|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الأكراد في المجتمع العربي ـــ عبد الغفار نصر لابد من دراسة الأكراد والتموضع العرقي الأقلوي في الفضاء السوري، شرع بعضهم يميز بين وضعيتهم في كل قطر عن الآخر على خلاف، تمايز السكان الآخرين في الأقطار التي يعيشون فيها، وهذا أمر يعود إلى وضع تاريخي معين لكل بلد من تلك البلدان التي يعيش فيها الأكراد، فتركيا مثلاً لا تعترف بأقلية كردية وتنفي وجود الأكراد على الإطلاق، وتسميهم "أتراك الجبال" وتسعى جاهدة لمنع أية نهضة حقيقية ولو ثقافية في وسطهم. فالأقليات العرقية على وجه العموم التي اعتنقت الإسلام، في الإمبراطورية العربية الإسلامية أو التي لم تعتنقه عاشت في كنف الدولة العربية الإسلامية، ولم تبرز في ظل هذه الدولة ما يسمى مشكلة الأقليات العرقية، فالإسلام ظل الرابطة الأساس والحامي الوحيد في هذا المجال، واستمر الموقف العربي حيث كانت القيادة للعرب من مسألة الأقليات جميعها يعتمد بصورة أساسية على الفهم الإسلامي المرن للمشكلة، فلم يُفّرق العرب، ولا حكم الإسلام العربي بين قومية وأخرى على الرغم من أن القرآن قد ميّز العرب عن غيرهم "كنتم خير أمة أخرجت للناس". وكان الناظم لهذا التمييز "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر". لكن النبي أكد أن لا وجود أي فرق بين إنسان وآخر وقال: "لافرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى". لكن العرب في عهود مابعد الخلافة الراشدية والأموية أُخرجوا من التاريخ وتسلم القيادة والرياسة الشعوب الأخرى وعاش العرب على مدى أكثر من ألف عام في ظل حكم الفرس والأتراك والأكراد. واستمر الرضا العربي من خلال مبادئ الإسلام وتعاليمه، على الرغم من الصراعات الدامية في إطار الإسلام، إطار السلطة السياسية للدولة المسلمة، ولا يمكن اعتبار ما كان يحدث آنذاك على أنه حاولات تقوم بها أقليات عرقية للحصول على حقوق قومية، إذ لم تكن تلك الأقليات قد بدأت تطفو على السطح. والأكراد من تلك الأقليات التي لعبت دوراً في تاريخ الإمبراطورية العربية الإسلامية، لكنه لم يكن دوراً متميزاً، على الرغم من قيادة الإمبراطورية من قبل صلاح الدين الأيوبي الذي حقق انتصارات رائعة فوق الأرض العربية دفاعاً عن الإسلام ضد الغزاة الصليبيين، وعُرف صلاح الدين كقائد عربي عند الإفرنج، وعندما دخل غورو مدينة دمشق"1920" توجه مباشرة إلى قبر صلاح الدين ليقول له: "هانحن قد عدنا يا صلاح الدين فأين أحفادك". وبسبب من تموضع الأكراد على حدود أربع دول-تركيا، إيران-سوريا-العراق- فقد استغل الإيرانيون والأتراك هذه الوضعية واستخدموهم كمقاتلين على الحدود حيثما كان يشتد الصراع بين الأتراك والصفويين مقابل حصولهم على بعض المكاسب كتأسيس بعض الإمارات. وقد وضعت هذه العملية الأكراد في كلا الدولتين على طرفي الحدود يقاتل أحدهم الآخر من أجل حماية مصالح الدول التي يعيشون في كنفها، وربما يفسر ذلك سر استعداد الأكراد الدائم للاقتتال فيما بينهم وعدم استعدادهم للتعاون المشترك. وتبدو هذه من أخطر سلبياتهم التاريخية في التعاون مع الأقليات الأخرى، وسوغت للاستعمار الأوربي بذر بذور الشقاق والتفرقة بين أبناء المنطقة وشعوبها. وبين الأكراد أنفسهم لكن منذ مطالع القرن العشرين ومع ظهور الأفكار والحركات القومية في المنطقة التي أثرت في نفسية شعوبها، خاصة ماكان يلاقيه العرب في بلاد الشام في ظل الحكم التركي، وسياسة التتريك التي دفعت عرب بلاد الشام إلى التفكير الجاد بالنضال للتحرر من الحكم التركي والانفصال عن السلطنة، كانت الأجواء العالمية مهيأة لتقبل هذا التوجه الموسوم بالتحرر والانفصال، إذ هو –في الوقت نفسه-يتجاوب مع التطلعات الأوربية في اقتسام ممتلكات تركيا. أما الأكراد بين الحربين العالميتين خضعوا لحكم القبضة الفولاذية في كل من إيران وتركيا، أما في العراق فقد اختلف الوضع قليلاً بسبب تنوع وتعدد الأقليات، لكن النظرة إليهم كانت مليئة بالشكوك من خلال تهمة التواطؤ مع بريطانيا حيث كانت نسبة من اتهم من الأكراد أكثر بكثير من نسبة المطالبين بفهم حقيقة مشاعرهم وتلبية رغباتهم القومية أو الرامية إلى الاحتفاظ بتمييزهم القومي، وحدث الأمر نفسه في سوريا حيث اتهم الأكراد بالتعاون مع الاستعمار الفرنسي ضد أهداف الحركة الوطنية، وذلك عندما عمدت فرنسا إلى استخدام الأقليات في جيشها. كان الظهور الكردي خارج المسرح السوري على مسرح السياسة في المنطقة في هذه الفترة قوياً ولافتاً للنظر وقد اعتبر البعض مطاليبهم القومية مبررة أسوة بشعوب المنطقة، ولهم الحق في تأسيس دولة قومية، وإنه لم يعد المرغوب فيه أن يكون الأكراد في ظل قوميات الفرس والعرب والأتراك، بل أن الوضع الدولي قد تغير خاصة بعد أن ساند الاتحاد السوفييتي أكراد إيران بتأسيس إمارة "مها باد" لتكون حداً فاصلاً مع إيران، وقد أصبحت هذه الجمهورية لأول مرة تتمتع بحكم ذاتي وأصبح الوضع الدولي ميالاً لمساندتهم، ومما يجدر الانتباه إليه أن مؤتمرات الصلح التي عقدت في أعقاب الحرب العالمية الأولى قبلت الوجود الكردي، وقام الأكراد بإرسال من يمثلهم إلى هذه المؤتمرات التي عقدت في باريس 1919، وحضرها العرب والأكراد والأرمن. وأخيراً كانت معاهدة "سيفر 1920" التي نصت موادها "62-63-64" على وعد بتأسيس دولة كردية وأن للأكراد في تركيا الحق بتأسيس دولة لهم تتمتع بالحكم الذاتي يمكن أن تتطور إلى دولة مستقلة. إلا أن هذه المعاهدة لم تطبق واستبدلت نتيجة لضغط تركي بمعاهدة "لوزان 1923" التي قسمت المنطقة بالشكل الذي نجده الآنْ. [سعد ناجي جواد : المصدر نفسه ص 548]. نشط الأكراد في فترة الحرب العالمية الثانية، وقد لعب بهمه النازيون والإنكليز والسوفييت على حد سواء، وخضعوا لألاعيب هذه القوى، وعلى الرغم من نجاحهم في تشكيل حكم ذاتي مستقل في "مها باد"، أو تشكيل أحزاب سياسة كالحزب الديمقراطي في كلا البلدين "إيران والعراق 1946"، إلا أن التوجه القومي لدى الإيرانيين والعراقيين عاد إلى فكرة تذويب الأكراد في كلا القوميتين، وكان التفكير العسكري هو الغالب عند طرح أية حلول تنهي عملية التطلع إلى تأسيس دولة كردية قومية تشمل أكراد الدول الأربعة. لذلك تعرض الأكراد للمنع السياسي والثقافي في تركيا وقامت إيران بضرب "مها باد" لمنع الانفصال، بفعل تحالفها مع الاتحاد السوفييتي، والمسألة الكردية ما زالت على أشدها في العراق، وهي هنا من أخطر المشاكل التي يواجه الحكم في العراق منذ الحرب العالمية الثانية. وإذا كان الأكراد قد شعروا بالفرصة المتاحة بإنشاء دولة قومية في أعقاب انهيار الخلافة الإسلامية، ووعد الحلفاء في سيفر، فإن الدولة المعنية –تركيا، إيران، العراق، تصرُّ على سيادتها على أراضيها، وترفض فكرة تقسيم بلدانهم، ولا يمكن التنازل عنه، من حيث أن الأكراد مواطنون أصليون في البلدان التي يعيشون فيها. كما أن الدول الكبرى حرصت على استعمال الأكراد لمصالحها الخاصة، وراحت تعمل على تحريضهم ثم التخلي عنهم. لكن الأحوال لم تستقر في المنطقة بل تفاقمت حدتها منذ اكتشاف البترول، في الوقت الذي يحاول فيه الأكراد التمرد في هذه الدول بين الحين والآخر، يضاف إلى ذلك أنهم عجزوا عن توحيد أنفسهم يعود ذلك إلى عدة أسباب، ذاتية وعامة، في أوليات الأسباب الذاتية، تأتي مسألة اللغة حيث لم يتمكن الأكراد عبر تاريخهم الطويل من تطوير لغتهم، وكان من الصعب عليهم أحياناً التفاهم فيما بينهم، فبعضها يكتب بالحرف العربي كما هو الحال لدى أكراد السليمانية وبعضها الآخر يكتب بالخطوط الكيريللية-السلافية، واللاتينية والعربية حسب البلدان. ليس هذا فحسب، فالأكراد في سوريا والدول المجاورة حالهم الإيماني الديني هو حال المسلمين عامة، فهم سنة وشيعة والسنة يتبعون المذهب الشافعي ولهم طرق صوفية كالنقشبندية والقادرية، والشيعة منهم سَواء في سوريا أو في تركيا والعراق فهم في مذاهب أخرى أيضاً. هكذا هو الوجود المعرفي التاريخي الكردي في كل من إيران والعراق وتركيا، هل تتشابه وجوه النشأة والتواجد في سوريا مع أكراد الجيران؟.. كتبت مجلة "سورغول" في عددها رقم "35" أيار 2004، تعليقاً على أحداث 12 آذار 2004.. مايلي: لم تنجم عن فراغ، ولا تحت تأثير تدخل خارجي، كما اشططت بعض الجهات الرسمية والمحايدة السورية والعربية، بل كانت نتيجة احتقان سياسي اقتصادي اجتماعي، عايشه الكرد السوريون جراء الغبن والتهميش الذي عانوه منذ عقود خلت. وما لحق ذلك من ممارسات تعسفية ترمي إلى أقصائهم من الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية السورية، كقومية ثانية في البلاد لها ما لها من حقوق، وعليها ما عليها من واجبات". لكنه قبل التعليق على نص المجلة المذكورة يجدر بنا أن نشير إلى تاريخية الوجود الكردي في سورية، والأقليات بصورة عامة. فعلى سبيل المثال المعرفي، أولاً كان إقليم الساحل السوري موطناً لأقليات دينية ومذهبية متعددة، منذ زمن العمثانيين، كان العثمانيون يثيرون الحزازات والخلافات في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها لتكريس الفرقة بينها لتبقى لهم اليد المسيطرة، ومما زاد المشكلة السكانية تعقيداً دخول عناصر بشرية غير عربية إلى هذا الإقليم واستقرارها في أجزائها الشمالية، فالأتراك والتركمان مع أقلية شركسية صغيرة وأخرى أرمنية في جبال وسواحل لواء اسكندرون ومرتفعات الباير والبسيط، والأكراد في شمال جبال الساحل، إضافة إلى العناصر البشرية الأخرى من شركس وأتراك حاربوا جيوش العثمانيين... إلا أن التاريخ يؤكد أن هذه العناصر قد انصهرت وذابت في البوتقة العربية نهائياً وتعايشت جميعها مع السكان المحليين ونالوا من الحقوق ودفعوا الواجبات التي نالها وقدمها أهل البلاد الآخرون على رغم من محاولات فرنسا في عهد انتدابها على سورية من أن تكون أكثر ذكاءً ومفهومية في التعامل مع الأقليات، في الوقت الذي عادت تستغل فيه الفقر والتخلف الذي امتاز به جميع سكان تلك المنطقة عندما كانت تثير الخلافات بين أبناء العشيرة الواحدة. وهناك أكراد شمال سورية وإلى جانبهم قبائل تركمانية، وأكراد جاؤوا دمشق وسكنوا إلى الشمال منها، وانسجموا مع أهلها ويرى كثير من الباحثين الاجتماعيين أن الأقليات العرقية ومنها الأكراد والبربر بدأت تتنكر ليس لهويتها العربية فحسب بل للهويات التي تدعيها لنفسها بالذات وتلتحق بالغرب وترتبط بالسوق العالمية. فالبربر في الجزائر مثلاً يرفضون التنازل عن اللغة الفرنسية وهم يستخدمونها أكثر من استخدام لغتهم الأمازيغية، أو اللغة العربية وقد ناهضوا حركة التعريب حتى تاريخنا المعاصر عندما وجدوا ظهيراً لهم في الاستعمار الغربي. وقد لا يكون في ذلك حرج، أو منعطف دراميتيكي، فالعرب أهل بلاد الشام استفاقت نخبهم على العروبة أواخر العهد العثماني، التي انصهرت-أي العروبة- بالإسلام، أكثر من انصهار الإسلام بالعروبة، وهي المسألة التي حيّدت العرب وأبعدتهم عن مواقع الرئاسة، ولهذا لم يختر معظم أفراد النخبة السياسة السورية أن يعرفوا أنفسهم بالعروبة إلا بعد أن احتلت القوات الأوربية والشريفية الولايات السورية في الإمبراطورية العثمانية 1918، وكان الاحتلال يعني بالنسبة لهؤلاء الهزيمة النهائية. وبالتالي فإن أيديولوجيتها السائدة، العثمانوية، لم تعد تخدم مصالحهم، وكان تحول هؤلاء إلى العروبة تحولاً مصلحياً يهدف إلى سد فراغ أيديولوجي من ناحية وحماية مواقعهم في المجتمع المحلي من ناحية أخرى، من هنا كانت الأقليات العرقية والإثنية في سورية لا وجود لظهورها التعصبي العرقي، في خمسينيات القرن العشرين، فالانقلابات العسكرية في سورية بدأها ضابط كردي هو حسني الزعيم، ثم تلاه في الانقلاب الثالث أديب الشيشكلي. وإذا تقدمنا أكثر في النصف الثاني من القرن العشرين نرى أن زعماء سياسيين في حزب البعث العربي الاشتراكي بعد ثورة الثامن من آثار في قيادتيه القطرية والقومية هم من الأكراد، فلا صحة إطلاقاً لما ورد في المجلة التي اقتبسنا منها النص من أن أحداث 12 آذار كانت وليدة إقصائهم من الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية السورية. هذه المبالغة في طرح قضية الأكراد من الأكراد أنفسهم، أساءت، وتسيء إلى العلاقات التاريخية والعقيدية مع محيطهم العربي، فلم يدرك الأكراد حقد الغرب المسيحي المتصهين على الإسلام وعلى شعوب بلادالشام بعامة، ولم يستوعبوا إلى الآن أن التمازج العربي الكردي له جذوره التاريخية، ولم يطرحوا على أنفسهم أمثلة تاريخية من شعوب أخرى كشعوب روسيا الاتحادية، أو شعوب الصين والقوميات المتعايشة هناك، لم يطرحوا على أنفسهم لماذا لا تظهر مثل تلك النعرات إلا في منطقتنا العربية وفي منطقة بلاد الشام تحديداً؟ حتى العرب لم يدركوا بعد أن التخلف والأمية أحد أهم أسباب وعلل هذه المشكلات المساعدة للغرب الصهيوني. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |