|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لماذا أحبكْ؟ الشفافيّة وجمالية الإبداع ـــ اسكندر نعمة تحاصرنا في كثير من الأحيان، الأحكامُ الجائرة التي تقضي بأنَّ الشعر قد انتهت دولته، وأن طيفه وأَلَقَه السحري قد تلاشى.. نقرأ هذه الحكام الطائشة في عديد من مقالات النقد الصحفي، أو الدراسات المتخصّصة. وكثيراً ما تتناثر مثل هذه الأحكام عبر حوارات شفهيّة غير مسؤولة.. ولعلّ هذه الأحكام تعود في أغلبها إلى الانغلاق تحت عباءة الانحياز الأدبي المتزمّت إلى شكل من أشكال الأداء الشعري.. فالشعر مات عندما بدّل ثوبه العمودي!.. والشعر ترنّح عندما ولج بوّابة التفعيلة والنثر!.. والشعر أضحى رمزاً تراثيّاً لأنه انغلق على أسلوبه الخليلي!.. مثل هذه الأحكام العفويّة، على الرغم من أنّها صحيحة في أحايين قليلة، إلا أنها لا تصمد للنقد والحجّة. ولن تستطيع أن تشكِّل خطاً بلاغيّاً أدبيّاً يمتدّ مع الزمن.. إن قراءةً واعية لكثير من الإصدارات الشعرية. وبشكل خاص للديوان الشعري الذي نحن بصدده: "لماذا أحبك؟". تنفي عن تلك الأحكام دقّتَها، وتخلع عنها ثوب الإقناع، وتحيلها إلى مجرّد عبارات تائهة.. الديوان الشعري: "لماذا أحبّك؟".. للشاعر زهير محمد هدلة. الصادر حديثاً عن اتحاد الكتاب العرب. يشكّل حجّة راسخة في مواجهة مثل تلك الأحكام. إنّه الديوان الشعري الخامس للشاعر زهير، بعد دواوينه الأربعة: أزاهير السَّحَر.. أزاهير من دماء –يا قمر- على ضفاف القلب.. الشعر ليس نهجاً وطريقة شكلانية فحسب. إنّه كلمة موحية رشيقة تعبّر عن فكرة.. وصورة وجدانيّة عميقة الطيف.. وموسيقى ساحرة تتفاعل مع النبض والإحساس.. وقد حقّق الشاعر زهير في ديوانه: "لماذا أحبّك؟" هذه الأركان الثلاثة إلى حدّ بعيد، متفاعلاً مع العبارة الليّنة الرقيقة، والصورة الساحرة المموسقة. وهذا ما يجعلنا نبتعد بأحكامنا القاصرة على الشعر، من خلال كونه قد التزم أبحر الخليل أم نهجَ التفعيلة أم طرق النثر باباً وإناءً لغويّاً له. فالشعرُ هو الشعر الجيّد الذي يسبح عبر شرايين المتلقي فكرة ودلالة وإيحاءً ولغة، مهما كان الوشاح الذي يرتديه.. فالشعر من خلال قناعتي الكاملة، ماهو إلاَّ نظام لغويّ لا حدود له، يخفي في طيّاته نظاماً فكريّاً وجدانيّاً جمالياً. فإن استطاع ذلك فهو شعر رائع وإلاَّ فلا.. هنا يبرز السؤال الكبير: هل استطاع الشاعر زهير هدلة في ديوانه الأخير، أن يحقّق ذلك؟؟.. إن قراءة ناقدة هادئة لقصائد الديوان التي بلغت اثنتين وثلاثين نصّاً شعرياً، تُنبئ أنه استطاع ذلك، وأجاد عبر فنيّة مُتقنة، فقد كان يصوغ الكلمات بإزميل نحّات بارع مطمئن، ويلوّن الصور الأنيقة بريشة رسام متمرّس، ويتركها تنثر ألحانها في كل الاتجاهات.. لا يضير الشاعر زهير أنه حاك قصائده كلها بأسلوب شعر التفعيلة، فهو لم يطرق باب الشعر العمودي التقليدي، ولم يتخّذ من النثرية حاضناً له. يفجؤنا العنوان، يطرق إحساسنا عبر تساؤل جميل: "لماذا أحبُّكْ؟؟". ولعلّ شبح العنوان ينطلي على كل قصائد المجموعة. يتغلغل الحب في كل مفاصل القصائد سواء كانت وجدانية أم ذات توجّهٍ قوميّ وطني.. يحسُّ القارئ نفحة الحب الإنسانية تنثال هامسة رقيقة في كل ثنايا الصور والعبارات الشعريّة، حتى وإن لم يعمد الشاعر إلى الاتكاء على لفظة الحب أو الحبيب.. لماذا أذوبُ على وجنتيك وكيف تطامن روحي، فتهرب منّي إليك أكنت الأثير لديك؟ أم الليل حين لمستُكَ، أرخى الظلال عليك شيءٌ آخر، يترافق مع نفحات الحب، يدبُّ في أوصال الديوان: "لماذا أحبك؟". إنه الحلم. يبدو أن الشاعر زهيراً يصل إلى أهدافه الفكريّة ورؤاه الشعرية عبر الأحلام. فلا تكاد قصيدة تخلو من رهافة الحلم ونداوته.. فهل اتخذ الشاعرُ الحلم طريقه الفنّي إلى ينابيع رؤاه الشعرية؟.. أجل. فالحلم كان البريق الفنّي الذي وشّحَ به الشاعر أكثر قصائده، وقد تكررت عبارة الحلم أو دلالته في أكثر القصائد عنواناً ونصاً: غريباً حالماً كنتَ –حلم بعيدٌ يمضغ الذكرى بقايا –الحلمُ يحرقه الظّما- وتهزّ ضرع الحلم نسأله الرحيق ولا رحيق-شواطئ الأحلام- أسكرَ الحلمُ رؤاك-ترفو حرير الحلم، تأمل أن يمرَّ بكَ الصَّباح- حلمُها يا روعة الحلم.. لقد انتشرت مفاهيم الأحلام فوشّت قصائد الديوان كلها، ليس الوجدانية فحسب، بل ماكان منها ذو نزعة قومية وطنيّة أيضاً. لذا نبتَ في قناعتي الأدبية أن أُطلقَ على الديوان عنواناً آخر يفترش وسادة الحلم وينهل منها.. تكاد قصائد الديوان تتوزّع بين مسارين اثنين.. مسارٌ وجداني عاطفي. وآخر ينحو نحواً قومياً وطنياً.. ففي المسار الأول تندرج قصائد مثل: لماذا أحبّك؟- اغتراب-شواطئ الأحلام-للماء يمنح صوته، وغيرها كثير.. أما المسار الثاني فتطالعنا قصائد: البراعم تموت حالمة-الثعالب تنبش قبر المعتصم-مريضاً يلوح القمر-على بوّابات القدس. وحقيقة الأمر أن هذا التقسيم، لا يتّسم بالانقسام الحاد. بل كثيراً ما تتماهى الروح الوجدانية العاطفية مع الروح القومية. ذلك أن الشاعر يؤدّي رؤاه القومية والفكرية بأسلوب وجداني رقيق، ينساب عبر الصورة الجميلة الحالمة، والروح العاطفية الشفّافة.. ففي قصائد: لا تبتعد-شرفة الضوء-وطني-قلبي معك، وسواها كثير، يشعر المتلقّي أنه يقرأ قصائد وجدانيّة متناغمة مع الروح القومية والوطنية: عن الأمّ حين تطرّز رغم احتقان المساء مواسم عشق وأثواب عرس لموتٍ جميل أثير يطلُّ صديقي يطارد من يسرقون الحياة هذا بدوره يسوق إلى التأكيد، بأن الفكرة والإيديولوجيا لدى الشاعر زهير هدلة، إنّما هي الروح الإنسانية في أعمق أشكالها، وبذلك يكون الشاعر قد نأى عن مطب المباشرة وسيطرة الروح التقريرية في عرض أحاسيسه الفكرية. وظلّت الفنيّة لبوساً جميلاً تتدثّر به قصائده، وظلّ الإنسان بإهابه التاريخي والاجتماعي هدفاً يسعى بلوغه والوصول إليه. ففي كل ما أبدع كان يضع الإنسان نصب عينيه، معبّراً عن أصداء الحب الإنساني النبيل: وانساب صوتُكَ دافئاً في مسمعي إني معكْ ما زلتُ ألبسُ بردة الليل الرؤوف لكي أوافي مخدعَكْ إنّي معك! يا همسة تتزلّفُ القلبَ الكئيبَ فينتشي في خمرها ويذوب وجدا ينبغي ألاَّ يستقر في النفس أنّ قصائد الديوان كلّها موسومة بالألق الإبداعي الجميل.. بل هناك تفاوت واضح في المستوى الفنّي للقصائد.. إنّ ذلك أمرٌ طبيعي جداً. فكبار الشعراء عبر تاريخنا الأدبي العريق، وكذلك شعراء المعاصرة، خضعوا لمثل هذه الازدواجية. فهناك ما يحلّق نحو نجوم السماء ليقطفها، وهناك ما يتطامن نحو الأرض بكل حياء. وهذا ما وقع فيه الشاعر زهير هدلة.. أمرٌ آخر، أودُّ الإشارة إليه. هو تلك الانسيابيّة الهادئة المطمئّنة في النسيج الشعري والتعبير لدى زهير هدلة.. نقرأ أبيات قصائده تنثال في الإحساس ارتعاشاتٍ رقيقة هامسة. لا نقع فيها على العويص في المفردات والعبارات. لا نتلكأ لنستقرئ المعنى ونبحث عن حدود الرؤية. كل عبارة أو صورة موظفة حيث يريد لها المعنى والفكرة.. أليس في مثل هذه الانسيابيّة الهادئة أصالةٌ شعرية وخبرة إبداعية: حائراً كنتَ وكان حائراً منكَ الزمان ما الذي تبغيه، لا تعرفُ، لكن!! تدفع المركب فوق الموج مشدوداً إلى مرفأ حب ليس يدنو وبلاد أرهق النّزفُ شواطيها وغاض الحب فيها أخيراً .. أشيرُ أنني في هذه العجالة لا أستطيع أن أقول كلَّ شيء.. هل قرأتَ القصائد؟.. اقرأها إذن.. إن قراءةَ ديوان: "لماذا أحبّك؟".. تشي بقامة شعرية شامخة قادمة على الطريق. تُنبي بشاعر يحمل أوراق اعتماده بكلتا يديه. يسير بخطوات واثقة هادئة على طريق الجلجلة، حاملاً صليب آلامه من دون وهن أو كلل، محاولاً أن يبلغ الذروة ويتربّع فوقها، مقدّماً قرابين حبّه وعصارة قلبه وأعصابه، عبر الكلمات الحالمة والصور النديّة والعبارات المموسقة. نتمنّى للشاعر عطاءَات مستقبلية أكثر حباً وجودة. وأن تظلّ رؤاه الشعرية تسكرُ بالحلم الجميل، من دون أن يلهث ويلهث خلف أمانٍ من حرير... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |