جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الدّوسر.. وقطباه.. ـــ د.غسان غنيم

إن التطورات الحاصلة في بنية المجتمعات المعاصرة، لابد أن تترك آثارها على الأشياء جميعاً، وعلى الإنسان بخاصة، وعلى عادته في التلقي التي سرعان ما ستتحول لتتواءم وإيقاع العالم المتسارع الذي يتناقص فيه وقت الإنسان حتى درجة كبيرة.. مما يرجّح تحوّل المتلقي إلى الأجناس الأدبية الأكثر اختصاراً، تلك التي تحقق متعة القراءة وتحقق توق المتلقي نحو الامتلاء بالمعنى.. وربما تكون القصة القصيرة الغنية الممتعة والناجحة هي الفن الأدبي المرشح ليكون الأكثر رواجاً وحضوراً، على الرغم من أن الرواية قد تشكل الآن حضوراً واضحاً من بين الأجناس الأدبية الراهنة من حيث التلقي.. إلا أن الحركة السريعة في المجتمعات المعاصرة، بل القفزات التي يشهدها العالم وبعض مجتمعاته الساعية نحو النمو، سيرجّح كفة القصة القصيرة الناجحة، لأن الفنون جميعاً تحيا بالتلقي، والمتلقي المعاصر الذي بات يميل إلى السرعة في تعامله مع الأشياء جميعاً –وعلى الأخص موضوعة "القراءة" سوف يميل إلى الأجناس التي تحقق له الوفر في الزمن والاقتصاد في الجهد: مع تقديم وجبة معنوية دسمة. وهذا ما جعل الرواية تنزاح تدريجياً لحساب الفن الذي يستطيع تأمين ذلك للمتلقي المعاصر..‏

وأظن أن القصة القصيرة، والقصيدة.. والقصة القصيرة جداً، بنماذجها الجيدة سوف تكون الأجناس الأرجح حضوراً، مما لا يعني اندثار –الأجناس الأدبية الأخرى، بل قد تنسحب إلى الصفوف الخلفية لصالح الأجناس المذكورة وقد تتجه الرواية بشكل أكبر نحو الدراما التلفزيونية، كونها تأتي منجّمة –غالباً-في حلقات قصيرة لا تذهب بوقت المتلقي كلّه، وتعفيه من جهد القراءة وزمنها.‏

وليس هذا من "الرجم" بل هي محاولة استشفاف ما قد تؤول إليه أمور تلقي الفنون الأدبية، أمام تسارع عجلة الزمن، وتقاصر أزمنة الناس الذين يشكلون المجال الحيوي للكتابة الأدبية، بل لكل إبداع من أي نوع كان ويردف هذا السبب، طبيعة القصة القصيرة وفنيّتها ، التي تستفيد من فنيات الأجناس الأدبية معظمها، فمن الرواية –القص والحكاية والحدث الخ... ومن القصيدة التكثيف والرمز والإيحاء والتركيب الديالكتيكي. وفنيات أخرى تستعيرها القصة القصيرة من فنون أخرى..‏

وها نحن أمام مجموعة "الدوسر"القصصية التي تشكل التجربة الأولى الواعدة جداً لصاحبها "رسلان عودة" الذي قدّم فيها مستوى فنياً وفكرياً راقيين. والمجموعة تنقسم إلى قسمين متساويين تقريباً.‏

أما القسم الأول فيتحدث عن هموم المواطن الصغير الذي ما يزال يبحث عن الأساسيات، من سكن، ولقمة، وكرامة مهدورة أمام مكاتب المسؤولين المتسيبين والمتسلطين.‏

أبطال قصص هذا الجزء غير واضحة المعالم في غالبيتها، فهي إمّا موظف صغير أحيل إلى التقاعد قبل الأوان، أو فلاح –غائم الملامح في القصة "التابوت" انتظر بالأمل مع أفراد أسرته موسم جني المحصول ليحقق بعضاً من أمنيات مزمنة، بل حاجات ما أحوجها، ولكنّ الجشع والطمع يسلبانه كل هذه الآمال التي دفع ثمنها ليالي وانتظاراً وعرقاً وجهداً يطعمهما الأرض، فما تأتيه إلا بالخيبة، فينتقم يائساً، من نفسه ومن النظام، بأن يدفن محصوله "الأمل" في تابوت ليقول للنظام: هذه أحلامنا، ندفنها في تابوت، ولم يبق إلاَّ هي فلتأخذوها أيضاً.‏

أو رجلٌ تتكثف أحلامه كافة في السّفر إلى بلاد العم سام.. ولكن الواقع هناك، يطعن آماله فيرى نفسه كالهارب "من تحت الدلف إلى تحت المزراب..".‏

أو شابٌ مهمّش لا يعيش ألق الحياة إلا منهزماً من الداخل غير واثقٍ من نفسه، ومن الحياة من حوله؛ أن تتحول بشكل إيجابي تجاهه "ليبقى وحيداً.. متعباً.. باهتاً، تتجاهله العيون.. (المجموعة ص 74) تتميّز شخصيات هذا القسم من المجموعة بأنها سلبية ومهزومة، مستلبة ومستسلمة، وليس لديها حسٌّ المواجهة والمقاومة بل محبطة ومهزومة سلفاً.. ولا تفكر –أصلاً- في مواجهة أزماتها التي تطحنها، بل تقبل بانكسار كل ما يأتي دون تذمّر أحياناً، وهي ليست وحدها المسؤولة عما آلتْ إليه: "هبطتُ الدركات ببطء المحارب القديم المهزوم، أداري وجهي من صفعات الشمس بظلال الأبنية والأشجار". (المجموعة ص 17).‏

"على المواطن مازن علي الراوي مراجعة الفرع 11/و" (المجموعة ص 35) لا أظنّ طبيعة الكاتب تقوم على هذا الاستسلام واليأس، فهذا ما لا يرجّحه القسم الثاني من المجموعة وأبطالها.. ولكنه يودُّ أن يقول إن مجموعة المؤسسات، والممارسات الخاطئة التي تمارس بحق المواطن الذي يعيش محارباً بلقمته وكرامته.. مقموعاً بالخوف من ظلام أقبية المحققين، بحيث يشعر بعد أن يفلت من سياط لسان المحقق أنه وُلد من جديد –على حد تعبير الكاتب- إن هذا كلّه هو المسؤول عن جعل المواطن وأبطال قصصه على هذه الشاكلة. مستكينين محبطين مستسلمين، لا يغضبون أمام أية ممارسات مهما كانت. بل يقبلون كل شيء –كأنه مسلّمة من المسلمات التي لا تُناقش..‏

فبطل قصة "ناقص ليرة" لا يملك أجرة العودة إلى منزله الجائع الذي ينتظر عودته ظافراً ليأكل شيئاً غير الخبز والماء، إلا أن هذا البطل ، لا تصدر عنه كلمة غضب واحدة للغياب المتكرر للمحاسب بل يهبط "دركات" السلم باستسلام مطأطئاً رأسه مستسلماً لقدره، محاولاً تفادي لسعات الشمس اللاهبة بيده، بل دون أدنى تأفف يشعر المتلقي من خلاله بروح الاعتراض على خطأ متكرر تنعكس آثاره، ليس على الموظف وحده، بل على جوع أسرته وبيته.‏

يطرح هذا القسم تساؤلات عديدة... ماالذي أوصل إنساننا إلى هذه السمات التي لا تتوافق مع عنفوان العربي وتاريخه..؟! ما الذي جعل منه يائساً فقيراً، لا يفكّر بأبعد من لقمة، ومنزل يعيش فيه، ولا يزرب سطحه كلما دمعتْ عين السماء؟! ما الذي جعله يفرُّ هارباً من الوطن؟.. ما الذي جعل هذه الأمة مجموعة فئران مذعورة، لا رغبة لديها إلا بالفرار إلى أي مكان آخر غير الوطن. "سطر واحد.. فقط" و"الدوسر"؟..‏

أمّا قصة "الدّوسر" التي جعلها الكاتب عنواناً للمجموعة كلها.. "وهي تستحق ذلك" فهي قصة سياسية بأحقية.. –وهذا لا ينفي الطابع السياسي لبقية قصص المجموعة –ولكن سياسية هذه القصة تنبع من رموزها التي تكاد تنطق بمدلولاتها، وتصرخ بصمت وباحتجاج مفاده؛ إذا ما هاجر كل الناس لوطن، فمن هم الذين سيحكمهم المتسلط السارق..؟ إن حاجة الحاكم للمحكوم أشدُّ من حاجة المحكوم للحاكم. وهذا ما يريده الكاتب أن يصل إلى المتلقي.‏

مع أنه تفكير ينتسب بجدارة إلى ناحية "التفكير المتمني" الرومانتي، إلاَّ أنّه يشكل صرخة احتجاج خائفة مذعورة، توسّلتْ تقنية الإبعاد، هرباً من مقصّ الرقيب، أو هرباً من المسؤولية أمام محقق قد يكتشف مصادفة بعض إلماحات "الدوسر" الذكية الخائفة المواربة. دون أن ننسى –بالطبع- الجانب الفني باللجوء إلى الرمز والإيحاء.‏

أمّا النصف الثاني من المجموعة، فيقوم بشكل أساسي على معالجة القضية الفلسطينية ومشكلات الشعب الفلسطيني، لتكون "فلسطين" الثيمة الأساسية التي يلذّ للكاتب أن يعالجها: "خبر عاجل: انفجار هائل في القدس" (المجموعة 75).‏

يُلحظ في شخصيات هذا القسم انتماؤها لفلسطين.. ويلحظ حبّها لفلسطين، واستعدادها للتضحية في سبيل القضية والأرض دون أي خوف أو يأس أو تردد، وهي عندما تقوم بذلك تقوم به بإيمان وثبات. غير أن الكاتب لم يستطع التخلص من رومانتيته وحلمه آن مناقشته للوقائع والأحداث التي تمرُّ بها شخصياته وأبطاله..‏

"فالجد" في قصته "مدى.. والمطر" الذي يتمنّى العودة إلى فلسطين بأيِّ شكل من الأشكال، يدفعه شوق جارف وأمل قوي جعله يحتفظ بمفتاح داره في "لوبية" قريته هذا الجد سرعان ما يصل إلى يأس وحزن، يفضّل بعدهما قطع المناقشة مع ابنه الذي يفاجئه بأنّ التسوية قد لا تبلّغه ما أمّل فيه زمناً طويلاً، ليهرب بعدها إلى حبات البنّ يهرسُها بمهباجهٍ،مفرّغاً بسحقها غضبه المكبوت، بعد أن انفتحت أفواه جراحه واسعة صارخة محتجة على انكسار حلم عاش عليه العمر منتظراً.‏

"ربما ستكون لنا دولة؟‏

قال: -أين؟!‏

أجبتُ بسرعة، في الضفة وقطاع غزة. قال: وهل نعود إلى لوبية؟ قلت: بحياد... الجليل كله سيبقى في دولتهم...‏

انحرفتْ حدقتا عينيه بسرعة نحوي.. كاد الحزن النافر من عينيه يقتلني، فتملكني الإحساس بالذنب..‏

أعاد بصره إلى نار قهوته، وقال دون أن يلتفت إليَّ:‏

ليذهبوا إلى الجحيم.. أطفئ هذا الكافر". (المجموعة ص101-102) ومثل هذا الاحتجاج على التسوية التي لا تعيد للجد داره التي ما يزال يحتفظ بمفتاح بابها حتى الآن، يأتي احتجاج "مدى" في القصة ذاتها وهي الطفلة التي علمتْ أنَّ المطر سوف يجني المحتلون ثماره.. فتوسلتْ إلى الله داعيةً: "لا أريد هذا المطر.. أنا لا أحبه.. يارب لا تمطر في فلسطين...".ص100 تكثر الشخصيات الإيجابية في القسم الثاني، فهي شخصيات تعرف الواقع ولا تسايره، وتحاول أن تثور عليه –أو تغيّره.. فالفلسطينيون، لم يقدّموا كل هذه التضحيات ليصيروا مجرّد شرطة يخدمون أهداف الصهاينة في المحصلة "في قصة شجرة الحرير" مما يدفع البطل إلى الثورة ليلتقي مع فلسطين الحقيقية الشابة الجديدة، التي ستفارق فلسطين المكبلة القديمة. عبر فعل الشخصية الإيجابية غير المترددة، التي عرفت ما يجب أن تفعله وفعلتْ.‏

تصطنع المجموعة لغة أدبية جميلة، تحمل سمة الأدبية باستحقاق.. ويشعر المتلقي بسمو اللغة وأدبيتها منذ الجملة الأولى التي افتتح بها المجموعة في القصة الأولى "ناقص ليرة" "غرزت ساعة الحائط عقاربها في عينيّ..". (المجموعة ص 13. وتطالع مثل هذه اللغة الأدبية العالية المتلقي في معظم المجموعة، فالمؤلف حريص على إظهارها وتعمّدها ليبدو الأسلوب جميلاً يتخلل مواقف أحداثه الثنائية غير الضدية التي تخدم إيحاءات النص بشكل جميل.‏

كما يُكثر المؤلف من عملية الارتداد "الفلاش باك" التي يعرف كيف يوظفها لإضاءة الراهن، حيث تسطع اللحظة، بعد أن تأخذ المتلقي من "الآن" لتزيد كثافته، فتجعل المتلقي يركّز ذهنه في الحاضر وما يحدث فيه..‏

ومن تقنيات المؤلف التي يلجأ إليها أيضاً؛ تكسير الأزمنة وتداخلها مستفيداً من تقنيات السينما في الارتداد، وتساوق زمنين في آن واحد كل هذا بحرفية واضحة تشي بتمكن وقدرة على استخدام التقطيع الذي يخدم فنية القصة والمغزى الذي يودّ المؤلف إيصاله "سطر واحد فقط ص 29).‏

يستعير المؤلف بعض تقنيات الرواية.. وذلك من خلال استغراقه بالجزئيات والدقائق والتفصيلات، بحيث يظن المتلقي نفسه أمام رواية، وليس أمام قصة محدودة الصفحات والكلمات، ولا أكاد أستثني أية قصة من قصص المجموعة من هذه الملاحظة المجموعة ص 14-18. كما يظهر أثر تقنيات الرواية أيضاً في بدايات بعض قصص المجموعة.. وكأنني بالمؤلف يريد أن يكتب "رواية" ثم يستدرك ويفطن إلى أنه يكتب القصة القصيرة، وعليه الالتزام بأدواتها وآلياتها.‏

ثمة ملاحظاتٌ لغوية.. في بعض القصص. منها حرص المؤلف على إظهار مقدرته اللغوية وسعة قاموسه الأدبي... الذي يظهره متعمداً كما هي الحال مع استخدامه للفعل "أجرض" ص 18، مثلاً "فأجرضُ ريقي" أي ابتلعه بالجهد على هم وحزن..‏

كما فات المؤلف الصوابُ أحياناً قليلة –كما في جمعه كلمة "منجنيق" على مناجيق والصواب مجانيق أو منجنيقات"، ص 17، أو "استمر الحال" ص61 والصواب استمرتْ الحال.. أو عشرين غياب. ص 105 والصواب عشرين غياباً.‏

إن مجموعة "الدوسر" مجموعة جيدة بالمقاييس الأدبية والتقنية إلى مدى بعيد، وهي مجموعة تشي بتمكّن صاحبها وتبشّر بعطاءات حقيقية لقاص يريد أن يبدع شيئاً جميلاً وذا قيمة أدبية وفنية عالية. وهي –على الرغم من أنها التجربة الأولى لمؤلفها –إلا أنها تجربة تحمل من النضج الفني الشيء الكثير، ومن النضج الفكري والأدبي الشيء الأكثر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244