جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تطبيع ثقافي جديد ـــ د.حسين جمعة

لم يعد غريباً أو مستهجناً ما تقوم به بعض المؤسسات المدنية والفكرية العربية التي تدار برؤوس لولبية مدورة تلبس لبوس الانفتاح على الثقافات الأخرى؛ وتتزيا بزي الحرية والديمقراطية لتسطو على عقول المفكرين والمثقفين والباحثين لجذب العديد منهم إلى حظيرتها وإقناعهم بكل ما تتبناه من قيم وآراء.‏

ولعل من بين هذه المؤسسات المدنية التي تحظى بغير قليل من الاحترام في أوساط شتى من خلال اسمها ومسؤوليها مؤسسة (المعهد الملكي للدراسات الدينية) في عمان. فقد دعت هذه المؤسسة إلى مؤتمر أكاديمي صاغت عنوانه بأسلوب بارع ومتقن، ولا سيما حين جعلته عنواناً محايداً ومفيداً للمنطقة وأبنائها وهو (التجمع العالمي الثاني لدراسات الشرق الأوسط) في الفترة (11 ـ 16/6/2006م)، وكان المؤتمر الأول قد عقد في (منيز) الألمانية عام (2002م).‏

وشارك في المؤتمر الأكاديمي الثاني الذي رافقه فعاليات ثقافية وفنية مختلفة فضلاً عن المعارض (1500) شخصية علمية وثقافية من مختلف دول العالم، منها شخصيات صهيونية وأمريكية، مدنية وعسكرية، جاءت لتتحدث في أبحاث تحمل العناوين الآتية: (التسامح، التهديدات الإسلامية، الحرب على الإرهاب، دراسة الدين المقارن في الإسلام).‏

ولن أتناول هذه الموضوعات بحد ذاتها، ولن أعارض حديث أحد الباحثين فيها؛ ولا الآراء التي قدموها حول التسامح والحرب على الإرهاب والتهديدات الإسلامية ولكني سأُذكِّر الجميع بحفلات الإبادة الوحشية المنظمة التي مارسها ويمارسها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، وآخرها عملية القرصنة الهمجية لهذا الكيان على غزة والقطاع منذ (28/6/2006م). وقد مضى عليها خمسة عشر يوماً سقط فيها ـ حتى الآن ـ أربعون شهيداً ومئات الجرحى، ودُمِّرت البنية التحتية للقطاع من جسور وطرقات وكهرباء وماء ومستشفيات، وأُزيلت أبنية عن وجه الأرض. لم يرحم الجيش الصهيوني الأطفال والشيوخ والنساء، وأرجعهم إلى حياة بدائية علَّهم يرحلون عن أرضهم... كل هذا يحدث تحت سمع العالم وبصره، فلا ضمير الأمين العام للأمم المتحدة يصحو، ولا دعاة الحرية وحقوق الإنسان في أوربا يسمعون أو يشاهدون ما يجري من مجازر فظيعة لم يشهدها التاريخ البشري يوماً. أما الصوت العربي المقموع رسمياً وشعبياً فقد تجاوز في خذلانه كل ما هو مألوف، بل إن بعض أصوات الأنظمة عبّر عن ولائه للعدو، وراح يدخل زناة الليل إلى حجرة الضحية (كما قال الشاعر العربي مظفر النواب).‏

ولن أقف طويلاً عند حفلات الاغتصاب والقتل الجماعي التي يقيمها الجنود الأمريكان في العراق ابتداء من يوم (20/3/2003م) وأشنعها حفلة اغتصاب الفتاة "عبير قاسم" وحرق جثتها وقتل أربعة من ذويها منهم أطفال صغار في المحمودية في شهر (آذار/مارس/2006م).‏

لن يدهشني ذلك كله فحفلة الاغتصاب الكبرى للشرف العربي بدأت قبل هذه الجريمة النكراء بزمن منذ مجزرة دير ياسين في (9/4/1948م) بقيادة المجرم (مناحيم بيغن) فبعد تنفيذ الصهاينة للمجزرة قاموا باغتصاب النساء بشكل منهجي ثم قاموا بقتلهن. ثم مارس النظام الرسمي العربي كل عمليات التضليل والتستر على جرائم العدو تحت مقولة (سَتْر جريمة الاغتصاب أفضل من كشفها) لأنها كشفها تشهير بشرف أسياد القبائل، مما يسيء إلى كرامتهم الضائعة...‏

فالأرض والعرض قد اغتصبا تحت سمع سادة القبائل وأبصارهم, وهذا كله يعتصر قلب كل حر وشريف في هذه الأرض من دون شك ولكن الأشد إيلاماً وقتلاً للمروءة أن تكتمل الدائرة باغتصاب الثقافة العربية والإنسانية في حفلات كبرى يدعى إليها المثقفون والأكاديميون في عواصم عربية وإسلامية. وتراهم يتقاطرون إليها وقد حملوا كل ما لديهم من كراريس وكتب ليوثقوا عقود اغتصاب جديدة للثقافة العربية والإسلامية.‏

أنا لن أتحدث عن المثقفين الذين جاؤوا من الدول المطبّعة مع الكيان الصهيوني ولكنني سأشير إلى عدد من المثقفين الذين تسارعوا من دول عربية وإسلامية لم تعترف بالكيان الصهيوني؛ تناهوا إليها إما جهلاً وإما تغريراً بهم وإما عمداً وعن سابق تصميم وإرادة، وهم أكثر الناس معرفة بما قام ويقوم به الكيان الصهيوني في فلسطين وما يقوم به الجيش الأمريكي في العراق.‏

ومن يدخل إلى الموقع الإلكترونية للمؤتمر سيجد أكاديميين من الكويت والسعودية وإيران وغيرها من الدول يقفون جنباً إلى جنب مع أكاديميين صهاينة. وهنا تكمن المأساة؛ فهذه الدول تشن حملة شعواء على جرائم العدو؛ مُذَكِّرين الجمهورية الإسلامية خصصت الجمعة الأخيرة من رمضان يوم عالمياً للقدس. ومن ثم يزداد الاستهجان إذا علمنا بأن أكبر عدد من الأكاديميين جاء من إيران، لا يزيدهم في العدد إلا من جاء من داخل فلسطين المحتلة، ويليهم في العدد أكاديميو الدولة المضيفة (الأردن).‏

وأنا أترك للقارئ أن يرجع إلى الموقع ليشهد بنفسه كل من شارك إيران والأردن، بيد أنني أشير إلى اشتراك من جامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا وجامعة الزيتونة، وجامعة عمان الأهلية والجامعة الأردنية وجامعة البتراء، وجامعة آل البيت للدراسات الإسلامية والجامعة الهاشمية، والهيئة الأردنية للمرأة، وهناك معلمون من وزارة التربية ومحامون ومهندسون، وباحثون مستقلون شاركوا في المؤتمر.‏

وأترك له أن يتعرف إلى كل من جاء من داخل الأرض المحتلة من جامعة بن غوريون وعكا وحيفا وجامعة بار وتل أبيب والجامعة العبرية وأكاديمية تل هاي الإسرائيلية، وكلية بيت بيرل, ومنظمة يورو هام الإسرائيلية، ومعهد مارتن بوبر الإسرائيلي، وكلية التخنيون الإسرائيلية, ومنظمة كيان النسوية في إسرائيل، ومراكز أخرى, فضلاً عن الباحثين المستقلين والطلبة.‏

وإذا كانت حجج كثير من الأكاديميين العرب والمسلمين ممن حضر المؤتمر من الدول غير المُطبِّعة مع الكيان الصهيوني تستند إلى وجود المطبعين من العرب من جهة وإلى الانفتاح على المؤتمرات العلمية والثقافية ليقولوا كلمتهم وألا يتركوا الساحة خالية للعدو ومن والاه من جهة أخرى، فماذا نقول للمنظمات الأكاديمية البريطانية التي أعلنت مقاطعتها لهذا المؤتمر وأي مؤتمر آخر يشارك فيه أكاديميون صهاينة ما دامت دولتهم اللقيطة تمارس أعتى صنوف الوحشية والإبادة بحق الشعب الفلسطيني؟.‏

إن الاختراق الأكاديمي الذي تشهده الساحة الفكرية والعلمية العربية والإسلامية يعدُّ الأخطر من نوعه، وهو لا يقل خطراً عن الاختراق العسكري الذي يجري في فلسطين والعراق. فنحن نستطيع أن نواجه آلة الموت والدمار بأجسادنا، ولكن كيف يمكننا أن نواجه حالة الاختراق الثقافي الفكري الذي وصل إلى أذهان كثير من أبناء جلدتنا تحت دعوات مضللة وزائفة تتبناها ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني؛ والمؤسسات العلمية والثقافية الأخرى؟‏

فإذا كانت الأنظمة العربية قد انكسرت أمام ضغط الآلة الهمجية للإدارة الأمريكية والصهيونية فما الذي يجبر المثقفين الشرفاء على انكسارهم وهم الأحرار في المشاركة، أم أن في الأمر شيئاً مخفياً يؤكد أن هناك تطبيعاً ثقافياً من نوع جديد يحصل على الساحة العربية والإسلامية؟‏

من هنا أتوجه إلى المثقفين والأكاديميين قبل توجهي إلى الشرفاء الأحرار من المسؤولين في الدول العربية والإسلامية, قائلاً لهم جميعاً: اتقوا الله في أمتكم وشعبكم وثقافتكم، وكونوا على قدر المسؤولية، ولا تكونوا بأقل كرامة وإنسانية من المنظمات الأكاديمية البريطانية، والله لن يترك لكم الصهاينة والأمريكان شيئاً تعتزون به في مشروع (الشرق الأوسط الكبير).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244