|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
فرحة الاغتيال ـــ يوسف خشيم ـ ليبيا تناول كوب الشاي الأخضر من والدته, رشفه بهدوء واستمتاع, مدد جسده على جلد الخروف الدافئ, وضع رأسه فوق الوسادة, غطى وجهه باللحاف الأبيض النظيف, إنها غفوة ما بعد الظهر. ـ يا ولدي أجب عن سؤالي.... تناهى إلى سمعه صوت أمه عرف بقية سؤالها... تحت اللحاف تمثل طفل في سن الخامسة, يلعب بدرجاحته التي علقها له والده تحت الزيتونة أمام بيتهم وأترابه يحيطون به يدفعونه ليطير عالياً في الهواء مثل عصفور طليق وشعر رأسه الطويل المسترسل يلاحقه وتختلط صرخاتهم بأغانيهم, ـ (طيري طيري يا درجاحة... يا طيارة كلك راحة). لكن بيتهم يغص بالنسوة, ومن الصباح كانت القدور تفور فوق النار, والذبائح تذبح, والرجال يتجمعون في السقيفة حول موائد الطعام. ماذا يجري؟ لا يريد أن يشغل رأسه الصغير بالتفكير, فليمرح, وليستمر في تحليقه فإن الأمر لا يعنيه. ـ (طيري طيري يا درجاحة... يا طيارة كلك راحة). يدان تمتدان من خلفه, وتختطفانه من درجاحته, إنه يعرف هاتين اليدين, لطالما داعبتاه, عانق عمه وقبل وجنيته. حمله إلى البيت, وضعه بين يدي أمه, تعالت الزغاريد, وهو لا يفهم شيئاً, نظر باستغراب إلى العيون التي تكاد تلتهمه. في فناء البيت أوقفته أمه فوق صحن خشبي كبير, نزعت ملابسه, ألبسته سترة طويلة غطت قدميه الصغيرتين مخضبة بالزعفران الأصفر, امتدت يد امرأة قصت شعره إلا خُصلة صغيرة على قمة رأسه, زوجة عمه ألبسته طاقية حمراء مرصعة بالودع, وقرن غزال صغير يتوسطها, أحيطت رقبته وجانبه الأيسر بعقود كثيرة, تفوح منها رائحة القرنفل والعنبر, كانت تتزين بها جدته. دارت الرأس الصغيرة يمنة ويسرة تبحث عمن يفسر ما يجري. لكن أحداً لم يعبأ باستفساراته, زادت الزغاريد وعلت, ارتفع غناء لم يسمعه من قبل لكنه ابتسم.. لعلهم يريدون الاحتفال بمولد الرسول أو العاشوراء, خمن الطفل, ليس مهماً, المهم أن هناك احتفالاً وحسب. حضر عمه لاصطحابه إلى السقيفة حيث يتجمع الرجال, رائحة العرق النفاذة والتبغ الرخيص تملأان المكان. وفي الزاوية, جلس شخص ذو شارب كث, ولحية مهملة, وعينين غائرتين حولاوين, تنمان عن ضعف نظر. استقبل الطفل بابتسامة باهتة, بانت أسنان صفراء متآكلة نخرها السوس, داعب شيئاً بين شدقيه المترهلين, قذف بصاقاً بنياً في إناء أمامه مُلئ رملاً, مسح الرذاذ براحة يده اليمنى. التفت الطفل يبحث بناظريه عن الشموع والقناديل, لكنه لم يلمح شيئاً. فقط بعض الأدوات بجانب الشخص, إنه يعرفها, آه... فهمت... لابد أنهم يحتفلون بجز الغنم, ومن بعد سيذبحونها, فكر الطفل, ودون أن يدري, رُفع عاليا ًعن الأرض من تحت إبطيه, ليستقر أمام الشخص, حاول أن يفلت, لكن أيد كثيرة أمسكت به وشلت حركته فاستكان صاغراً. فتحت ساقاه إلى جهتين متقابلتين, يدان مرتعشتان تحملان مقصاً كبيراً تسللتا بين فخذيه بأظافر طويلة سوداء إنغرزت في لحمه الطري, صدر عن المقص صوت مزعج قبل أن يقتطع من جسده مقدمة أغلى شيء يملكه. صرخ الطفل صرخة كأنها خرجت من قاع الجحيم أزعجت العصافير الصغيرة التي تنتظره تحت الزيتونة, فلاذت بالفرار, وأصوات النسوة تصم أذنيه بغنائها ـ (طهر يا طهار صح الله يديك... لا تجرح الغالي لا نغضب عليك). تعالى صراخ الطفل. صوت صاح بحزم: ـ أين البيضة؟.. يد تولج بيضة مسلوقة في حلقه, ينحبس الصوت, يتفجر الدم غزيراً؛ يغسل الشارب الكث واللحية المهملة, ويصبغ اللحاف باللون الحمر. يمسح الشخص عرقه الذي اختلط بالدماء بخرقة زرقاء. ـ الصلاة على النبي.. صاح من كان بجانبه. ـ إن شاء الله في عرسه.. قال الذي بجواره. ـ هكذا الختان وإلا فلا... العقبى لولدي. صرخ ثالث. ترتخي يدا الطفل.. يتدلى رأسه فوق صدره.. يفقد القدرة على الإحساس. ـ إنه ينام في حضن الملائكة.. يعلق الشخص مفتخراً.. يفيق, وهو في حجر أمه على صوت الدربوكة والغناء, دخان كثيف يتعالى برائحة الفاسوخ التي يكرهها, بقعة لزجة حمراء لا زالت تقطر من وسطه, آلام حادة تنهش جسمه.. عشرات الأيدي تضع الحلوى والنقود في جيب سترته الطويلة كأنها تعوضه عما فقد. يهتز الجسد تحت الغطاء اهتزازات رتيبة, تعلو حنحنة لتخفي نشيجاً مخنوقاً, وطرف جرد أبيض يجفف دموعا ًسألت غزيرة... لكنها ليست كدماء روت حجر أم يوم ختان وحيدها. انتبه على صوت والدته وهي تكمل سؤالها: ـ متى ستتزوج؟.... أريد أن افرح بأولادك قبل أن أموت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |