جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رثاء الأحلام المنكسرة (دراسة لكتاب حيدر حيدر (مراثي الأيام) ـــ د.عبده عبود

"مراثي الأيام" هو عنوان آخر كتب الروائي والقاصّ السوريّ حيدر حيدر, وقد زوّد المؤلف كتابه هذا بعنوان إضافي ثانوي هو "ثلاث حكايات عن الموت". ترى ما الأيام التي أراد الكاتب أن يرثيها في هذا المؤلَّف ذي المكوّنات الثلاثة؟‏

وهل الموت هو العنصر الموضوعاتي الوحيد الذي يجمع تلك "الحكايات"؟ ولماذا أرفق حيدر حيدر بالعنوان الأساسي للكتابة عنواناً فرعياً؟‏

يتألف هذا الكتاب الذي يقع في (190) صفحة من ثلاثة نصوص لا ينطبق مفهوم "حكاية" إلاّ على ثالثها, أي النصّ المعنون بـ (المجرّات). أمّا النصّان الآخران اللذان عُنون أوّلهما بـ (مراثي الأيام) والثاني بـ (اغتيال في الغسق) فمن الصعب جداً وصفهما بالحكايتين. فنصّ (مراثي الأيام) أقرب لأن يكون مقدّمات ومسوّدات وأعمالاً تمهيدية لعمل روائي تاريخي كبير حول الاستبداد الدموي في المجتمع العربي, قديمه وحديثه, أمّا نصّ (اغتيال الغسق) فهو أقرب لأن يكون لبنات أو شذرات من سيرة حيدر حيدر الذاتية بعد عودته من المنفى. فالنصّان ليسا حكايتين, مهما كان المرء مرناً في استخدام مفهوم (الحكاية). أما النصّ المعنون بـ (المجرّات) فهو قصّة طويلة نسبياً, يربو عدد صفحاتها على الخمسين, ومن الممكن أن توصف بالحكاية, لأنّ الحكاية بطبيعة الحال مكوّن فنيّ أساسي من مكونات أدب القصّة.‏

ترى ما القواسم الموضوعاتية والفنية المشتركة بين هذه "الحكايات الثلاث"؟‏

من الناحية الفنيّة لا وجود لتلك القواسم, باستثناء أنها كتبت من جانب مؤلّف واحد, وهي تحمل بصماته الأسلوبية وهواجسه الوجودية والفكرية.‏

أما من الناحية الفنيّة بالمعنى الأدقّ للكلمة فإن النصوص الثلاثة التي يتألف منها كتاب (مراثي الأيام) نصوص يختلف كلّ منها عن الآخر اختلافاً جوهرياً.‏

أما القاسم المشترك الأساسي بين تلك النصوص فهو قاسم موضوعاتي ومضموني ألا وهو الموت بأبعاده الوجودية والفكرية والاجتماعية المختلفة: في نصّ (مراثي الأيام) الموت الجماعي بسبب الطغيان عبر التاريخ العربي, الذي انتقى حيدر حيدر أكثر صفحاته دمويّة وسواداً ليعرضها من خلال راوٍ تاريخيّ وآخر معاصر, وصولاً إلى التبرؤ من ذلك التاريخ: "الآن أنا بريء منهم ومن تاريخهم الأسود" (ص60). وفي نصّ (اغتيال في الغسق) يقضي الكلب "فيديل" بثلاث رصاصات أطلقها عليه عسكري يحرس مرزعة الجنرال. أمّا قصّة "المجرّات" فيموت فيها المثقف الوطني وهيب الساهر انتحاراً, بعد أن انحرف وقبل أن يحوّل بيته إلى ماخور قمار, ويستطيع المرء أن يجد قواسم مضمونية وموضوعاتية مشتركة أخرى بين "الحكايات الثلاث" ولكن الفوارق الفنية والموضوعاتية بينها أكبر بكثير من تلك القواسم, مما يجعل الحديث عن "رواية بحكايات ثلاث", كما جاء في الصفحة الأخيرة لغلاف الكتاب, أمراً يفتقر إلى التسويغ. إن نصّ (مراثي الأيام) نصّ قابل للتطوير, وهو يصلح لأن يحوّل إلى رواية تاريخية ضخمة, تعرض أبرز محطات الطغيان الدموي في التاريخ العربي الإسلامي منذ مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان إلى أوائل القرن الحادي والعشرين أمّا نصّ (اغتيال في الغسق) فهو صياغة شبه قصصية لجانب من سيرة المؤلف بعد عودته من المنفى, وهي صياغة ذات طابع ذاتي ووجداني ولغة شعرية, ترى أليس من الممكن أن يحوّل هذا النصّ إلى سيرة ذاتية وافية, تلبّي تطلّع القرّاء إلى معرفة المزيد عن حياة حيدر حيدر وسيرورته الأدبية والفكرية والسياسية, التي تستحق أن تعرض في مسيرة ذاتية متكاملة, وليس من خلال "حكاية" مقتل الكلب "فيديل", رغم استنكارنا الشديد لمقتل ذلك الكلب؟ أمّا (المجرّات) فهي قصّة متكاملة من حيث الموضوع والشكل الفنيّ, وهي تشكل من الناحية المضمونية استكمالاً لرواية (شموس الفجر) وخطوة أخرى على طريق التعبير أدبياً عن أحدث مرحلة من مراحل تطوّر المجتمع السوري, ألا وهي مرحلة انكسار الأحلام الوطنية والاجتماعية المتمثلة في المثقف الوطني الثوري (وهيب الساهر), وانتصار القوى الطفيلية والقمعية, المتمثلة في التاجر والسمسار (سليم مرزوق) وعرّابه وشريكه (أبو هيثم). ترى ألا يتطلب مضمون اجتماعي وسياسيّ وأخلاقي ضخم كموضوع قصّة (المجرّات) أن يصاغ أدبياً صياغة أوسع وأعمق من هذه الصياغة القصصية التي لم تسمح للكاتب بتصوير التطورات المجتمعية تصويراً أدبياً مناسباً؟ ألا يتطلب موضوع ضخم وحسّاس وراهن كهذا أن يتناول الكاتب من خلال جنس أدبي آخر هو الرواية؟ لا جدال في أن من حق الكاتب أن يبدع كما يشاء, ولكن من حق الناقد أن يحاوره بشأن خياراته الإبداعية.‏

ومهما يكن من أمر فإنّ (مراثي الأيام) إصدار أدبيّ مهمّ, يستحقّ أن يُفتح نقاش حوله, وذلك ضمن جهد نقدي يهدف إلى دراسة تجربة حيدر حيدر الإبداعية وتقييمها, فهذه التجربة, وسواء اتفق المرء فكرياً مع صاحبها أم لم يتفق, تعدّ من أبرز التجارب الإبداعية في الأدب السوريّ المعاصر, وقد تجاوز تأثيرها الدائرة القطرية السورية إلى الدائرتين العربية والعالمية. كذلك فمن حقّ حيدر حيدر علينا أن نهتمّ به وأن نقدّره حق قدره, وهو يستحق أن يكرم في بلده تماماً كما كرم الأدباء: محمد الماغوط وعبد السلام العجيلي ووليد إخلاصي وحنا مينه وزكريا تامر, فقامته الإبداعية لا تقلّ عن قامة أيّ من هؤلاء المكرّمين, لقد حان الوقت لإنصاف حيدر حيدر, ولم يفت الأوان بعد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244