جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أوراق من ذاكرة الفن التشكيلي السوري(2) مرحلة التأسيس والريادة ـــ عبد الله أبو راشد

الفنان (عبد الوهاب أبو السعود 1897 ـ 1951)‏

الفنان عبد الوهاب أبو السعود المولود في مدينة نابلس الفلسطينية عام 1897, والمترعرع في طفولته ومرحلة فتوته الأولى بمدينتي صيدا وبيروت, والمُتلقي تعليمه العالي بالأزهر بالقاهرة ليغادره طواعية مؤثراً الالتحاق في هوايته التي أحب فنون (التمثيل والمسرح) والعمل في إطار مسرح (جورج أبيض) بمصر, ليطيب له المقام في مدينة دمشق مؤسساً نادي الاتحاد والترقي الثقافي عام 1981 وشعبة التمثيل فيه والعمل كمُخرج وكاتب ومصمم ديكور ومناظر وممثل.‏

بداية عهده بالفنون الجميلة التشكيلية كانت من خلال الصحافة عبر رسومه الهزلية "الكاريكاتيرية" المنشورة على صفحات المجلات السورية (حط بالخرج, المُضحك المُبكي), تابع دراسته الجامعية في أكاديمية الفنون الجميلة بباريس مُتخرجاً عام 1937, ليعود لدمشق والانخراط في مهنة التعليم كمدرس لمادة الرسم والأعمال الفنية, ساعده ذلك على تأسيس المسرح المدرسي وكتابة مسرحيات متصلة بالتاريخ العربي وتخليد رموزه وأبطاله, وتصميم ديكورات المشاهد والرسوم الفنية المتممة, كان عروبياً بامتياز فني وفكري وبقي كذلك حتى وافته المنية بمدينة بلودان في شهر أيلول من عام 1951.‏

أنتج مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية الجدارية وسواها ذات الصلة بالمواضيع التاريخية التسجيلية للشخوص والمراحل العربية الإسلامية الماجدة منذ عصر الخلافة الراشدية "العمرية" وحتى الأندلس, وأكسبته العواصم والدول التي عاش في ظهرانيها وعياً فكرياً وحرية سياسية وثقافية على العمل في ميادين ابتكار متنوعة. كان مُنحازاً جملة وتفصيلاً إلى ذاكرة المكان العربي وجمالياته التاريخية والحضارية, ومشغولاً بجمال الطبيعة والإنسان العربي والعاملين في المهن اليدوية والصنائع المحلية المختلفة, ومفتوناً بالحقبة العربية الإسلامية منذ الفتوح الأولى وصولاً إلى الأندلس, التي شغلته بفتنتها الحضارية والجمالية وأخذت منه كلَّ مأخذ مُستحوذة على مشاعره ومناطق موهبته وتفكيره والتعبير عنها بمجموعة من الرسوم واللوحات مثل: لوحات "طارق بن زياد, حرق السفن, فتح الأندلس, قصر الحمراء, معركة اليرموك, فتح بيت المقدس, أبو العلاء المعري, ابن سينا, سوق عكاظ", ورسم كافة معالم مدينة دمشق القديمة لاسيما قصر العظم والتكية السليمانية والمآثر المنتشرة في مساجدها وأسواقها وبيوتها الأنيسة المعانقة لورود الشام ومائها ووجوهها الحسنة المُشرعة على أشعة الشمس وضوء القمر.‏

لوحاته تأخذ سياقها الفني التشكيلي من خلال الاتجاهات المدرسية الأكاديمية (الواقعية ـ التسجيلية) التي تولي كلّ الأهمية لجودة التكوين وحُسن التوزيع المدروس للعناصر والمفردات التشكيلية المرصودة, ومراعاة النسب الذهبية وأبعاد المنظور وفق النزعات المركزية الأوربية الغربية ثلاثية الأبعاد (الطول, العرض, العمق). تقوم على آليات الرسم الحسي المُباشر والمتكئة على جودة القراءة البصرية للنموذج المقصود, وحساسية العين وقدرتها على التحليل البصري للأشياء والخطوط والملونات وترتيب أوليات الرسم, ومن ثم التلوين والاختصار والحذف بما يخدم فكرة الموضوع المطروق, يولي الأهمية للون المتدرج في أبعاده الفيزيائية الهوائية المتوافقة ومرئياته, أي الموازنة المدروسة ما بين حدة اللون وشفافيته ودرجته برودة وحرارة, وتوافق بصري اتصالي ما بين شبكية العين المُبصرة والشكل المرئي المُراد رسمه في متواليات البعد والقرب وتنويعات المساحة اللونية تدرجاً وانسجاماً مع احتلال حيزه الطبيعي في متن اللوحة.‏

الاتجاه الواقعي ـ التسجيلي في الفن هو ميدانه ومجاله الحيوي في تأليف نصوص سرده البصري, اللون يمتطي صهوة عجنته اللونية يجوب سهول السطوح المتناظرة والمتجاورة والمتآلفة الطبقات والحركة الدائمة والموازنة ما بين الشخوص والعناصر الرئيسية في وسط ومقدمة اللوحات وخلفياتها المتناثرة بكل الاتجاهات, كل فارس صولاته التقنية وحرفته المفتوحة على التجريب والتنوع في المواضيع المتناسلة من واقع الحياة اليومية المُعايش لشخوص ومراحل وأزمنة, ريشته المُدربة على شغل المساحات الخلفية والأساسية وتأليف واحة رموزه وعناصره الطبيعية والآدمية التي لا تسمح بترك أية فواصل صريحة ما بين لون وآخر, بل هي مندمجة اندماجاً مُحبباً يُضفي شيئاً من الحركية اللونية وشعرية التعبير عن الفكرة المنشودة وتخفيف حدة اللون وصراحته في عين ووعي وحساسية المُتلقي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244