال: طفولة القلب! ـ 3 ـ فلما تخرجنا وعينّا في حلب, اختار لنفسه, على عادته التي كنت أعرفها في دمشق, مقهى شعبياً قريباً من بيته, في حي التلل, يحمل إليه كتبه وأوراقه ينظر فيها وهو يدخن النارجيلة, ويسرح عنها, في أكثر الأحيان, إلى صور المخيّلة النشيطة. وقد عرفت بعد ذلك أنه أعد في هذه الجلسات, بعض مسودات كتبه التي أخرجها من بعد. ثم اختار لنفسه مقهى آخر أهدأ قليلاً في حي (الجُدَيدة) كان يرتفع عن الأرض درجات قليلة, ويُطَلّ منه على حديقة صغيرة مخضّرة قال عنها: إنها تنطق بطفولة إلهية! ومن نافذتها كان صدقي يطلّ على حياة العرب ويتأمل واقعهم. وكان يلبث فيها حتى يحين موعد العودة إلى البيت الذي يسكنه, عند خال له, فينهض على عجل, ويلف أنبوبة النارجيلة من حولها, ويجمع أوراقه, ويلقي معطفه على كتفه, على غير نسق, ويأخذ يثب على الأرض. ـ 4 ـ ثم بدأ صدقي يزورني في البيت, وأخذت تتكشف لي جوانب أخرى من نفسه الغنية. ولعل قليلين جداً من الناس يستطيعون أن يتبسطوا في مثل العمق الذي يتبسطه صدقي. أخبرني يوماً أنه يكتب رواية. ولكنه قال وهو يضحك: إنه يكتبها على غير ترتيب. فهو يتخيل الأحداث وتطورها في بعض الفصول, لكنه لا يكتبها! فإذا استهوته مرحلة من مراحلها كتبها. ثم يكتب فصولها التي تخطاها في وقت آخر! وقال: إنه يعاني, في بعض الأحيان, أحوالاً غريبة, فقد يغمض عينيه, وهو يتخيل مواقع بعينها, وأحسبه ذكر الهند, فينتقل بحواسه كلها إليها! ـ 5 ـ وتغيب عني الذكريات الأخرى, فألقاه في السنوات الأخيرة في ساعة متأخرة من الليل, فأجده يتفطر من الألم. قال: إنه لا يجد عزاءه في غير الكتابة, واستخدم كلمة فرنسية في وصف ما هو فيه, تعني أنه مأخوذ بالكتابة (passionné). تراه كان يحس أنه يسابق الزمن؟ ثم كان آخر ما وقعت عيني عليه منه, وجهه وهو يهبط درجات أحد المستشفيات, فرأيت فيه انتفاخاً وصفرة. وآخر ما سمعت منه صوته في الهاتف يسألني وهو يصطنع مرحه المعروف, وكنت أتهيأ للسفر إلى الجزائر: هل تنوي أن ننضم إلى ركب الأساتذة "الكبار" الذين يعلّمون الألف باء هناك! ثم جاءني نعيه وأنا في الأرض التي أذكره فيها اليوم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |