جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دقة رامي القوس ـــ وليد معماري

قلت، وأكرر، أن فن القصة القصيرة يحتمل أسئلة كثيرة، وهامة، عن علاقة القصة القصيرة بفنّي الشعر والرواية... وهل القصة فن هجين بين فنّين؟..‏

ولا أنفي.. وربما كثيرون غيري، يرفضون مثل هذه العلاقة.. فالرواية سرد نثري، لا يحتمل إلا القليل من الشعر، وقد لا يحتمل، لأن السرد في الرواية هو الأساس، كذلك في القصة القصيرة التي تحتمل السرد، ولا تحتمل الشعرية.. وأظن أن على القصة القصيرة أن تتضمن الحكائية (وليس الحكاية).. وتتضمن الحبكة، ولكن ليست الحبكة المدرسية المعتمدة في المناهج المدرسية.. لأن تقنية القص قد تبدأ بحل الحبكة قبل نسج التفاصيل.. ثم الحوار (الدال) الذي هو تتمة لنسيج الحياة..‏

القصة القصيرة هي سرد.. ولكنه سرد يلتقط الومضة واللحظة الراعشة.. وربما المكان الواحد، والزمن المبتسر... وإذا كانت الرواية هي فن الجماعة، فإن القصة القصيرة هي (الصوت المنفرد) والخاص... وهي، أي القصة القصيرة، حسب تعبير أليزابيل أليندي: "إطلاق سهم.. حيث لا بد من توفر غريزة وممارسة.. ودقة رامي القوس، والقوة اللازمة للإطلاق، والعين القادرة على قياس المسافة والسرعة في الرمي، والحظ الطيب لإصابة الهدف"... وحسب تعبيرها أيضاً: "القصص القصيرة تصنع بالإلهام.. أما الرواية فتصنع بالعمل"!..‏

لكن سؤالي الأهم، ما دامت الفنون الأدبية مترادفة، هل يمكن قبول طغيان أسلوب الرواية على القصة؟.. أو طغيان الشعرية على لغة السرد؟... ويقيني (القابل لكل مماحكة) أن الفنون السردية يمكن أن تستفيد من الشعر، ولكن إلى الحد المخفي من الشعر وحسب.. ودليلي على ذلك لغة غابرييل غارثيا ماركيز التي جنحت نحو تتابع الأحداث، جملة إثر جملة، وحدثاً بعد حدث، ولكن بفن شعري مخفي، وعالي المستوى ودون فراغات لأي لغو مجاني.. وهذا ما فعله نجيب محفوظ في كل أعماله الروائية..‏

وطالما كررت شاهداً من عمل أدبي كتبه مكسيم غوكي، وقدمه لأنطوان تشيخوف، وفيه يستطرد مكسيم غوركي في ثلاث صفحات أو أربع، واصفاً الجو الذي سبق سقوط المطر.. وقال تشيخوف لغوركي: ألم يكن الأجدى بك القول في سطر واحد، أن السماء اكفهرت، ثم أمطرت الغيوم؟!..‏

وهذا ما أخذ به مكسيم غوركي، وأبدع في صياغة محكمة رائعته المعنونة باسم (الأم)..‏

وأدعي أن الإصرار على الشعرية يفسد السرد الروائي والقصصي، وغالباً ما يلجأ الكاتب غير المتمكن إلى فبركة عمل يستند إلى أحداث ذهنية، لم يعايشها حياتياً، أغلبها يمتح من قصص مقاومة فبركها الكاتب من عناصر شاهدها مصورة على شاشة التلفزيون... أو تخيلها وهو جالس خلف منضدة الكتابة... إمّا لنقص في تجربته الحياتية، أو لنقص في الموهبة، منعه من رؤية الواقع الذي عايشه من حوله، أو يعيشه الآن، والتقاط الجوهري فيه، ثم إعادة صوغه في بوتقة الفن.. فالذهنية لن تقدم في أحسن الأحوال سوى فن باهت، ومفتعل، وضعيف، وغير ممتع..‏

لا أطالب بنقل الواقع فوتوغرافياً، لأن هذا يشبه أخذ التراب الذي يحتوي على القليل من فلذات الذهب.. ثم سكبه في (بلوكات) من أجل بناء غرفة... ولا أستبعد عنصر التخييل (لا التخيّل)، في بناء قصة جيدة.. فالتخييل يزيد من عمق الواقع، ولكن ضمن شروط تدركها الموهبة الجيدة فقط.. مثلما يدركها المتلقي الفطن، ويستمتع بها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244