|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
اعتزال ـــ عبد القادر عبد اللي اتخذ الجزار أبو طكو قراراً وقع على البلدة وقع الإشاعة، فقد أعلن اعتزاله مهنة الجزارة. صحيح أن قرار أي مهني اعتزال مهنته أمر طبيعي، ولابد من حلول يوم يعتزل فيه المهني مهنته، ولكن اعتزال أبي طكو أمر مختلف. فهو حالة فريدة، يتلاشى الحسد وضيق العين المعهودة بين أصحاب المهنة الواحدة في حالته. يُظهر له زملاء مهنته احتراماً غير مألوف. اشتُهر أبو طكو بمهارته المهنية،ومواهبه فقد منحه الله طولاً فارعاً، وبنية قوية، وعضلات مفتولة مما يجعله يمسك بيديه قائمتي الكبش الأمامية والخلفية البعيدتين عنه، ويجذبهما نحوه بحركة ترسم قوساً لربع دائرة متجهاً نحو الأعلى طارحاً الكبش أرضاً دون أن يفسح في المجال أمامه ليخبط بأظلافه خبطة، أو يطلق صرخة "ماع"، ثم يحزّ بسكينته على رقبته. وكل هذا يتم في لحظات معدودة. أطلق أبو طكو شاربيه، وعند تفتيلهما يُشكّل رأساهما ما يشبه قرني كبش ضخم لإظهار فتوته. رأسه محلوق، ويتلامع لمسحه بيده المبتلة بالدهن عليه، وهذا ما يجعله شخصية حكائية رغم أنه شخص حقيقي عمل جزاراً محترفاً مدة خمسة وعشرين عاماً، وقضى ثلاثة عشر عاماً جزاراً متدرباً في دكان أبيه طكو الذي أسمى ابنه البكر على اسمه. اعتزال أبي طكو مهنة الجزارة، وعمله في مهنة قريبة منها هي الرعي، شغل البلدة، وجعله موضوعها الرئيسي في الجلسات العائلية والمضافات والتجمعات أمام أبواب دكاكين السوق على كراسي القش الصغيرة. يقال إنه لم يعد يأكل الكباب والشرائح واللحم المشوي. وهنالك من يعتبر أن هذا الأمر مبالغ به، وأن أبا طكو يتناول اللحم المفروم إذا كان ضمن الطبخ. وعدم رؤية أبي طكو أمام دكان جزار وهو يشتري اللحم بعد اعتزاله جعل الناس يقولون بأن السبب الرئيس لابتعاده عن الجزارة هو قلبه الذي رقّ على الخراف أكثر مما رق قلب برجيت باردو على الكلاب بعده بزمن طويل، ولم يعد يحتمل رؤية الذبائح المعلقة والسكاكين الحادة التي تعمل بها متجهة نحو اليمن واليسار، والأعلى والأٍسفل، كما لم يحتمل رؤية قطع اللحم التي يعرف أمكنتها جيداً، ومن أين اقتطعت. دارت في البلدة قصص كثيرة حول سبب اعتزال أبي طكو مهنة الجزارة. قال البعض إنه أصاب أصابعه بسكين حادة في أثناء فرم اللحم، ولم يعد يستطيع ممارسة المهنة. ولكن هذه القصة لم تصمد طويلاً، فأبو طكو معلم المعلمين، و"قصاب باشي" البلد، ومن غير المعقول أن تقع له واقعة كهذه. من جهة أخرى، فقد شهد أناس كثيرون، وأقسموا بأنهم رأوا أصابعه كلها بعيونهم التي ستأكلها الديدان وهي بأتمّ الصحة والعافية. القصة التي لاقت قبولاً لدى الناس، وانتشرت هي أنه ليلة اعتزاله المهنة رأى في الحلم رجلاً أبيض الوجه يشعّ منه النور، ويرتدي البياض من فرقه إلى قدمه حاملاً سكيناً يعكس نصلها النور كالمرآة، وأمامه كبش ضخم لم ير أبو طكو مثله في حياته، وحين يقترب الرجل الأبيض بالسكين من رقبة الكبش، ويتحول الكبش إلى أبي طكو نفسه، ويستيقظ من النوم هلعاً،وهذا ما جعله يترك مهنته إلى الأبد. بقيت الحقيقة سراً لم يبح به أبو طكو إلا على فراش الموت كما يجري في الحكايات. قال: "... في أحد الأيام، طلبني شريف شرف الدين آغا لذبح ستة خراف على شرف ستة آغاوات جاؤوا من البلدات المجاورة لتهنئة الآغا بمناسبة ختان ابنه التاسع. كانت الخراف مربوطة في فسحة الدار الخلفية. فككتُ الخروف الأول وذبحته بسرعة. حاول الخروف الثاني النط والذهاب يميناً أو يساراً، ولكن دون جدوى. كرر المحاولة الخروف الثالث والرابع والخامس. وفي كل مرة كنت أقلب الخروف، وأضغط بركبتي اليمنى على قائمتيه الخلفيتين وبركبتي اليسرى على القائمتين الأماميتين بعد أن أجعله تحتي، وأمسك فم الخروف بيسراي: وأحز على رقبته بالسكين الذي أمسكه بيمناي. أدهشني الخروف السادس إذ لم يبد أية حركة غير عادية. فككت حبله، فمشى وحده وبخطوات بطيئة ومتوازنة إلى المكان الذي ذُبحت فيه الخراف الأخرى، اضطجع على الأرض كما كنت أمدد الخراف الأخرى، ورفع رأسه قليلاً لإظهار رقبته بشكل جيد، وأغمض عينيه منتظراً سكيني. في تلك اللحظة، سقطت السكين من يدي، وعاهدت نفسي إلا أذبح خروفاً بعد ذلك..". دارت الأيام، ومات أبو طكو، وصارت عظامه مكاحل. وفي عالم جديد له حكاياته وجزاروه تصطف الخراف البشرية آخذة دورها إلى مذبحها، واضعة رقابها تحت السكين طواعية، وليس ثمة سكين تسقط من يد جزار... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |