جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في مجموعتها الخامسة (مزيداً من الوحشة) ـــ خليل قنديل

بسمةالنسور... العين اللاقطة لأدق التفاصيل وتخصيبها بالقص.‏

يبدو القص أحياناً وخصوصاً في حالته النجيبة والمعافاة، وكأنه ينظر للحياة، باعتبارها لبنات متراصة تشكل بتماسكها الدهري والمزمن، شكل الحياة بمجملها. بمعنى أن كل لبنة من هذه اللبنات تشكل في ذراتها وتماسك هذه الذرات، حالة مكتظة بالتفاصيل الصغيرة، التي تومئ وتشير إلى علاقة كلية مع باقي اللبنات.‏

إن عافية القصّ تجيء على الأغلب من قدرة القاص على الإضاءة المركزة، والتغلغل في التفاصيل الدقيقة في كل لبنة، والقدرة على الإمساك بالشرايين الدقيقة التي تبثّ الحياة في هذا التفصيل أو ذاك.‏

والقصة القصيرة ضمن هذا الطرح تعني أن القاص النابه لابد وأن يمتلك دربة النظر إلى كل لبنة في مدماك الحياة هذه بعين لا تقل أهمية عن عين الكاميرا، لا بل كاميرا مختلفة تماماً عن تلك الكاميرا التي تنتح الصورة المحنطة الباردة والخانقة لتدفق التأويل. إنها الكاميرا التي تستدرج التفاصيل إلى مساحتها كي تثور حدوثها في مساحة الكشف.‏

والقاصة بسمة النسور في مجموعاتها القصصية "نحو الوراء" و"اعتياد الأشياء" و"قبل الأوان بكثير" و"النجوم لا تسرد الحكايات" تبدو كأنها ترتهن لعينها الصقرية في الإقدام على النائي وربما المهمل، والتقاطه بمخلبية ماهرة والعمل على دفق الحياة فيه، وإعادة تخليقه من جديد.‏

والحال أن هذا ما أكدته القاصة النسور في مجموعتها القصصية التي صدرت مؤخراً عن دار الشروق، والموسومة بـ"مزيداً من الوحشة" حيث تقودنا في مجمل القصص التي ضمتها المجموعة إلى مثل هذا النهج الذي أشرت إليه.‏

وفي الدخول إلى المناخات القصصية في هذه المجموعة نلحظ أن القاصة النسور تأخذنا نحو ماهو موحش وقارص البرودة فيما يخص الوجود الإنساني بما يشبه اللدغة.‏

فالموت الذي يمثل حالة الفقدان الأبدية لكل ماهو جميل وحيوي، يتشكل مثل الحسرة القادرة على التأنيب لهذا القابض الدائم على الحياة، ومنعها من التدفق. ففي قصة "الكثير من الخذلان" تقف بطلة القصة التي أفقدها الموت جدتها، في النقطة الثأرية من الموت ومن جدتها أيضاً إلى درجة التقريع والمناكفة" كانت حياتي ستصبح أسهل بكثير لو أن جدتي لم تكن كذبة، أو بعبارة أكثر تهذيباً، لو لم تكن ذات مخيلة جامحة لما خطر ببالها أن تقنعني ذات ليلة شتائية بأنها لن تتركني أبداً لو أنها أخبرتني أنها سوف تموت لما أصبحت ساذجة إلى هذا الحد"ص 15.‏

إن موت الجدة الساردة التي كانت تؤسس المخيلة عند الفتاة، يعني الموت لكل الأحلام التي تؤسس لوهم البقاء.‏

في القصة التالية لهذه القصة "إيضاح قليل" يطل الموت أيضاً لكن على لسان الميتة التي أفسد الأحياء عليها موتها، بحيث تبدو الميته هنا وكأنها الجدة التي ماتت في القصة التي سبقتها حيث تقول الجدة "ينبغي أن أموت تماماً هذه المرة، وإن استرد ذاتي المستقرة في ذاكرتها كي أتحرر بالمطلق ولكي تتعلم صغيرتي أن تتقن الوحدة كما فعلت جدتها من قبل".‏

وفي الشرفات الأخرى للقص عند بسمة النسور نطل على روح الأنثى المجرحة بقسوة القلق المدمر على النحو الذي قدمته في قصة "احتيالات"، حيث نلحظ مدى استفادة تقنية هذه القصة من الفعل المضارع وتسارعه في يوم مقتطف من حياة البطلة التي تعيش قسوة تفاصيل حياتها اليومية ضمن تداعيات متسارعة تجعل القارئ يتحالف مع هذا القلق العميق.‏

وتقوم النسور في قصة "التماثل إلى الصحو" بلعبة ذكية تقوم على تخليق الذكر المنبثق من أعماق الأنثى، والقادر على تهديد المرأة بالصحو قبل فوات الأوان، على اعتبار أنه الرجل الوحيد القادر إفساد صورتها، لا بل تهشيمها، وبالتالي تبدو المرأة الذاهبة في لذتها الحياتية وكأنها تعاقب نفسها بهذا الاستحضار للذكر.‏

في قصة "مزيداً من الوحشة" يعود الموت حضوره في المجموعة من خلال البطلة التي تنادد زوجة الميت في حسرة تذكر الميت باعتبارها عشيقته وحبيبته إلى درجة القول: "لو حدثت معجزة، أتاحت له أن يقضي ليلته الأخيرة معي هل كان سيموت حقاً؟ لا أظن ذلك" ص 39.‏

إن القاصة بسمة النسور تمارس في قصّها حالة من الشغب الجميل وهي تثير العديد من التفاصيل النائمة في العادية، من خلال مفارقات، إلى الدرجة التي يُحسّ بها القارئ بدربتها في اقتناص مثل هذه المفارقات التي تعود إلى نهج "موبسان" في إضاءته على المفارقة الإنسانية الجارحة.‏

هذا ما نلحظه في قصة "جانب من الحضور" حيث الرجل النكرة الذي يظل يقيم في منطقة الهامش، وأيضاً في قصة بين الحين والآخر" حيث المفارقة الجميلة والمدهشة في شخصية النادل الذي يكتشف أن زبونته التي تؤرقه هي في مكان آخر نادلة أيضاً.‏

في القسم الثاني من المجموعة حيث القصص القصيرة جداً تعمل القاصة النسور على تكثيف اللقطة القصصية بالفقرات المختزلة التي تسعى إلى إنتاج مايمكن تسميته ببيت القصة أسوة بما يسمى بيت القصيد في الشعر" كانت أناقة بيته حديث المدينة، سافر إلى أجمل الأماكن. ارتبط بأحلى النساء. ارتدى أثمن الثياب. ابتاع أهم اللوحات. ارتاد أفخم المطاعم. تفوه بأرق العبارات. غير أن الرجل القبيح ظل قبيحاً". ص 67.‏

إن ما يمكن إجماله عن بسمة النسور في مجموعتها "مزيداً من الوحشة" هو أنها امتلكت عيناً لاقطة لأدقّ التفاصيل التي تظل تُشير إلى دهشة تخصيب العادي بالقصّ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244