جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

اللعبة ـــ علي حسن غاوي

الآن فقد أدركت سبب تسمية اللعبة.. ما يقرب من الحولين قد انصرما وأنا أقف حائراً أمام ما عرضه الزميل عصفور وهو يشرح لنا لعبته الشيقة.‏

كثيراً ما تساءلت: لم طرح عصفور وهو الشاب البدوي القادم من أقاصي الجزيرة هذا العنوان للعبة يفترض فيها أن تكون مسلية أكثر منها فلسفية.‏

يومها وكان البدر متصدراً خد السماء, يغازل نجمات متناثرات في صفحتها كما يفعل الكثير من الزملاء, الذين تخلصوا من رهبة جو المعهد, فانطلقوا على سجيتهم يبثون بعض زميلاتهم في ذلك الجو الرائع لواعج صدورهم وهموم أفئدتهم... ليلتها أصر عصفور أن يكون مدربنا الشاب ممدوح غريماً له في الفقرة التي يود تقديمها في سحر تلك الأمسية.‏

معظم الزملاء والزميلات تساءلوا عن أمرين اثنين.. فهم قد عجبوا أولاً من عناد عصفور وإصراره على أن يقف في مواجهة ممدوح, المعروف بثقته بنفسه واعتزازه بثقافة يعتبرها غنية واسعة... واستغربوا ثانياً طريقة الحكم على حنكة اللاعب من خلال بضعة أوراق رماها العصفور بين يدي مدير معهدنا, وعدة جمل همس بها في أذنه.‏

تخطى عصفور وبكل ثقة المسافة التي تفصله عن المنصة التي قدمت لنا خدماتها كمسرح مكشوف... امتدت يداه بلهفة إلى لاقط الصوت الراقد على الحامل.. احتضنه بكفه الأيمن.. ثم استأذن بداية لعبة الذكاء والانتماء:‏

ـ ليتفضل المدرب ممدوح إلى المنصة.‏

علا التصفيق من الجوانب التي اصطف فيها المتسامرون, وتتابعت الجلبة والهمهمة "صاح بعضهم ممدوح يا ممدوح.. وهتف آخرون اليوم يومك يا عصفور..‏

وبسرعة لافتة للنظر كان ممدوح يواجه عصفوراً في وسط المسرح.‏

بدأ عصفور بشرح لعبته قائلاً: ليس ما أقدمه باللعبة.. إنما هي فقرة أعتقد أن فيها من الفكاهة ما يغني سهرنا.. سأطرح على المدرب ممدوح أسئلة وأحاجي وعليكم أن تنتظروا رأي لجنة التحكيم.‏

أخي ممدوح ـ قال عصفور ـ أنصت إلى هذه العبارة: "نحن الآن في الرقة... ولدى قاضينا بقرة, ولدى قاضي الرقة بقرة... ذبحنا بقوة قاضينا وذبحنا بقرة قاضي الرقة... عملنا مرقة على رقبة بقرة قاضي الرقة, وعملنا مرقة على رقبة بقرة قاضينا... ذقنا مرقة رقبة بقرة قاضينا, وذقنا مرقة رقبة بقرة قاضي الرقة... وجدنا مرقة رقبة بقرة قاضينا أطيب من مرقة رقبة بقرة قاضي الرقة".‏

.. انتهت العبارة.. هل تستطيع إعادتها على مسامعنا ولمرة واحدة؟!‏

قهقه ممدوح وتلفت حوله مستطلعاً رأي الحاضرين قبل أن يجيب:‏

ـ "يخرب بيتك.. من يستطيع إعادتها؟!.. مستحيل..‏

ـ حسنٌ ـ قال عصفور ـ سألقي إليك بسؤال واحد من خلال تلك العبارة.. ابتسم ممدوح ابتسامة باهتة وشمخ برأسه وصدره وأجاب:‏

ـ هات سؤالك.. أنا مستعد للإجابة عن أي سؤال... أي سؤال..!!‏

سأله عصفور:‏

ـ إذاً.. كم بقرة هنا؟!‏

ـ اثنتان... اثنتان لا غير...‏

ـ أين هما؟! استفسر عصفور ضاحكاً.. هل تستطيع أن تدلني عليهما؟! هل ترون أية بقرة في هذه الساحة أيها السادة؟!‏

ضجت الساحة بضحك الحضور وتعليقاتهم, فيما وقف ممدوح كالمشدوه, وهو يعجب من نفسه وكيف استطاع هذا البدوي الضئيل أن يضعه في ذلك الموقف..‏

واشرأبت الأعناق إلى لجنة التحكيم لترى رئيسها وهو يعرض ورقة بيضاء تماماً.. لا كلمة فيها ولا حرف ولا رقم.‏

تابع العصفور فقرته في حفل السمر فقال: الآن سألقي إليك أيها المدرب ممدوح بسؤال آخر وعليك أن تجيب خلال ثوان.. عشر ثوان فقط.. وإلا تعتبر خاسراً.. عاودت الابتسامة الصفراء طريقها إلى فم ممدوح وهو يوافق صاحبه الرأي:‏

ـ ولا يهمك... الجواب بثانية واحدة فقط..‏

ـ إذاً.. لو ملكت مفتاحين... آ.. مفتاحان اثنان... أحدهما لمسجد وآخر لملهى ليلي فأيهما تستخدم أولاً؟! أرجو الإجابة بسرعة.. هي.. أيهما تستخدم أولاً؟!!. أجاب ممدوح:‏

ـ وهل هذا يحتاج لتفكير؟! أكيد.. المسجد أولاً.. ثم.. ثم أصرف الوقت المتبقي للمفتاح الآخر...!!‏

هزت إجابة ممدوح من جديد جميع السامرين فضاعوا بين خليط من المصفقين والمصفرين والمزغردين والواجمين.‏

تطاولت الأعناق ثانية نحو مدير المعهد ورئيس لجنة التحكيم تستطلع حكمه في إجابة ممدوح فإذا به يعرض هذه المرة لوحة كاريكاتيرية وقد رسم عليها رأسان متلاصقان من الخلف ـ وجه يتجه ناحية الجنوب وآخر ناحية الشمال.‏

ساد المكان سكون ووجوم... مامن أحد إلا وزرع حدقيته في عيني جاره متسائلاً عن معنى لما يحصل... قطع مدير المعهد الصمت مستفسراً:‏

ـ وما حكمنا على ممدوح؟!.. هي ماذا نحكم عليه؟!... أن يغني... أم أن يمثّل أم أن يلقي علينا بعضاً... جاءت الإجابة سريعة على لسان الأكثرية:‏

ـ غناء يا أستاذ... نشتاق لصوته الرخيم ولأدائه الحسن.. عندها أمر المدير:‏

ـ أسمعنا إذاً يا ممدوح...‏

وانطلق المدرب ممدوح إلى لاقط الصوت يحتضنه بكلتا يديه.. وتُعزَفُ الموسيقا بناء على طلبه, وغنى ممدوح.. تواشيح نبوية, وقصيد أهل الكساء.. أتبعها بتحت هودجها وتعانقنا.... ورقصت الأغلبية على تموجات طبقة صوت المدرب ممدوح.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244