جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جمرة لا تنطفئ نيرودا.... القصيدة ـــ فوزية شلابي/ليبيا

القصيدة هي الخصومة الدائمة مع المسافة..‏

.../ تُشهر احتجاجها العلني على المسافة بين قلبي وبينكَ, فتسمي نفسها للعلاقة الإنسانية.‏

.../ تُشهر احتجاجها العلني على المسافة بين المواطن وبين روزنامة القرارات, فتسمي نفسها للديمقراطية.‏

.../ تُشهر احتجاجها العلني على المسافة بين الخبز وبين الفقراء, فتسمي نفسها للاشتراكية والتقدم.‏

.../ تُشهر احتجاجها العلني على المسافة بين المرحلة وبين المستقبل, فتسمي نفسها للأغاني والألوان والكتب.‏

وعندما يحجز أحدنا مقعداً في القصيدة التي تُعلن الخصومة, وتتمرّد على المواقيت الرسمية, وتخرج عن حدود البراويز, وترفض الوقوف أمام المرآة المصقولة لإصلاح هندامها أو لارتداء ربطة عنق وحذاءٍ لامع!‏

عندما يفعل ذلك, يكون قد حجز احتمالاً لزنزانة/ ومنفى/ ومقصلة/ ومطاردة/ ودم‏

ولذلك مات نجيب سرور/‏

ومات علي فوده/‏

ومات علي قنديل/.‏

وسُجن محمد الأشعري. وعبد اللطيف اللعبي.‏

وطورد أحمد فؤاد نجم. وسعدي يوسف. وسمير عبد الباقي.‏

لذلك لا تنطفئ جمرة نيرودا/‏

جُرحه لا يندمل/‏

وللنسيان لا يكون.‏

ـ 1 ـ‏

مثلما النار لا تكون إلا للاشتعال. والبحر لا يكون إلا للموجة. والأجنحة للطيران. والعشب لازدهار الأخضر.‏

والزهرة للندى والرحيق. والكفّ لشهادة الفقر. والصيف للظهيرات الحارة. والريح للصواري والهبوب.‏

مثلما الوطن حضناً أولاً.‏

مرفأ. تلّة قريبة. وألف وعد.‏

كذلك, فإن الشاعر لا يكون إلا للشعر, فلا طوق نجاة ولا باب للطوارئ ولا تصاريح بالمرور في اتجاهات الضد, ولا خلاص. إذ ليس غير الشعر والشعر ثم الشعر.‏

فالقصيدة هي طقس الشاعر, وهي شُرفته, وهي عذابه, وهي واحته التي يحاور فيها السكون والهدأة, وهي مدينته الضاجّة التي يؤسّس فيها عصراً للعصافير والزهور والفراشات الملوّنة وأقواس قُزَح, ويدعو فيها إلى تقويض الدولة وهدم الواجهات التجارية وتحريم البغاء. وهي عود ثقابه اليومي, وقميصه المزركش, وباقته الفوّاحة, وبيانه السياسي المناهض لديكتاتورية الأيديولوجيات والطبقات والألوان والواحد/ الواحد, وهي مُتعته الوحيدة.‏

وهكذا نيرودا/..‏

يكتب قصيدته التاريخية/ وثيقته الجمالية عن عالمٍ هو عالمنا الذي يراه الشاعر من حيث لا نراه, فينفعل به انفعالين: انفعال العاشق, وانفعال المواطن, حيث تولد القصيدة/ جدلية العلاقة اليومية بين شجرة الأرض وجدائل الحبيبة.‏

فـ (تشيلي) التي يعترف لها نيرودا في مذكراته, ليست سجّلاً ميّتاً من الأرقام والحوادث والذكريات العجائزية.‏

وليست موضوعة أيديولوجية مجرّدة. كما أنها ليست عاطفة بدائية مرتبكة اللغة والأحاسيس.‏

تشيلي/ نيرودا, ليست جسداً أنهكته أمراض الشيخوخة وتعب السنين. إنها صبيّة فتيّة يافعة تشاكس (شقائق النعمان) التي كانت تبدو فراشات كبيرة لا تحسن القفز, ولا تعرف الطيران... وتهبط إلى (بالبارائيو) المدينة الكتوم المتدرّجة الملتوية, التي تهتّز مثل حوتٍ جريح... وتنام مع الصغار في البيدر... وتتفرّج على الزوابع التي تسوّط شاطئ بالبارائيو ونهر امبريال الذي يكتب لنيرودا أشعار ديوانه (عشرون قصيدة حب وأغنية بائسة)(1).‏

وباريس/ نيرودا, كومونة صغيرة جديدة يزرع الشعراء أرضها بالقصائد والألغام المعادية للفاشيّة والنازيّة, وتُهرِّب فيها حبيباتهم المنشورات السرية وسلال الطعام وأخبار السجناء. ويتقاسم فيها مع (نانكي كونارد) الإشراف على إصدار نشرةٍ شعرية تحت اسم (شعراء العالم يدافعون عن الشعب الإسباني), حيث كان الدم الإسباني بمثابة مغناطيس جعل الشعر يهتّز زمناً طويلاً وعظيماً(2).‏

وعن الشعر والفاشيّة:‏

يتذكّر نيرودا:‏

"في غواتيمالا/..‏

طلب مني الشعراء الشبان أن أُنشد عليهم بعضاً من قصائدي, فأرسلوا برقية إلى الرئيس (أوبيكو) طالبين منه السماح بذلك. فامتلأ المكان بأصدقائي جميعهم وبطلبة شبّان, فقرأت متشرّفاً بعضاً من قصائدي لأنه بدا لي أنها قد تفتح شيئاً من نافذة ذلك السجن الكبير.‏

جلس رئيس الشرطة في مكان بارز في أول جلسة تفتيش وتحرّ وإنذار.‏

مِن بَعْد, عرفتُ أن أربع بنادق سريعة الطلقات كانت قد ركّزت هناك, وَوُجهت نحوي ونحو الجمهور. كانت ستنطلق فيما إذا غادر رئيس الشرطة مقعده, وقاطع قراءة الشعر.‏

لكن ما جرى لم يستدع ذلك, فقد ظل رئيس الشرطة في مقعده يستمع إلى أشعاري حتى النهاية"(3).‏

ويتذّكر أيضاً:‏

"إن (رفائيل البرتي) يمكن أن ندعوه الناجي من الموت.‏

ألف مَيتة كانت قد أُعدت له, كانوا يبحثون عنه في كل مكان لطعنه بالخناجر, كي يقتلوا فيه الشعر, لكن الشعر لم يمت. قد يزعجونه, قد يجرحونه, قد ينفونه, قد يحبسونه, قد يفرغون فيه أربع إطلاقات, لكن الشعر يخرج من هذه الحوادث العريضة بوجه نقي وبابتسامة من أرز.‏

لقد عرفت (البرتي) مناضلاً في صفوف الشعب, حين لم يكن هُناك شعراء كُثرُ يؤدون هذه المهمة الصعبة, ويقومون بهذا المصير الخطير.‏

لقد أضاءت هذه الوردة في إسبانيا, درب من حاولوا منع الفاشيّة, والوقوف في وجهها. ولم يكن (البرتي) يكتب القصائد الملحمية فحسب, بل كان يُنشدها في الثكنات وفي الجبهات, وهو الذي ابتدع حرب العصابات الشعرية, اخترع الحرب الشعرية ضدّ الحرب, خلق الأغاني التي راشت ورفرفت تحت قصف المدافع, ثم راحت من بعد تحلّق في كل سماء وفوق كل أرض"(4).‏

و..../..‏

"بعد بضع ساعات تحرّك تضامن الكتاب والأصدقاء في الأرجنتين وتشيلي وفي بلدان أخرى عديدة, مما اضطرهم إلى إخلاء سبيلي من الزنزانة "في بيونس أيروس". فأخذوني إلى المستوصف, وأعادوا لي هناك حوائجي الشخصية التي كانوا قد سلبوها مني, واعتقوني. كنتُ على وشك مغادرة السجن حين اقترب مني أحد حراسي ووضع في يدي ورقة, كان عليها قصيدة مكتوبة يُهديها لي... أبيات بدائية مليئة بالأخطاء, ومُفعمة بالبراءة الشعبية. أعتقد أن شعراء قلائل في العالم أُهديَ إليهم ما أُهديَ إلي, وتلقوا تكريماً شعرياً من قبل الشخص الذي كانت مهمته هي الحراسة القاسية الشديدة, كما تلقيت من حارسي الشاعر"(5).‏

ـ 3 ـ‏

وحيث يكون بيت من قصيدة/ يكون بيت للنار ومأوى للفارين من عدالة السمنة والخوذة, وحرب لا تتوقّف ضدّ المتاريس ومحاكم التفتيش وممالك الرمادي/ البديل البرجوازي لقرميد الأبنية الشعبية, ورائحة البصل الأخضر, ومُواء القطط الجائعة, ولَسعة العسل البلدي!‏

حيث يكون الشاعر/ تبدأ ورطته الجميلة في علاقته بالنار, وهَيجَان البحر, والرمال المتحرّكة وعيون المخبرين, ورطوبة الزنازين/...‏

وتطرح الشجرة, حنّاء وأعشاشاً للعصافير ومظلّة للمستجيرين من الرمضاء ووعثاء السفر الطويل بين محبّة ومحبّة, وكتاباً في أدب النضال, وإطلاقة في مقتل الراهن/.‏

ويطرح الراهن على الشاعر, خَياراته الرخيصة/..‏

أن يهادن/‏

أن يخون/‏

أن يقبض/‏

غير أن للشاعر خَياره الوحيد/..‏

الحريّة/ الدم.‏

وللحرية/ الموت كان نيرودا,‏

للحرّية/ الموت يبقى نيرودا (تمثالاً على قيدوم السفينة).‏

(1) أشهد أنني قد عشت. بابلونيرودا. ترجمة: محمود صبح. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. ط1. 75م. ص85 ـ 88.‏

(2) المصدر نفسه, ص 187 ـ 188.‏

(3) المصدر نفسه. ص232.‏

(4) المصدر نفسه, ص 203 ـ 204.‏

(5) المصدر نفسه, ص332.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244