جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الوعي المتمرد ـــ د.يوسف سليم ســلامة

إذا كان (الوعي الواضع) هو الوعي الذي يفوز على غيره في معركة الحياة والموت بين البشر فيصوغ العالم على نحوٍ مطابقٍ لتصوراته، وكان (الوعي الأصولي) هو الوعي الذي خرج من هذه المعركة خاسراً فانكفأ إلى الوراء فلم يجد بُداً له من التمسك بأهداب الماضي وأفكاره وخيالاته طلباً للتوازن وتعويضاً روحياً ونفسياً وأخلاقياً عن الهزيمة التي لحقت به في النزاع على امتلاك الحاضر والسيطرة عليه، فإن (الوعي المتمرد) هو ذلك الوعي الذي يجد نفسه مضطراً للدخول في معركةٍ مزدوجةٍ، معركةٍ مع (الوعي الأصولي) من ناحية، ومعركةٍ مع (الوعي الواضع) من ناحيةٍ أخرى.‏

وعلى ذلك فجوهر (الوعي المتمرد) قائمٌ في فعلين مركبين يتداخل أحدهما بالآخر تداخلاً شديداً حتى ليستعصي على العقل في بعض الأحيان فصل أحدهما عن الآخر أو عزله عنه، وذلك لما بينهما من تشابهٍ، على الرغم من أن كل فعلٍ منهما، بحكم ماهيته وطبيعته يتوجه قصدياً، وفقاً لصورٍ مختلفة من القصد لمعارضة الصور المختلفة ( للوعي الواضع) الظافر والمنتصر في الهُنا والآن، ولمباينة ودحض الصور المختلفة (للوعي الأصولي) الذي انهزم في المواجهة فانكفأ على ذاته، ولكنه قنّع ذلك الانكفاء بنوع من الحذلقة اللفظية التي تدين العصر وتكفر أهله وتندد بالتقدم الذي تحقق عندما تدينه بوصفه خرقاً للأصول الثابتة للأمة والجماعة والتي لا يجوز خرقها أصلاً من وجهة نظر (الوعي الأصولي).‏

ولو أننا نظرنا بعمق متأملين في ماهية الفعلين المهيمنين على بنية (الوعي المتمرد)، لوجدنا أنهما (الرفض) أولاً (والمقاومة) ثانياً. وما ينبغي التشديد عليه هنا من جديد هو أن هذين الفعلين لا ينفصل أحدهما عن الآخر انفصالاً كلياًً، كما أن (الوعي المتمرد) ذاته هو مزيج منهما أو مركبٌ منهما بحيث لا يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا من خلالهما مجتمعين. فكل تجلٍ (للوعي المتمرد) يلزمنا دوماً بالبحث عن هذين الفعلين لأنهما الشاهد الوحيد والأكيد على كون الوعي (وعياً متمرداً).‏

أما الرفض، فتنحصر طبيعته كلها في جملة الأفعال الذهنية التي تبتدئ من رفض المفاهيم والتصورات والمقولات التي يحاول (الوعي الأصولي) فرضها على الأذهان والعقول تمهيداً لفرضها على الوقائع والعالم. فالوعي المتمرد، من خلال فعل (الرفض)، يجهد نفسه- وإن كان هذا الجهد والإجهاد غالباً ما يذهب سدى ودون طائل- في أن يكشف (للوعي الأصولي) عن متناقضاته الذاتية التي يستحيل التوفيق فيما بينها، والتي يمكن اختزالها برغبة (الوعي الأصولي) في فرض الماضي على الحاضر، أو في اختزال الحاضر وإفقاره إلى الحد الذي يسمح لهذا الوعي بأن يقيم تطابقاً مهيمناً بين الحاضر والماضي. وهذا الكشف عن متناقضات (الوعي الأصولي) ما هو إلا صورةً من صور الرفض الكثيرة التي يمكن للوعي المتمرد أن يواجه بها الصور المختلفة ( للوعي الأصولي).‏

غير أن (الوعي المتمرد) قد لا يكتفي بمجرد رفض مقولات (الوعي الأصولي) وتصوراته عن الماضي والحاضر والإنسان والتقدم إلخ، فينخرط، بالإضافة إلى ذلك، في التحول من رفض هذا الوعي إلى مقاومته. والمقاومة هنا تتخذ شكل بديل تصوري وعقلي لجملة المقولات والتصورات التي يتكون منها (الوعي الأصولي) في لحظة من لحظات حياته. وعلى ذلك فالرفض والمقاومة فعلان متكاملان يواجه بهما (الوعي المتمرد) ماهية (الوعي الأصولي) ذاته، وإن لم يكن من الضروري أن يكون بين ( الرفض والمقاومة) تسلسلٌ تاريخي أو زماني محدد، فقد يسبق أحدهما الآخر في حالة معينة بينما قد تنطلق المبادرة في حالة أخرى من تقدم الفعل الذي في حالة سابقة.‏

أما (الرفض والمقاومة)، عند المواجهة بين (الوعي المتمرد) و (الوعي الواضع)، فإنها قد تتخذ صوراً كثيرةً هي الأخرى أيضاً. غير أنه، فيما يبدو، من المتعذر، في جميع الأحوال، الانخراط في أي شكلٍ من أشكال (المقاومة) ما لم يكن مسبوقاً بصورٍ لا حصر لها من صور ( الرفض). ذلك أن ( الوعي الواضع) يؤكد انتصاره في الهُنا والآن بأن يتحول إلى ( وعي سائد). وهكذا يصبح من أولى الضرورات التي على (الوعي المتمرد) أن ينخرط فيها مهمة نقد (الوعي السائد)، الذي هو التعبير عن انتشار أفكار الوعي الواضع وهيمنتها على أوسع قطاعات الحياة الاجتماعية، الأمر الذي يؤكد أنه ما يزال قادراً على التحكم بمقاليد الواقع وتوجيهه الوجهة التي يود.‏

وما لم يصغِ ( الوعي الواضع)، الذي قد يتخذ صورة (الوعي السائد) إلى صوت العقل والضرورات الواقعية والتاريخية، فإن هذا النوع من الوعي يخاطر بتحول مقاومة (الوعي المتمرد) ( للوعي السائد) أو ( الوعي الواضع) من رفض مقولات هذا الوعي والبحث عن بديلٍ لها إلى أن يتحول التمرد إلى الترجمة عن ذاته في صور من العنف أو القوة التي تهدد الجميع بأخطارها ونتائجها السلبية التي غالباً ما تعم الجميع وقد لا تستثني أحد.‏

وإذا ما حدث ذلك، على أي نحو من الأنحاء، فإننا نكون بذلك قد تجاوزنا ( الوعي السائد) إلى دورة جديدة من دورات حياة الوعي فتبتدئ هذه الدورات من جديد من صورة جديدة من صور (الوعي الواضع) الذي لا يلبث بمرور الزمن أن يتحول إلى (وعي سائد).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244