جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بين المبدع والحياة ـــ وليد معماري

أكره المراثي.. وأشق الأمور عليَّ هو المسير في رحلة جافة وروتينية، لحضور مراسم بلا معنى.. فالراحل لن ينهض من جديد، كي يعاتبني لأني لم أكن حاضراً في جنازته... و كلما كانت الذكريات أكبر، تصبح مهمة استعادة التاريخ أصعب...‏

لا أكتب بألم، عن مروان المصري... بل بتمجيد يستحقه.. وأول تعرفي إليه كان في قاعات التنضيد (اللينوتيب)، حيث أبخرة الرصاص المنصهر، القاتلة، تفعل فعلها في أجساد من يمتهنون هذه المهنة...‏

واكتشفت خلال علاقتي به أن هذا البروليتاري بجدارة، عازف كمان من طراز رفيع.. وعرفت أن كبرياءه تمنعه من امتهان العزف في مرابع ليل، لا قيمة للإنسان فيها إلا بقدر ما يصنع من ضجيج... وأصحاب المرابع يشغّلونه سبعة أيام في الأسبوع، ويعطونه أ جر ثلاثة أيام.. ناهيك عن وجود إنسان مرهف، في بحار من الصخب المضني... ولهذا امتهن العزف على آلات الرصاص المميت.. ثم ارتحل إلى بلاد النفط، ليمارس المهنة ذاتها، من أجل سقف يأوي إليه..‏

وطالما كان مروان المصري، ينهي عمله، ويصعد إلى غرفتي، بعد إلحاح مني، باعتباري (كنت) رئيس القسم الثقافي في صحيفة تشرين، ويروي لي حكايات بسيطة غاية في الطرافة.. وفي نهاية اللقاء، يقدم لي نصاً بالغ التعقيد.. وكنت أقول له: يا مروان.. اكتب كما تتحدث.. ولا تأخذنك عقد المثقفين... قوة النص تكمن في فكرته الطريفة والمبتكرة.. وعلى هذه الفكرة أن تتدثر بمعطف نظيف وبسيط، بعيداً عن الزخرفة، وبهلوانيات القفز في الهواء بدل المشي على الأرض.‏

وقد أخذ برأيي قليلاً.. أو كثيراً.. ونشر قصصاً لافتة، وأصدر مجموعة مميزة.. وصار زميلاً نداً في اتحاد الكتاب... لكنه كتب قناعاته الجميلة.. وأحلامه، ثم مضى إلى البحث عن لقمة العيش عبر سهرات، أو برامج تلفزيونية وثائقية مهمة، كان اسمه يمر فيها مرور الكرام...‏

مروان المصري حالة فريدة يمتزج فيها الفن والإبداع (ولست آسفاً لأني أسقطت فعل كان من بداية الجميلة ).. وحين كنت أستفسره عن مقاطع لبيتهوفن، أو موتزارت، أو ريمسكي كورساكوف، (وأنا شبه الأمي في مثل هذه المواضيع) يفرح.. وتكتسي ملامح وجهه تعابير طفولية، لا يمكن وصفها.. كانت روحه تصّاعد أمامي إلى شرفات نورانية.‏

بالمختصر، كان ككل فنان مبدع، شخصية قلقة، لكنه ببراعة الإنسان النقي، نقاء الينابيع، قدّم ومارس البراءة دون افتعال ولا زيف.. ولم يورث أولاده مالاً ولا أكوام إسمنت، بل هذه الرهافة في الفن، وفي التعامل مع الحياة.. وهذه هي الثروة الحقيقية..‏

وخلاصة، لا أدعو المبدع لأن يتحول إلى قديس.. لكني أرفض أن يتحول إلى شيطان.. فللمبدع جموحاته التي يجب أن تظل جموحاته محددة بحدود الصدق، والإخلاص، والتفاني في العمل، والتواضع، والشرف، والإخلاص للوطن، وللمستضعفين في الأرض..‏

الثقافة يا سادة ليست تبجحات، وليست جنوحاً نحو افتعال الجنون، وليست مفارقة ومعارضة للواقع، بل هي سعي دؤوب وشاق نحو تغييره باتجاه الأفضل..‏

.. الجنود المجهولون من هذا الطراز كانوا كُثر، أو قلّة.. ومروان المصري كان أحدهم..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244