جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشُّرفات ـــ يوسف عويد الصياصنة

أدمنتُ نبيذَ الوجهِ.‏

صارت جمرةَ ذكرى،‏

تُهاجرُ من الصّدر‏

إلى اليدِ، إلى الشّفةِ، إلى الشّريان...‏

تطلقها الرّوح زفرةَ نجوى،‏

وقصيدةً من حروفِ اللّهب،‏

تجري رخيّةً، مترفةً‏

على أطرافِ اللّسانِ...‏

وعلى مدار السّهر‏

كنت على موعدٍ مع اللّظى...‏

أشربُ من محيط الانتظار،‏

وكلّما تكاثف الماءُ،‏

وعبرتُ أسرار موجةٍ،‏

أزداد عطشاً،...‏

فأرسم على وجوه دفاتري‏

أقماراً أخطأت مداراتها‏

في فضاء المواعيد،‏

وعصافيرَ ركبت جناح النّدى‏

لتباغتَ الصّباح،‏

وترشَّ البخورَ في مجامرِ السَّاهرين،‏

ألفُّ بوادي النّسيبِ،‏

وبساتينَ الغَزَلِ اللّهوف،‏

أكتب اسمها على أناملِ الحروفِ‏

فتقرؤني قبابَ مقاماتٍ‏

لنشيد من الأرجوان،‏

فألتفُّ مداراً لقمرٍ لا يضيء،‏

أشتعلُ، أشتعل علّني أرقى‏

إلى عتباتِ الانطفاءِ،‏

يوم أطلّت بوجهها‏

خلتُ بدراً أخطأ اللّيلَ‏

ليطلعَ في وضحِ النّهارْ...‏

تشظّت فوانيسَ ندى،‏

قرأتُ على ضوئها كتاب المواعيدِ والأقدارِ،‏

كانت على الشّرفةِ الشّرقيّةِ،‏

وكنتُ على الرّصيف،‏

ومن يومها قلتُ: أخطأتني النّار،‏

وكان، بكلّ جلالِ الصّمتِ، وداع...‏

نأت المسافاتُ،‏

طويتُ كتابَ القلبِ،‏

وكادت أن تندملَ الجراحْ،‏

وحين باغتَ وجهٌ تشرّبَ نبيذَهُ،‏

وتعطّر أنفاسَ الصّبحِ،‏

وتكحّل بمرورِ المساء،‏

قلت: أنتِ أم هي؟!‏

قالت: اثنتانِ نجري‏

في مضمارِ دمٍ واحد،‏

ومن يومها، صرتُ أشمُّ‏

شواظَ الزّمنِ الحيّ،‏

وأزيحَ الأيامَ المصهورةَ‏

بأطرافِ أصابعي...‏

اقتربتُ الصّورةُ لتصيرَ أصْلاً‏

وابتعد الأصلُ ليصيرَ ظلالاً،‏

واختلط الأمرُ وأشكل،‏

وبقي الجمرُ يعصفُ بالصّدرِ‏

كما يريد...‏

-قلتُ: أسألُ،‏

-قالت: أجيبُ،‏

-قلتُ: بي وَقْدٌ،‏

-قالت: وبالقلب مثلُهُ ويزيد،‏

وابتدأ مشوار الجمر،‏

نؤرّخ للنّار بالنّار،‏

ونُقاربُ فرحاً كاد يهمي‏

ويُحدثُ الطّوفان...‏

***‏

ومن جام شعري شربتُ المزيجْ..‏

سلافاً من الهندِ‏

رُعبوبَةً من عسيرٍ‏

ولؤلؤةً من محارِ الخليجْ..‏

وظلّينِ،‏

ياللظّلالِ‏

تفيضُ على مهجةِ الكأسِ‏

موّارةً وتموجْ..‏

فأركبُ مثلَ النَّطاسيِّ‏

صهوةَ فجرٍ‏

أداوي جراحَ المروج..‏

طبيبٌ؟‏

ومن للطّبيبِ‏

إذا قام عوّادهُ‏

يسألونَ شفاءً لقلبٍ،‏

إذا ما تذكّرَ أوصافَها‏

في الرّقادِ يَهيجْ..‏

نداوي...‏

ونُدمنُ ، في السّرِّ أوجاعنا،‏

والزمانُ على شفرتيهِ‏

تسيل دمانا،‏

يروحُ على نيّةِ الاعتكافِ،‏

ويرجعُ، قد أثقلته الذنوبُ،‏

الحجيجْ...‏

سألتْ، وكان الصَّباحُ‏

كما بسمة الطّفلِ،‏

حين يرى هالةَ الثَّديِ‏

تسطعُ من فرجةِ الصّدرِ‏

ريّانةً بالسُّلافِ‏

تَهادى على موجةٍ‏

من شفيف النّسيجْ..‏

سألتكِ: وعداً،‏

وكان الزَّمان كبا‏

والمساءُ على جرحه حانياً‏

والصّباح نشيجْ..‏

سألتكِ:....‏

قلتِ: غداً،‏

وغدٌ مرّتين أتى،‏

والغيابُ على حاله،‏

ممعنٌ في الغيابِ،‏

وراءَ الصّحاري،‏

وخلفَ حطامِ المروجْ..‏

نبيٌّ يقبّلُ وجهَ الغمامِ،‏

ويرفعُ دمعتَهُ مسجداً للخُطاةِ،‏

ويطوي على ساعديهِ سماءً‏

من اللاّزوردِ،‏

ويفتحُ أبوابَ عرشٍ لمهرتِهِ‏

كي تشقّ إلى غيبةٍ‏

ما وعاها حُضورٌ‏

طريقَ العروجْ..‏

***‏

شرفاتٌ ثلاث‏

خيّم عليهنّ الأسى،‏

وحفر الألمُ لجدولةٍ‏

في القلب مجرى،‏

لتروي زنابقهنَّ‏

فتذبلُ رويداً رويداً‏

وتمضي إلى عالم النّسيان...‏

شرفةٌ رابعةٌ وينطفئ مصباحُ الرّوح،‏

تُحاصرني الشّرفات،‏

وفناجينُ القهوة المهجورةِ،‏

وأقداحُ النّعناعِ والزّعتر البريّ،‏

ونبيذٌ هجر شاربيهِ،‏

وعرضَ غواياتهِ،‏

في حانةٍ غاصّةٍ بالخلقِ،‏

على قارعةِ الزّمن‏

الذي لا يجيء،‏

شربتُ حتى الارتواءِ‏

من مسيل دمعةٍ‏

تفجّرت من مقلةِ الذّكرى،‏

وخرجتُ وحيداً وحيداً‏

تلفحني ريحٌ شماليّةٌ،‏

لأشاركَ في جنازةِ عشقٍ،‏

ماتَ فوق رصيفٍ مهجورٍ،‏

في زاويةِ القلبِ،‏

منذ عهدٍ‏

طويلْ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244