جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جدائل حميسة ـــ محمود البعلاو

(1)‏

عادت الصغيرة حميسة إلى أمها باكية, ووجهها معفر بالتراب, وتصرخ بكلمات ساخطة لاعنة, حاولت الأم تهدئتها, فمسحت دموعها, وغسلت وجهها ببعض الماء من القربة المركونة في زاوية الخيمة, وسألتها عما يبكيها, فأجابت: ضربتني خود العلي ونتفت شعري, تغار منك يا ابنتي... قالت الأم, ثم أردفت: جمال البنت في طول شعرها, رسخت كلمات الأم في ذهن الصغيرة, كبرت, وكبرن معها, كانت تغسل شعرها في كل صباح بالبيلون, وتسكب عليه بعض الزيت وتمشطه بمشط الخشب, فيزاد لمعانه, تساعدها أمها في تجديله, وربطه بالخبوب الملونة (الكراميل), كبرت حميسة وصارت لها شهرتها, فليس في قرية الكسرة من لا يعرف جدائل حميسة وجمالها, حتى خود العلي التي فتنت العديد من شبان القرية قالت أمام صديقاتها اللواتي جئن يباركن خطوبتها إلى حسن الجاسم, لو كان لي جدائل حميسة لأوقعت محمد الفرج.‏

كان لهذا الاسم وقعه في نفسها, فتمنت أن تراه, فهل يعجب محمد الفرج بجدائلها!‏

أسئلة كثيرة تواردت في خاطرها تريد أجوبة, كبرت صورته فغطت صورة نجم العبد الله, فتى أحلامها, مرت السنين وكأنها دهور, ماتت فيها الأحلام والأسئلة, وكثر فيه الجوع والخوف, فالفرنسيون لا يتركون الناس بحالهم, يتدخلون في كل شاردة, وواردة, ينهبون البيضة قبل البقرة, يبحثون عن كل شيء حتى حبات القمح والذرة والشعير التي دفنها الناس في الأجفار نبشوها, كانت حميسة قد تزوجت من نجم وأنجبت أولادها الأربعة (حمادة, وعلي, وأحمد, ومحمد) حملت الصغير على ظهرها وركض بقية الأطفال خلفها, وتوجهت إلى جيرانها كي تساعدهم في وليمتهم, لقد دعتها زلخة العلوش, فشمرت حميسة عن ساعديها, وسكبت الماء على الطحين, ثم عجنت, وخبزت على الصاج, لتقديم وجبة العشاء في مضافة محمد الدرويش فالذبائح التي علقت, والقدور التي نصبت, تنبئ بأن الضيف كبير, أثار إعجابها آن رأت رجلاً عليه علائم الهيبة والوقار, يقف, والرجال يتقاطرون للسلام عليه, والنساء يحاولن اختلاس النظرات إليه من وراء الحجب, عندما حمل الإبريق النحاسي الكبير, وصار يتوضأ أمام المضافة, ولم تملك نفسها من شهقة مفاجئة عندما قيل لها: هذا محمد الفرج!‏

فيداها تحسسن جدائلها, وعيونها لابت في محاجرها, وقلبها اهتز وارتجف, هذا الاسم كان له في أذنها وقع كالصاعقة, أعادها إلى ماضيها, وذكرها بخود العلي وكلمتها القديمة: (لو كان لي جدائل حميسة لأوقعت محمد الفرج).‏

أثر سقوط حكومة فيشي ودخول الإنكليز وقوات فرنسا الحرة في الرابع من تموز 1941, أفاقت الرقة على فوضى عارمة في الأسواق, وأمام السرايا القديمة, يتجمهر الجنود الفرنسيين ببنادقهم ورشاشاتهم ومصفحاتهم, الرعب يغطي المدينة التي باتت تحترق, وشاب اسمه (غفان التركان) يقتحم الثكنة العسكرية, ومعه العشرات من أبناء القبائل, الذين تجمعوا لندائه, وأخرج المساجين, واستولى ومن معه على مجموعة من السلاح والذخيرة, وأحرقوا السجلات, وأعلن دولته الصغيرة لمدة يوم كامل, تمت المواجهة بين الثائرين والفرنسيين, وأزيز الرصاص مزق سكون الليل, واتجه الثوار إلى النهر, غابات السوس, والزل, والطرفاء, والغرب, أخفتهم عن العيون المعادية, قطع أكثرهم الفرات سباحة إلى الضفة الشامية, ولعب العملاء دورهم الخبيث, فما كان أمام غفان وبعض رفاقه إلا الفرار من وجه المستعمر الفرنسي, الذي سيطر على كل المدينة وريفها وحتى هوائها, ولجأ الجميع إلى بيت محمد الفرج السلامة, فهو بيت الأمان.‏

رحلة البحث عن غفان مستمرة, واقتيدت حميسة وعشرات النساء من قرى الكسرات كرهائن, نمن في السجن, ومحاولات الأقرباء والوجهاء والعملاء باءت بالفشل, الجنود الفرنسيون يرطنون بكلمات, أرعبت النساء, فصرن يولولن, صراخ الرجال تحت سياط العذاب يهز جدران السجن, حميسة السالم أخفت جدائلها الشقراء تحت حجابها, وأطلقت لعينيها حبال الدموع.‏

فجأة توقفت سيارة أمام السجن, ونزل منها أربعة رجال, حركة غير عادية, اختلطت الأصوات واللغات, الجنود في حالة تأهب, الباب يفتح, يدخل رجل عليه علائم الهيبة والوقار, لكنه هذه المرة متوشحاً سيفه, ووراءه ثلاثة شباب يحملون بنادقهم, صراخ وهدير بين آمر السجن والرجل, يد الرجل تصفع الآمر على صدغه, فرقعت رصاصات في الجو, ميزت حميسة, كلمات للرجل يقول: (السجن للرجال, لكن العرض والأرض لا), تقدم الرجل باتجاه غرفة النساء, ضرب الباب بسيفه فانفتح لقوة الضربة, هبت النسوة واقفات, التفت الرجل إلى النساء قائلاً: (اخرجن يا اشعبانيات), انحسر اللثام عن وجهه, صرخت حميسة قائلة: هذا الشيخ محمد الفرج السلامة!‏

خود العلي أطلقت أول زغرودة, وتابعتها النساء بالزغاريد, لكن حميسة انكبت على يده تقبلها, وأخرجت جدائلها, وأقسمت أمام الجميع بأن لا تقطعها على رحيل ابن, أو أخ, أو زوج, لكنها ستقطعها إذا رحل أخو عدلة محمد الفرج, وعليه عاهدت الله ونفسها.‏

(3)‏

سارت بهم السفينة أياماً كثيرة, نقلتهم من ميناء بيروت, ومرت بالإسكندرية, ثم عبرت بهم إلى البحر الأحمر, الشيوخ مكبلين بالأصفاد, حتى في أوقات الصلاة التي حرصوا على أدائها طوال رحلتهم, كما أنها أثارت حنق المستعمرين على هؤلاء الأسرى المنفيين, كانت (قمران) آخر محطاتهم, من نافذة سجنه يحدق الشيخ محمد إلى أصقاع الجزيرة, فيشاهد البحر يحيط بهم من كل الجهات, وهاله عند الفجر أن سمع صوت الأذان ينطلق من مسجد قريب من الشاطئ, فكر بالهرب من السجن وأضمر ذلك في نفسه, علم من بعض المترجمين إلى اليمن تقع على الشرق منهم, الآذان ينطلق من قرية الصليف وهي الواقعة ما بين الحديدة واللحية, طال المنفى بالشيخ, وبدت عليه مظاهر الفتور والمرض, السجن في بيروت هد فتوته, قال له المترجم: ماذا لو سلمت القمح لإدارة الميرة الفرنسية؟... أليس أهون عليك من هذا العذاب ما بين سجن ونفي؟ أجابه الشيخ: لن أسلمهم الحنطة إلا بعد أن تشبع العشيرة وكلابها, ثم يأتي دور الفرنسيين بعد ذلك.‏

في الليل كان محمد الفرج يحاول الدخول إلى البحر شرقاً باتجاه الصليف اليمنية, لكن أحد المساجين أوشى به خوفاً عليه من الغرق في البحر, أو من هجوم أسماك القرش والحيتان.‏

جلس محمد الفرج مع دهام الهادي يتناجيان, ويتعللان بالآمال والقصيد والذكريات, أخبره دهام بقصته مع اليهودي (بصري), وكيف أوقع ما بينه وبين ابن عمه عجيل الياور.‏

(4)‏

محاولات كثيرة بذلها بركات الأحمد لمعرفة مكان سجن عمه الشيخ محمد لكنها لم تجد نفعاً, مرت ثلاث سنين حتى جاءت رسالة من الشيخ إلى بيروت ونقلت سراً إلى دمشق, ومما جاء فيها (نحن في البحر ونصلي شمالاً باتجاهكم).‏

كانت سورية في ذلك الحين في التحضيرات الأخيرة لنيل استقلالها, وبزغ فجر الجلاء, ورحل الفرنسيون في السابع عشر من نيسان, وفي بيروت كانت السفينة تلقي مراسيها, والشيخان محمد الفرج, ودهام الهادي أول النازلين إلى الشاطئ, ومئات المنتظرين في استقبالهم, وغمرت الفرحة شطآن الفرات ما بين حلب والرقة, أصوات الزغاريد غطت سماء قرى الصفصافة وهنيدة والمنصورة والحمام والدبسي.‏

(5)‏

مرت الأيام, ومرض الشيخ محمد الفرج, فأرسل إلى حميسة يريد رؤيتها, فلبت دعوته, سلمت عليه, وقبلت رأسه لم تستطع إمساك دموعها, فاجأها الشيخ عندما أخرج مقصاً صغيراً من جيبه, واقسم عليها بأن تقطع بضع شعرات من جدائلها, كي تبر بقسمها, لأنه أوصى بأن لا يشق عليه ثوب, أو يلطم خد, أو يقص شعر, ارتجفت يدا حميسة والمقص في يدها, غالبتها الدموع, قطعت بضع شعرات, بينما فاضت روح الشيخ إلى بارئها.‏

قمران: جزيرة في البحر الأحمر مقابل اليمن‏

محمد الفرج السلامة: شيخ عشائر الولدة ـ زعيم وطني‏

دهام الهادي الجربا: شيخ عشائر شمر ـ زعيم وطني‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244