جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

استراتيجية القراءة ـــ د.محمد صابر عبيد

تعرّض العقل العربي –في العصر الحديث خاصة-لمزيد من التحليل والتفكيك والنقد من طرف أعدائه التقليديين وغير التقليديين أيضاً، وسعت هذه القراءة المضادة بقصدية واضحة إلى الخروج باستنتاج عام يقضي بسلبية هذا العقل وعجزه واتكاليته، لأنه ينهض –في تقديرهم- على أسس بنائية هشة، لا تأخذ بأسباب الحضارة الحديثة ومقولاتها الفكرية والفلسفية المتقدمة.‏

ولعل من أولى الأسس وأهمها التي اعتمدها الآخر ذريعة لتهميش العقل العربي والحطّ من قدراته الحضارية، ذلك الوصف الذي طالما وصف به الشعب العربي منذ أن تفتّحت أولى بواكير الصراع في المشهد التاريخي الحديث والمعاصر إقليمياً ودولياً، وهو أن الشعب العربي شعب لا يقرأ، تأكيداً واضحاً وصريحاً على حضور القراءة وخطورتها في صياغة الوجه الحضاري للشعوب والأمم.‏

لذا فإن كل تقنيات الحرب الفكرية والثقافية الحديثة التي يشنّها "الآخر"-بمختلف أشكاله وألوانه واتجاهاته على منطقة العقل العربي بحلمه وذاكرته وذوقه تستهدف أولاً عزله عن فضاء القراءة وتقليل فرص اتصاله بها قدر المستطاع، عبر إدخاله في متاهات من الأزمات والمشاكل واللعب والإغراء، وإجهاده باليومي والهامشي والتافه، وسحبه إلى مناطق ملغومة بالمطبّات والألغام ومصائد المغفلين، تستنفد كامل وقته وجهده وإمكانياته، بحيث يصبح التفكير بالقراءة أمراً شبه مستحيل، وهنا يتحقق للآخر انتصاراً لا تحققه أعظم أسلحة الدمار الشامل وأحدثها.‏

ولسنا –في حدود منهج هذه الدراسة ومقتضياتها الثقافية والرؤيوية-معنيين تماماً بتقويم هذه الحرب ونتائجها، ووعي "العقل العربي الحديث" المتأخر بها، بقدر ما افترضناه مدخلاً للحوار مع منظومة الأفكار المترشّحة من العنوان، وهو يطرح أسئلته ويزاوج بين مفرداتها بتداخل نظري-جدلي، يجعل من مهمة النظر فيه ومعالجته موضوعاً حضارياً مرناً، قابلاً باستمرار لمزيد من الحوار والجدل والإنتاج.‏

أسئلة العنوان تطرح مشكلات ربما تبدو تقليدية إذا أخذ كلّ سؤال منها على نسقه المنفرد، لكنها حين تعاين بنسقها الجامع المؤتلف حيث يعمل كلّ سؤال بآلية حفر عمودية لفضائه الخاص وآلية تواصل أفقية في فضائه العام، فإن ذلك يجعل من العنوان كتلة أسئلة تتوهج ببعضها، وتحفز سهم الاستقراء والرؤية على استدعاء قوتي الاستقراء البصري والذهني معاً.‏

ما القراءة؟.. ما الوعي؟ ماهو وعي القراءة؟ ماهي الثقافة؟ وكيف تتشابك هذه الخطوط بشبكة نسيج واحدة؟..‏

القراءة في أولى صورها تحريض منطقة معينة من مناطق الجسد على جلب المتعة، بقيام الفاعل البصري بالمرور على المحفور الذي يتركه سواد الكتابة على بياض الورقة، واستدراج محمولاته وإغوائها، ونقل اللذّة المتحصّلة من ذلك إلى ماهو معنّي من طبقات الجسد، وتعبئة الذهن بطاقة تنظيم هذه الفعالية وترسيبها في مشهده وإضافتها إلى مكنزه الخبروي.‏

القراءة برنامج حياة يخلق تواصلاً حياً مع المقروء، ويمتدّ في الزمن بلا حدود لأنه خرق للزمان والمكان معاً، وتقدم في تفاصيلها الحسابية الأكاديمية المعلومات بمختلف صنوفها وأشكالها ومحطاتها لتضيف إلى التخزين خبرة أخرى تحرّكه وتعيد إنتاجه بدلالة الوافد الجديد، وتوسّع من نطاق التجربة وتضعها على أعتاب استشراف أكثر امتداداً وانفتاحاً، كما أنها تعيد ترتيب الأفكار وتهندسها على نحو يجعلها أعمق وأدق وأنشط، يساعدها في ولوج آفاق أخرى مختلفة تسهم إسهاماً عالياً في تهذيب اللسان والسلوك.‏

تعمل القراءة على صعيد تشكيل لسان القارئ، على بعث لغته والارتفاع بتعبيره وتحديث أسلوبه بما يخلق لديه سياقات بالتفكير الصحيح، وتنشئ مساحة للتأمل ومرآة تضاعف إحساس الفرد بالأشياء على نحو يحقق تعادلية فنية-موضوعية- بين الداخل والخارج.‏

إنَّ النشاط في القراءة يحيل على العقل، ويمرّن العواطف على الارتفاع بوجودها على مستوى التفاعل كي تتخلص من سذاجتها وسطحيتها وتقييد انفلاتها وانسياحها، إنَّ الفاعل القرائي حين يتدخل في فضاء القارئ يعزله عن التهويل والمبالغة ويتجاوز مناطق القبح إلى مناطق الجمال، ويدفع إنسان القراءة إلى الإقبال على الحياة وترصين استعداده للمواجهة والجدل، فضلاً عن تحصينه ومضاعفة إيمانه، حيث يكفّ عن كونه مجرد رقم يضاف إلى سلسلة أرقام، ويتحوّل إلى صاحب مشروع إنساني فاعل.‏

وتتصل قضية الوعي بالعمل الممنهج الخاضع لتخطيط يأخذ بنظر الاعتبار كلّ أطراف المشكلة المراد فحصها ومعاينتها، والارتفاع بذلك فوق رد الفعل السريع تجاه الضغط الانفعالي القادم من الخارج. فالمنهجية والتخطيط والعلمية التي يتسم بها فعل الوعي تتجاوز حدود المكوث في أرض المصادفة لإنجاز الحدث القرائي، أو اعتماد ما يدعى في الميراث القرائي السلبي بتزجية الوقت-وقت الفراغ-، إذ تتحول أوقات الفراغ في المنظور القرائي الواعي إلى فرص تأمل تفصل بين برنامج قرائي وآخر، وتدفع إلى الإيمان بأن القراءة تفعل وتخلق، وبأنها إنجاز ينهض بوظيفة كبرى ويفضي إلى نتائج باهرة على صعيد بناء الإنسان-الفرد من جهة أخرى.‏

إنَّ استناد القراءة إلى عامل الوعي يفترض إجراء قياس وتقويم لتجربة كلّ قراءة، يخلص إلى تمرين العقل القرائي وتدريبه على حس الانتخاب والاختبار، حفاظاً على عنصر الزمن في المعادلة، والانتقال من منطقة القراءة الصافية إلى القراءة البحثية، أي حثّه على التدرّج في الارتفاع عمودياً في سلم التلقي نحو ما هو أخصب وأكثر دينامية، في السبيل إلى اكتشاف القراءة العميقة-القراءة النموذجية. وهي تسهّل إعادة الإنتاج المقروء ومساءلته ومحاكمته والتدقيق في طروحاته ومقولا ته، ومن ثم اقتراح نتيجة قرائية بإزاء المقروء على النحو الذي يقودنا إلى الزعم بقراءة فاعلة منتجة.‏

بهذا المعنى تتخلّص القراءة من محدوديتها المفهومية لتكون مشروعاً قرائياً، وكل تجربة قراءة تشتغل داخل المشروع القرائي العام بأكثر من آلية، فهي إمّا أن تلغي ما تجده لم يعد صالحاً أو استنفد صلاحيته النظرية والفكرية، وإمّا أن تعدّل ما تجده بحاجة إلى تطوير ما في بعض حلقاته بالمستوى الذي يناسب الرؤية الجديدة التي أفرزتها القراءة الراهنة، وإمّا إنها تضيف جديداً إلى المتراكم الخبروي الفكري المتحصّل سابقاً. وحتى يأخذ الوعي دوره الأصيل في تجربة القراءة وتوجيه ممكناتها، فإنه يدفع كلّ قراءة لاحقة-وبفعل حضور الوعي-إلى مرحلة أدق وأعمق من سابقتها، وهو ما يجعلنا بعد ذلك نؤمن بحركية القراءة وجدليتها.‏

وتعدّ الثقافة المنتج الملموس والإفراز الأهم لوعي القراءة من الموضوعات التي تنطوي على مشكلة ومنهج، فهي حال حضارية لا تتحقق عفو الخاطر أو عن طريق ضربة مصادفة. بل هي بحاجة إلى تخطيط وتخطيط استراتيجي نوعي، أو إنها بنية مركزية أولى ذات علامة حية في حياة الإنسان والشعوب والحضارات، تنتقل بالفرد إلى وعي الذات والآخر معاً، وبذلك تتهيأ أمامه الفرصة ليكون جزءاً فاعلاً في أكثر حلقات التطور والحضارة في العالم، بحيث يجد نفسه مرتبطاً بها ومسؤولاً عنها أينما كانت، على النحو الذي يقوده إلى الارتفاع بمحليته واستنهاضها بما يناسب منطق العصر، ومسؤولاً مسؤولية أخلاقية وحضارية عن تحقيق جدل الفعل الحضاري بين منطق العصر وبين الظروف الاجتماعية والثقافية والبيئية لوطنه.‏

صحيح أننا نمتلك كلّ المقومات التي تجعل منا أمة حضارية في الراهن كما كانت في السابق، لكننا تعوزنا الثقافة بهذا المعنى، بمعنى المحرّكات الصحيحة لتشغيل ميكانيزمات الفعل الحضاري الكامن فينا، بعيداً عن التغنّي السلبي المجرد بالماضي المجيد، وإضافة مزيد من الخطابات الإنشائية التي تقمع التطلّع من دون أن تدري، وتحيل دون العمل الهادئ الرصين المبرمج الداعي إلى سماع كلّ الأصوات مهما كانت مختلفة ومتباينة.‏

لا أجدني مجازفاً في التلاعب بمقدّرات المصطلح وفرض حمولة لا طاقة له بها، إذا قلت بأن الثقافة تبدأ من الطريقة التي يتناول فيها الإنسان طعامه، إلى تفكيره بتقنيات اختراع كبسولة يتناولها المريض أو حتى غير المريض، لتقدّم تقريراً مصوّراً عن حالة بدنه وتشخيص أي نقص أو مرض يعاني منه، ومن حرصه على تفادي التفريط بقطرة ماء زائدة، إلى التفكير الجاد بتحقيق حلم أوتوبيس الفضاء مثلاً. هذه هي الثقافة التي ننشد، ونرجو أن تتحوّل إلى سلوك يومي ووعي ماثل، بما يجعلها قادرة بفعل القراءة ووعيها أولاً على أن تتحوّل إلى تقاليد تنفذ إلى بواطن العقل وأعماق الروح.‏

تعرّف التقاليد –في ضوء هذه المداخلة الحسّاسة التي تشترك خطوطها وتتداخل بمنهجية تتماثل بها المفاهيم، وتتّضح سبل اشتغالها ميدانياً في حقل الدراسة –بأنها أنماط حيّة من التفكير والسلوك الراقي الحرّ الدينامي المتفتح والمنفتح على آفاق التطور، والقابل دوماً للحوار، والمرتبط بمنهج مؤسساتي مؤلّف من سياقات رصينة، قائمة على رصيد ناضج من الخبرة والتفاهم المعرفي في أعلى حالاته وأكثرها نضجاً وإنسانية.‏

لاشك في أن هذه السياقات ليست مجرد قنوات للمرور السريع، بل هي بؤر تسهّل فعاليات التبلور والاختمار والإنتاج، فالتقاليد إذن منتجة، لا يمكننا عدّها حاضنة محايدة لأنّها متداخلة ومغيّرة لكل حالة تنتظم داخل سياقاتها، مع الانتباه إلى أن الانتظام داخل هذه السياقات يحتاج إلى مؤهلات متنوعة، ترتفع إلى مستوى روح الفعاليات وأنشطتها داخل نظم السياقات. ونحسب أنَّ ذلك يستلزم قدراً عالياً من التأصيل والتكييف، ويتطلب خلق علامات خاصة تنتمي إليها وتدل سيميائياً عليها وتتميز بها، كي تحفل بخصوصيتها وتحاور بسماتها على النحو الذي يتهيأ لها أسلوبها الخاص في التشكيل والتعبير، فضلاً عن هدفها في تعزيز روح الديمقراطية والجماعية في مفرداتها، لتنهض هذه التقاليد فيما بعد بفضح البدائية والتخلف والعشوائية والفوضى والاستبداد، تبدأ عملياً من تنظيم الفرد لذاته، وصولاً إلى كلّ المؤسسات الاجتماعية والإدارية والاقتصادية والثقافية التي يعمل فيها، ويشعر أنه يتحمّل دوراً ثقافياً في إرساء دعائم التقاليد فيها.‏

إن التقاليد القائمة على أسس ثقافية رصينة، والثقافة المنتجة لفضاء من التقاليد والقادمة من مناطق القراءة الخصبة المسلّحة بوعي متقدم جريء، هي التي تعيدنا نحن العرب إلى حاضرة المشهد الحضاري الحديث، وتجعلنا داخل حدود الصورة.‏

فهل سيتكشّف القرن الجديد عن شعب عربي يقرأ، ويكذّب الكثير من النبوءات التي زعمت غير ذلك، ويرغم الآخر على قبوله عضواً في نادي إنتاج المعرفة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244