جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تحرّش ـــ ماري رشّو

(1)‏

حدّق بعينيها طويلاً, إلى أن عرّف بنفسه, فهو الموظّف الجديد.‏

لم تعلّق بكلمة, فهي المسؤولة عن شؤون الموظّفين, وهي التي تقع على عاتقها أعباء العمل, وهي التي طالبت بموظّف يساندها, ويخفّف عنها وطء الضغوط, أخفت مشاعرها التي استيقظت فجأة. ربما لشبهه برجل الماضي الذي غادرها دون رجعة, ربما لتطفّله, أو لغروره, وهي تكره المغرورين.‏

اللعنة على هؤلاء الرجال. فكّرت. متّفقون حين يريدون امرأة. لا يختلفون بألوانهم وأشكالهم يصبحون رجلاً واحداً يريد كل النساء.‏

إنها امرأة مختلفة قال في نفسه. موقعها, هدوءها ليست شابة. لكنها نضرة وجميلة, فهل تتوقّف أحلامه عندها؟‏

(2)‏

تجدّدت اللقاءات يوماً إثر يوم, فشكّلا معاً رجلاً وامرأة رجل لا يمل وامرأة لا ترغب, لم يلتقيا. بقي كل منهما في واد. له عالمه, ولها عالمها. له أساليبه ولها قناعاتها. لم يصدّق أنها ترفضه, ولم تصدّق أنها جميلة وأن عينيها تتوثّبان.‏

ازدادت في عينيه تألقاً, وأطلق على تمنّعها صفة الدلال, بعد أيام ترجم رفضها إلى قوة. إنها امرأة متميّزة, وعليه ألاّ يمل من تجاهلها, فهو موقن من مشاعره, ومصر على تحقيق حلمه. لم لا؟ التجربة والثقة تمنحانه القوة.‏

بالنسبة لها كان في عينيها يزداد دهاء. رجل يصطاد النساء, وعليها التسلّح لتفادي مخاطره. يجب شحن الذاكرة جيداً, للاستفادة من تجربة الفشل السابقة.‏

(3)‏

دخل غرفتها ذلك الصباح, كانت منكبّة فوق أوراقها, بينما تتسلل من المذياع معزوفة عذبة النغم. رفعت رأسها بجدية تسأله: ما الأمر؟‏

اكتشف وجهاً ملائكي الصورة. تشجّع. قال:‏

ـ أقسم أنك امرأة جميلة.‏

إنه هو. تلك الصورة الماضية. تلك الكلمات المعسولة. إنها فرصتها الآن, عقصت خصلات شعرها. نظرت إليه بتحد. وأقسمت أنه رجل وقح.‏

حاول التماسك. قال باستغراب:‏

ـ أنت لا تقصدين ما قلت.‏

ـ أنا قصدت ما قلت.‏

خرج على عجل. شعور غامض يدغدغها. شعور يشبه النجاح, لا يهمها التعرّف إليه, أو كشف علاقاته, أو ما هو وضعه العائلي؟ اللعنة يجب الابتعاد عن التفكير به. إنه لا يعنيها. يكفيها صده بجرأة.‏

أخرجت مرآتها, أسدلت خصلات شعرها المعقوص وداعبتها بود. هل هي جميلة حقاً؟‏

(4)‏

ترن الكلمات في أذنيه كمطرقة يتذكّر وينسى ويتذكّر من جديد, لقد صفعته دون ذنب, رفضته ببشاعة. كانت قاسية وغريبة الأطوار, كيف تتمنّع عنه, عن مدحه؟ كيف ترفض إطراءه؟‏

لم ينم تلك الليلة. لم يكن مشتاقاً لوجودها, ولم يكن عاشقاً لها. كان منشغلاً بردود فعلها, حاول استنباط أسباب عدائها. تذكّر صديقاته السابقات. لم تشك إحداهن من تطفله أو من وقاحته. ليس العيب به, لم لا يكون بها؟ يجب أن يكون بها. النساء غريبات الأطوار. منهن المتسلّطة والمتجبرة. التي تحسد والتي تغار. التي لا تثق بزوجها وربما بكل الرجال. قد يكون لكل منهن أسبابها, لكن ما أسبابها هي؟ وهل تصرفاتها لعدم ثقتها به؟ فهل تشك بسلوكه؟‏

شعر بالراحة. فهذا أجمل ما سيفكّر به. امرأة صدمتها التجربة وخذلها رجل, وما تصرفاتها معه سوى رد فعل لرجل عبث بأعماقها ودمّر عندها الثقة, فما يحدث لا تبرير له, عدا ما يصيب المقهورات.‏

في كل الأحوال, يزيدها التمتّع جمالاً. وتزداد بهاء حين يتحدّث زملاؤها عنها. وتزداد نضجاً وسوية في عينيه. ستعرف قريباً غايته, ستكتشف صدقه. سيحاول في مرات لاحقة. لن يتراجع. فهي في أمس الحاجة إليه, فقد يعيد لها ثقتها الغائبة, وبالمقابل يترتب عليه غدق المحبة وتقديم المزيد من الاهتمام.‏

(5)‏

دخل الغرفة بنظرات جادّة وخطوات ثابتة. قلب ما بين يديه من أوراق, وهو يتساءل على عجل:‏

ـ هل أستطيع محادثتك؟‏

تمتمت بنزق:‏

ـ فيما يخص العمل.‏

لم يطل الحديث. أوراق وتواقيع وتساؤلات, إلى أن همَ بالخروج, تعمّد التوقّف والنظر إليها ملياً, وقال محاولاً تحميل كلماته كل الصدق:‏

ـ إني مصر يا سيدتي, أنت جميلة.‏

ضربت المنضدة بقسوة. عيناها تتوعّدان. قالت بحزم: اخرج. وتابعت:‏

ـ رجل لا يخجل.‏

(6)‏

غايته لا تتوقف عندما قالت, وعليه تخطّي تلك الحالة على مقدار صعوبتها, والتي ستهون حتماً أمام الآتي. تجربته مع النساء تؤكد وجود المتمنعات منهن, اللواتي يرغبن في أعماقهن. إلى جانب شعوره وتيقنه من مشاعره. هي الآن أهم امرأة في حياته. لا يدري كيف ولم؟ أو سبب ما هو فيه؟ هل هو تمنّعها؟ هل موقعها؟ هل وهل؟ ما يدريه أنه يشتاق إليها وللاقتراب منها. قد تلين في أيام قادمة, وتشتاق له ولغزله الجميل, ستناديه ذات مرة بلهفة وتحادثه بلهفة, وتنتظر منه معسول الكلام.‏

لم يمر المساء حتى جاء قراره الجديد. حدث ذلك بعد دراسة مطوّلة. معتمداً على خبرته, وعلى الذاكرة في التعامل مع النساء. عليه أن يتجاهلها ريثما تختمر الكلمات. ريثما تنضج بهدوء يجب تنفيذ الفكرة. سيدخل غرفتها مطرقاً, ويخرج مطرقاً. سينتظر ويأمل.‏

(7)‏

حملت مرآتها خلال ذلك أكثر من مرة, وأسدلت خصلات شعرها أكثر من مرة, واستعادت كلماته أكثر من مرة. لا تهمها الحقيقة بقدر هذا المد الشعوري الذي يجتاحها. تتقافز أحلامها. تتدفق. تزداد حيويتها. تنشط, وتختال بين الأروقة تطرق أبواب الموظفين. تحييهم وتبتسم, وتدرك أنها ستغادرهم بين الدهشة والتساؤلات, فهي أيضاً في دهشة واستغراب, فهل هي نشوة الانتصار؟‏

ذلك الصباح وقبل العودة إلى غرفتها, نكّست رأسها بإحباط. لماذا تتبدّل الأشياء دفعة واحدة؟ هل هي ضحكات زملائها الموظفين؟ هل هي الوشوشات؟ أم هي الثرثرات حول علاقة قد لا ترى النور؟ هل ما قاله أو ما يقولونه؟ أم أنها مجرد تهيؤات لها علاقة بالحقيقة؟ في كل الأحوال, ما حدث له علاقة بفشل قادم, عليها تفاديه بجرأة.‏

حملت قلمها الجميل. خطّت فوق بياض الورق تقريرها الجديد. حمّلته جروح الماضي ونزف الحاضر. على الموظّف الجديد أن يرحل, فليس في شركتها مكان لرجل يتحرّش بالنساء.‏

(8)‏

في لحظة انتشاء وفي غفلة عنها, تتذكّر وتعقد المقارنات, وفي لحظة ندم تكتشف أوجه الاختلاف, لا أحد كالآخر. لا يوم كآخر.‏

باب غرفتها ما زال مغلقاً. لا رجع صوت, لا صدى. عدا موسيقى حزينة يبثّها المذياع, وفي لحظة تذكّر يضيق المكان, وتكثر الضغوط, ويصبح ضرورياً وجود موظّف يخفف عنها عبء العمل.‏

أغلقت المذياع. أسندت رأسها إلى كفيها, وراحت في شرود قصير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244