جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عز الدين التنوخي الشاعر المجاهد (1889 ـ 1966م) ـــ أحمد سعيد هواش

كانت الأسبوع الأدبي قد نشرت القسم الأول من هذا المقال بالعدد 871 الصادر في يوم السبت 25 جمادى الآخرة لسنة 1424 للهجرة الموافق 23/8/2003م([1]).

ولعل من الصدف الطيبة أن يتم نشر القسم الثاني من المقال المذكور في ذكرى مرور أربعين عاماً على رحيل العلاَّمة الأستاذ المربي عز الدين التنوخي ـ عضو مجمع اللغة العربية بدمشق ـ طيب الله ثراه.

ولقد عُرِف المرحوم عز الدين التنوخي بعلمه وتبحره في مفردات العربية, وهو من أئمة المترجمين عن الفرنسية للعربية ـ قضى حياته الطويلة جاداً دؤوباً على الدرس والبحث والعلم والعمل حتى غدا حجة في العربية وآدابها, وقد انتدبه المجمع العلمي العربي بدمشق لإلقاء كلمته في حفل تأبين أمير الشعراء أحمد شوقي في القاهرة, كما عهد إليه ليكون أمين سر المهرجان الشعري الكبير الذي أقيم في دمشق في ألفية أبي الطيب المتنبي, فألقى بائيته الرصينة التي تنيف على الخمسين بيتاً([2]), والذي جاء مطلعها:

عاش فوق الثرى وتحت التربِ

 

 

خالداً في قلوبنا المتنبي

ظل ألفاً من السنين يسمى

 

 

شاعر اللفظ والعلى والحرب

ثم يختتم قصيدته هذه بإظهار عروبة "المتنبي" وشهرته التي طالت الآفاق, وحكمه التي لا زلنا نستقي منها معانيها السامية, فشعره مالئ الدنيا وشاغل الناس كما قيل, فقال:

ينتمي كل شاعر لحماه

 

 

وهو للعُرب ينتمي والشهبِ

ملأ الكونَ شعره شغل النا

 

 

س بأحوال جدهم واللعبِ

فهو مسعار ثورة وهدى قا

 

 

ب ونحن الهوى وحَدْوُ الركبِ

شعرهُ صورة الحياة لهذا

 

 

يتمشى مع الحياة لجنبِ

وهكذا كان الشاعر التنوخي يعلو المنابر ويلقي الشعر بصوته الجهوري الرفيع, وأكثر ما كان ينظم الشعر في الوطنيات والقوميات, والحنين, ووصف الطبيعة, والإخوانيات والرثاء, إذ كان للفقيد عز الدين التنوخي أصدقاء خلصٌ, منهم العلاَّمة الهندي المرحوم: عبد العزيز الميمني الراجكوتي([3]) الذي كان صديقاً حميماً له, وكان العلاَّمة "الميمني" قد تأخر بإرسال الرسائل لصديقه "التنوخي" فأرسل له معاتباً على التقصير قصيدة, نقتطف منها أبياتاً إذ قال:

ضَنَنْتَ بقرطاس علينا ولم يكن

 

 

أبو عمر, ممن يضن بقرطاسِ

فديتك لا أفدي بروحي سواكم

 

 

وأهلي وإخواني وقلبي وأنفاسي

ثم يُذكّره بغوطة "دمشق" التي كان يحبها العلاَّمة "الميمني" ويزورها مع صديقه عندما كان يُحْلُ ضيفاً عليه في دمشق فقال مخاطباً إياه:

أأنساكم جو الهنا "الغوطة"؟

 

 

غدت جنة الدنيا بماء وأغراسِ

عَنادلها صَدَّاحة في رياضها

 

 

وتقيم لنا مع الألحان حفلة أعراسِ

وكيف نسيتم حُبّنا وعهودنا

 

 

وما خلتُ يوماً أن قلبكم قاسي

إذا أنسَ الناسُ الأحبة لم أكن

 

 

لمثلك يا عبد العزيز بناسِ

وكان العلاَّمة "الميمني" وفياً لصديقه "التنوخي" فَرَثَاه عند رحيله بكلمة حزينة مؤثرة...

كيف لا؟! وهل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان, فقد كان المرحوم عز الدين التنوخي رضي الخلق, كريم النفس, جم التواضع, عف اللسان, قريباً من القلب, وكان متمسكاً بدينه, ومقراً بقوميته, مجاهداً في سبيل أمته بسيفه وقلمه, جاهداً في الحفاظ على لغتها وتراثها, كما كان وفياً لرفاق الدرب وأبناء الوطن والأمة, فلقد بكى شاعرنا "التنوخي" صديق رحلته في الصحراء, الشهيد: جلال الدين البخاري, الذي مضى مع شهداء السادس من أيار لعام 1916م, فذكر فضائله الحميدة, ووفاءه لأصدقائه ورفاقه فقال:

 

فياعين جودي بالبكاء على أخي الـ

 

 

وفاء جلال الدين لا تدخري وسعا

لقد كان يرجى في الشدائد نفعه

 

 

وقد قل أن يجدي بها أحد نفعا

وفيٌ ذكيٌ مخلصٌ قد عهدته

 

 

سريعاً لداعي المكرمات متى يدعى

سقى اللهُ قبراً رعى العهد ربه

 

 

وحيا الحيا ذاك الجلال الذي أنعى

وفي صيف عام 1940 تمتد يدٌ آثمة لتغتال الزعيم الوطني المغفور له الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في عيادته وهو يقوم بواجبه الإنساني بعلاج مرضاه, ويشارك الشاعر المجاهد عز الدين التنوخي في الاحتفال التأبيني الكبير الذي جرى للشهيد الشهبندر بدمشق بذكرى مرور أربعين يوماً على رحيله مع الشاعر الكبير عمر أبو ريشة وكثير من رجال الفكر والسياسية والأدب([4]).

لقد كانت ثقافة الفقيد "التنوخي" متسعة الآفاق, متعددة الجوانب بالإضافة كونه شاعراً عربياً قومياً, إذ قال:

إن يهم قيسٌ بليلى زمناً

 

 

والنواسي ببنت العنبِ

فلقد همت وذبت شجناً

 

 

ببني عمي وقومي العربِ

وفي الثاني والعشرين في شهر نيسان لعام 1955م, سقط شهيدٌ آخر, غيلة أيضاً, إنه الشهيد العقيد الركن المجاز المرحوم عدنان المالكي, في شهر الربيع والأمل وتفتح الحياة, أراد الاستعمار أن يقضي على ربيع وأمل وحياة هي حياة وأمل وربيع عدنان المالكي, أرادوا أن يجعلوا من الربيع شتاء, ومن الأمل يأساً, ومن تفتح الحياة, إطفاء شعلة للحياة في وطن وشعب وأمة..

وكانت خيبة من خيبات الاستعمار وصفعة يتلقاها من شعب لا يريد أن يخط بيده وثيقة فنائه بالدخول في الأحلاف الاستعمارية وبالصلح مع الصهيونية... لذا بكاه الشعب بكافة فئاته, ومن أولى من الشعراء الوطنيين, كالشاعر المرحوم عز الدين التنوخي الذي يعرف قيمة الرجال في الحفاظ على تراب الوطن أمثال الفقيد الشهيد المالكي الذي رثاه الشاعر الوطني "التنوخي" بمطولة نونية بعنوان: "يا أسفاً على عدنان" نقتطف منها قوله([5]):

عز الشآم ونح على عدنان

 

 

فالمالكي بها فتى الفتيان

لهفي عليه مضرجاً بدمائه

 

 

بيد الرقيب الحارس الخَوَّانِ

إلى أن قال: مظهراً أسفه وحزنه على الفقيد "المالكي" الذي كان الوطن يدخره للمهام الجسام:

أعزز علي بأن أرى ركن الحمى

 

 

والجيش يصرعه أخس جبان

كنا ادخرناه لإسرائيل إذ

 

 

يحمى الوطيس ويلتقي الجمعانِ

قالوا: قضى عدنان, قلت كذبتم

 

 

عدنان ليث الجيش والفرسانِ

ثم يصف الشاعر التنوخي حزن أبناء الشعب وبكائهم على الشهيد المالكي وهم يحملون أكاليل الزهور مودعين إياه إلى مثواه في دنيا الخلود:

ولمن عيون الشعب تبكي لوعة

 

 

من حوله بالوابل الهتانِ

ولمن أكاليل الزهور وطيبها

 

 

من طيب الأخلاقِ والأردان

تلك إطلالة سريعة على علم من أعلامنا المنسيين, فهل يقوم أحد طلابه بجمع شعره وإصدار كتاب عنه؟!!

المناهل

1 ـ الدكتور عدنان الخطيب, المجمعيون في خمسين عاماً, إصدار المجمع العلمي العربي بدمشق الطبعة الأولى عام 1979م.

2 ـ الدكتور عبد الرؤوف جبر, الرحلة التنوخية, رحلة عز الدين التنوخي من الزرقاء إلى القريات, عَمّان, الأردن 1985م.

3 ـ فضل عفّاش, رجالات في أمة, عز الدين التنوخي, حجة في العربية قادع الطغيان بسيفه وقلمه, دمشق, دار المعرفة, الطبعة الأولى 1988م.

4 ـ عمر رضا كحالة, معجم المؤلفين ـ الجزء الثاني, مؤسسة الرسالة, بيروت, الطبعة الأولى, 1993م.

5 ـ خير الدين الزركلي, الأعلام, الجزء الثالث, دار العلم للملايين, بيروت, الطبعة الرابعة عشرة 1999م.

6 ـ المالكي رجل وقضية, منشورات الفرع الثقافي, العسكري بدمشق 1956م.



([1]) مقال مصطاف الزبداني, عز الدين التنوخي, مجلة الرسالة صاحبها أحمد حسن الزيات, للعدد (274) 3 أكتوبر 1938م.

([2]) قصيدة "صوت دمشق" للأستاذ عز الدين التنوخي, مجلة الرسالة, صاحبها أحمد حسن الزيات, القاهرة, العدد (164) آب (أغسطس) 1936م.

([3]) عبد العزيز الميمني الراجكوتي, أبو عمر (1888 ـ 1978م), انظر مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق, الجزء الأول كانون الثاني 1979م, المجلد الرابع والخمسون, المقال الهام الذي كتبه الدكتور الفحام عن العلاَّمة "الميمني" وهذه القصيدة وجدت ضمن أوراق المرحوم الشاعر: عز الدين التنوخي عند أسرته بدمشق.

[4] حسن الحكيم, عبد الرحمن الشهبندر حياته وجهاده, الدار المتحدة للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت (ط1) 1985م, ولم نعثر على القصيدة.

([5]) كتاب "المالكي" رجلٌ وقضية منشورات الفرع الثقافي العسكري, دمشق 1956م.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244