جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سنية صالح والغناء خارج الزمن ـــ سناء زعير

الأدب فن قائم على اللغة, وهيهات أن تسكن اللغة أو يثبت الفكر إلاّ بسكون الحياة, ويشهد التاريخ الأدبي, والثقافي عموماً, بأن الفنان المبدع يستطيع أن يتخطى كل التوجيهات المقدمة له, بل هو قادر أيضاً على التأثير في الحس المشترك.‏

سنية الصالح شاعرة تجاوزت زمنها ومهدت لغيره بقدرة فكرية هائلة, وبإدراك سليم للمؤثرات التي خضعت لها في حياتها سواء في داخل نفسها, أو في حياتها مع الآخرين حيث لم تكن بأقل قدرة على فهم الآخر, كيف لا؟ أَليس الإنسان كالبؤرة الضوئية, ألا تتجمع فيها أشعة يكاد يكون من المستحيل على من هو خارج البؤرة أن يتبين مصادرها؟‏

ويحصر مداها, ويدرك أثرها ومقدارها؟ ثم إن القدرة على التعبير عن التجارب الروحية وغيرها لا تتوافر لإنسان ما كما تتوافر لمن يعانيها.‏

فهو وحده القادر على الكشف عن شدتها وتلوينها بألوان لا نهاية لتدرجها. حيث تتلخص في هذه التجربة حياة الإنسان بمعناها الصحيح.‏

حين سألت عنها زوجها الشاعر الكبير محمد الماغوط, وعن رأيه فيها كشاعرة قال: لقد كانت ذواقة من الطراز الرفيع, وكنت أخشى من ردِّ فعلها حيال ما أعرضهُ عليها من أشعار قبل نشرها.‏

لذلك أدونيس كان يخاف من نقدها لأنه كان نافذاً ومصيباً وحِرَفيا.‏

يندمج الفكر بالفن أحياناً دون أن يعرف أحدهما الآخر, وجوهر هذا الخلق الفني عند الراحلة سنية الصالح هو: مفهوماتها الخاصة التي زرعت في شخصية تمتلك الحس العميق بالأشياء, وسط تجربة حية لم تخل من العناء والشقاء والمرض, اختنقت فيها البسمة وفسحت الطريق ليأسِ الحياة. من مجموعتها الثانية حبر الإعدام ومن قطعة تحملُ نفس العنوان تقول:‏

وعندما يطلُ الصيف من أعشاشهِ البعيدة‏

الزرقاء.‏

يتوهج جسدي بنار الأفكار‏

يختفي ضجيج العالم خلف صخب‏

دمي,‏

فأين حبرك المنقذ أيّها التاريخ؟‏

ولكن كيف يتفق الخلق الغني لدى شخص ما, مع نظرة عميقة وذات خصوصية في ماهية الأشياء, فالانفعال لا يمكن أن يحصل لأسباب ذهنية فقط وسنية الصالح عانت في أوقات مختلفة من حياتها تأثيرات هذه الحساسية بصورة جعلتها تدخل عَالم النثر والقصة, لكنها على مجموعة قصصية واحدة نشرت للأديبة, ذلك أن العمر لم يسعفها ومجموعة الراحلة سنية الصالح جاءت تحت عنوان الغبار/ وهي مجموعة تتصدى فيها لهذا العالم, عالم حقيقي بغباره, بعشاقهِ بعمالهِ وبالباحثين عن الوطن مبتعدة عن الخطاب الإيديولوجي الذي غرق فيه كتّاب تلك الفترة مع بعض الاستثناءات من أدباء القصة القصيرة أمثال الأديب الكبير زكريا تامر.‏

ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إنّهُ لو قُيض لتلك الموهبة أن تأخذ فسحتها الزمانية الكافية لاستطاعت سنية الصالح أن تبلغ آفاقاً بعيدة في هذا الفن ولعلها كانت ستجاري أو تسبق المتقدمين فيه.‏

والشيء الجميل أن تتوجه انفعالاتنا الحسية والاجتماعية والعاطفية نحو فن أدبي يحتضن أفراحنا وأتراحنا, القوة والتأثير ليسا عبر إيقاع الكلمة وخصائصها الحسية فحسب, بل عبر الجرأة التي امتازت بها سنية الصالح فشعُرها كان كالمغامرة الأولى الذي شدها إلى ما في الحياة من تنوع كبير في طبيعة تفكيرها وفي حقلها الذهني حتى أنها أطاعت جملها بلغة بعيدة عن أعين الرقيب دون انحرافات, وبلا توسطات: تقول في خريف الحرية:‏

إيه أيها الحب,‏

كلما جاء عصر صار لك لونه‏

وفي عصر الانفجارات العميقة صار لك طعم‏

الانفجات العميقة.‏

في عصر الدماء والجثث المجهولة صار لك طعم الدماء‏

والجثث المجهولة.‏

مع هذه الويلات ينام حبي في حفر الذاكرة‏

مع هذه الويلات ينتشر البنفسج الرائع فوق‏

الخرائط الأنثوية, ثم لا يلبث أن‏

يعبرها باعثاً بجذوره الحية إلى الأرض الخراب.‏

مع إقرارنا بأن بعض الأفكار العميقة تدين بأصولها إلى حضور بعض الصور اللغوية في الفكر, وحضور حتى الأشكال الفارغة.‏

وحضور نغمة معينة تتطلب مضمونا معيناً مع الأخذ بالاعتبار أن قيمة الكلمات تتغير بتغير الأشخاص ـ فالفكر يستيقظ عند مجابهة الصعوبة, والصعوبة حاجز في طريق الحياة, سواء كانت حياتنا الروحية أو العملية. لأن ارتباطنا بالواقع لا يكون إلا عبره ومن خلال الاستجابة الحية لمشكلاتهِ, وخاصة الحاضرة, ألم تقل الراحلة سنية عن الحياة بأنها الخصومة المرهقة وهي التي منحت للألم لذتهُ بجسدها, وهي التي ظلت ترقب طفلتيها بقلق.‏

كان الليل زمنها الخاص, بينما كان زمن زوجها الشاعر محمد الماغوط, المطر والرعد والعواصف, وبعد أن أدمنت روحها طعم الظلام, وشعرت بالموت يقترب منها أكثر.. لم تكن لتتجاوز الأربعين من العمر بينما كان زوجها في الثانية والخمسين من عمره. حين أحست بذلك طلبت منه عهداً بعدم الارتباط بأي امرأة أخرى بعدها ليس لأنانية وإنما لأمومتها التي تنسل من الحياة رويداً رويداً فشام وسلافة ما زالتا صغيرتين وكانت تخشى من تعيشا تحت وطأة الخالة زوجة الأب.‏

لكن الشاعر الكبير والإنسان العظيم, التزم بعهد قطعهُ لنفسهِ قبل أن يكون استجابة لرغبة الزوجة الحبيبة المغادرة, التي قالت ذات يوم في تعبير محموم يتجلى فيه رعب الموت:‏

إنكَ من الزرنيخ يا سيدي,‏

افتح فمي كلّ صباح وابتلع جزءاً منه‏

ولم تنتهِ‏

قلت سيأتي يوم أتوحش فيه‏

وافترسك‏

ثم أستريح‏

جميع أدوية العالم لن تمنحني‏

تلك الفرصة‏

لا أشنة البحار ولا بخور الأولياء‏

ومع قراءتنا لأعمال سنية الصالح يظل مبدأ السؤال مفتوحاً ـ لأن الحقيقة الهامة في أي عمل أدبي هي البحث عن الحقيقة لا الحقيقة نفسها, فالإنسان لا يعرف حقيقة نفسهِ ويظل غير مشبع حتى نهاية الحياة ولكن أدب سنية الصالح يقول: إن ما نخالهُ وهماً يكون في بعض الأحيان حدساً في الممكن وأنه في رؤية الممكن تكمن بذرة العظمة والخلق, ولأن كانت الأحلام الإنسانية مثلها مثل لعبة الخيال, مرتبطة بالانفعالات المستمرة والعميقة, (فكلنا مثلاً نحلم) لكن حُلم المبدع معلن, وقد تكشف الأحلام روحهُ, ولعل ذلك تبدى واضحاً في مجموعتها /قصائد/ الصادرة عام 1980 حيث رأت الجمال في الإنسان المعنى وقد برز إلى المستوى الأول بسماتِهِ المميزة, فالمشاعر تسمحُ لنا بأن نتبنى طباعاً لامعة, قوية كثيفة, لأن المشاعر تكشف للأحاسيس غنى الحياة بالوفير من الألوان الإنسانية, ومن القيمة الحقة للآخرين وإن كانوا أسطورة, الأسطورة التي برزت واضحة كرمز لجأت إليهِ الشاعرة الراحلة, ربما لتوغل المستقبل في الماضي, ففي مقطوعة بعنوان: شام أطلقي سراح الليل/ تقول:‏

ماريا‏

منذ متى يحملُ‏

وجُهكِ كل تلك الغصون‏

منذ متى يجد‏

الخريف في أثرِك‏

ماريا الخجولة‏

كان اسمها منذ سنين‏

مضت فاطمة‏

مع الأيام صار شيئاً آخر‏

ربما شام‏

وشام هي ابنة الشاعرة البكر, غير أن العمر لم يمنحها المهلة الكافية للكشف عما قد يحدث من تطور روحي رغم أن ذلك الاستخدام قد تكرر, ففي نفس المجموعة وفي مقطوعة أو قصيدة /هياج النار/ كانت /كارما/ وهي تقابل القدر في الديانات الهندية, كذلك في قصيدة /الزمن الآتي من قلبك/ كانت/ دوتارا/. وهي آلهة الشمس عند الأنباط ولكن: وكما ينتظر العاشق حبيبتهُ, والليالي نجومها والسفن أمواجها الجريئة, والحرب فرسانها, كان الموت بانتظارها....‏

وقد ملَّ الانتظار, سنية الصالح الشاعرة التي كانت أشبه بطفلة تقرع أجراس الحبر في قلب زوجها الشاعر الكبير محمد الماغوط.‏

هذا الشاعر الذي أقرَّ مراراً بأن وجوده قد أثرَ سلباً على حضورها الأدبي, فطعن اسمه على اسمها دون أن يقصد الظلم أو يتعمده. حين غادرتهُ سنية تابع صعودهُ بما تبقى من قوة لديه متأملاً غيومه الوحشية القاتلة, ثائراً على نفسه أحياناً ممتطياً مزاجه السوداوي ينبهه إلى أن الحياة لن تسمح له بعد اليوم بالأمل, فلم يعد يطلق الشعر لأنه مصدر أمان وأحلام, وإنما يطلق الفكر لأنه سبب القلق العنيف الذي لازمهُ أكثر بعد أن رحلت رفيقة عمره وحبيبته سنية وكان آخر ما قاله فيها:‏

مقطوعة بعنوان /شبح لسنية الصالح/‏

وتلك الأسنان الفارقة بالدم, واللعاب وعواء السنابل‏

إلى أية مجاعة تشير؟‏

وشعرك الأصفر كذهب الفقراء‏

والأحمر كدماء النحر‏

بأي أضاحٍ يحلم وبأية أعياد.‏

لقد اختارت سنية الصالح امتطاء جواد الحزن لتجوب العالم كما يحلو لها, فما كان منها إلاّ اختيار السقوط مع أول أوراق الخريف مدركة أن قبوراً كثيرة بانتظار جسدها, وبالمقابل لم يخلف الراحل محمد الماغوط بوعدٍ خطي قطعهُ على نفسهِ العام الفائت بأن يلحق بها في الربيع, نعم لقد فعل دون أن يودع أحداً, حاملاً روحه إلى روحها إلى عشقهِ الأول وعشقه الأخير, رحل ليصير تراباً بجانب تراب.‏

1 ـ الزمان الضيق 1964.‏

2 ـ حبر الإعدام 1970.‏

3 ـ قصائد 1980.‏

4 ـ ذكرُ الورد.‏

5 ـ مجموعة قصصية /الغبار/.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244