|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نجدة زريقة في كتابه محاكمة الآلهة ـــ زهير جبور البحث عن صك البراءة الذاتية من يحاكم من وأية عدالة تفرزها آلية الطغيان لكل واحد منا سيزيفه الخاص والصخرة تلاشت بحكم الزمن لن أتناول كتاب "نجدة زريقة" (محاكمة الآلهة) كما أراده هو، وسأتجنب فلسفة أسطورية رغب في طرحها وجعلها وسادة لراحة رأسه وفقرات رقبته كي ينام مطمئنً، وكنت من المتابعين لحجم الوقت الذي استهلكه حتى وصوله للصيغة الفكرية والإخراجية التي قنع بها متردداً، فأتعب أسرته وأتعبنا وكان (سادياً) يستمتع بعذابنا ويحاكمنا كما هي آلهته المدانة. وبالمناسبة لن أكون سعيداً جداً وهو يعمل بجرفه محاولاً قيادي عبر صفحاته كما يشاء (فيوسف) هو نجدة، والآخر هو الأول، وعبر هذا المزج القدري سيعلن المؤلف أن ثمة من أساء إلى كينونة الإنسان وشوه أمامه الأفق وتلك تتبدد ولا تشوه، تغيب وتضيع،ويحلّ مكانها العبث ويزول الفرح الذي هو ليس مهنتنا مع بداية قرن جديد، ورحم الله محمد الماغوط فقد أعلن ذلك في السبعينيات من القرن الماضي حين كان زريقة يشق دربه ويخطط لمستقبله وقد انضم إلى الكلية الحربية بشغف شخصي من خلال إيمانه بالتحرير وخوض المعارك، ورفع الظلم عن أبناء الوطن المحتل وهو القومي البعثي الذي آمن بالمفهوم الوعيي لمنطلقات البعث وتجدده واعتبره حالة إبداعية وحصانة للجماهير التي انطلق منها والمفترض استثمار انتصاراته الثورية لصالحها. وفي دربه التكويني يقدم في الصفحات الأولى ملخصاً عن المزج ويرشح (روضو) قريته لتلعب دوراً بالتاريخ وهو المندفع لإقامة أعمدة تدمر فيها وتفجير ينابيعها دفعة واحدة ولن تكون (أوغاريت) بأبجديتها، أهم منها، فهي قد أعطت للكون ما لا يعطى، وهو بطلها الأول محصناً بدرع لا يثقبه السهم وبسيف لا يكل منه الساعد، وهو المتحفز حيوية ووهجاً وأفقاً وآمالاً ومستقبلاً، لكنها ستتكسر لاحقاً على صلابة من حقيقة، هي أكبر من الكتاب، من النهر الهائج. الذي جرف أمامه القمامة وبقايا علب السردين الفارغة وحمالات النهود المهترئة لنساء مارسن الطهر أو الدعارة على سكة حلب، والمستغرب أنه بعشقه للتفاصيل والجزئيات قد خزن بذاكرته ما لا يستطيع أن يخزنه الكومبيوتر في زمننا هذا، وجمع الأحداث الصغيرة والكبيرة، الأسماء المهمشة والرئيسة جاعلاً (الميتافيزيق) حقيقة تعاش، تلك هي قناعته ولنا حرية التصديق أولا وفي خطواته على الطريق الطويلة يحاذي /دانتي/ سيراً. غاضباً هنا.. أو متسامحاً.. بطلاً يتفوق على الكل وسيبرز في أي مكان وجد فيه وعلى شعاعه الذاتي أن يبهر العيون، فلا ظلام عنده.. ولا شمسه تميل إلى الغروب وهو المتفوق على أقرانه، والقائد الذي يصدر أمره في لحظة الحسم، وعلى مسؤوليته ولن يفشل. يقول في الصفحة /53/: (وفي نهاية العام التدريبي فازت الكتيبة بكأس قائد الفرقة ولن أنسى ذلك اليوم وأنا أحمل من السيد القائد أحمل أول كأس في حياتي، وكنت قائد الكتيبة الأصغر رتبة وعمراً وهو ما دفعني وأنا الضابط الطموح إلى إيجاد الصيغ والبحث عن الطرق الناجعة للتنافس لنكون أكثر قدرة عن الدفاع عن حقوقنا). ولعلّ مفردة /لنكون/ تضم في معناها الجماعة التي يمثلها في شخصه، بهذا التفرد يخاطبنا، وبتلك الروح التنافسية سنراه ينتقل من مكان إلى آخر، باحثاً عن الكؤوس، وقد حصل على أربعة غيرها فيما بعد، وكأنه يلخص الحياة بالكؤوس فقط، وهذا ما جعل نزعته التسلطية الطموحية توحي بإلغاء الآخر، ومن المعروف أن الأنا إن تضخمت فسوف تسيء لوجه الطموح المراد تحقيقه. ويأتي صدى الصفحات الأخرى ليؤكد أن شيئاً من هذا لم يتحقق، بل على العكس، فحين تجرد من مكتسباته المعنوية التي حصل عليها أو منحت له تحول إلى إنسان عادي، ووجد في الكتابة سلواه، وعاش مأساوية هي دون شك الصدمة الأكيدة في تجربة حياته وما عداها مجرد سلوك يومي يخفق أحياناً وينتفض، ولا شيء دونها قد دفعه للانعطاف، وخفف من طغيان سطوته التي فرضها على الآخر تحت شعار النظام وقوة نفاذه وتحكمه بمصائر البشر. أليس في ذلك انتكاسة لروح الأسطورة وخرق للدرع دون سهم؟.. ثم يقرر منذ الصفحة /131/ أن يعلن المحاكمة ويدين الآلهة التي رسمتها فصوله السابقة ولا يتوانى عن اتهام الناس، والمختصر في الفساد والتآمر واللصوصية، والخيانة، ويرافقنا في مسرحه صوت خلفي، وهذا ما جعل الكتاب دون هوية أدبية، فتارة نجد فيه التجربة الذاتية، أو المذكرات اليومية، وأخرى.. قصة قصيرة خالية من اللعبة الفنية، أو ثمة مسرح وهمي له ديكوره) ومفرداته وقضاته ومرافعاته وخلفيته الصوتية، من قصيدة للشاعر العربي المتنبي: ولكني ظلمت فكدت أبكي * * * من الظلم المبين أو بكيت لماذا ظلم عبد الله؟ وللجواب يمكننا أن نطالع في الصفحة /141/ ما يوحي بهذا الظلم حين يقول: (سادتي القضاة: دفعت ثمن معرفة أسرار الآلهة غالياً وما أزال أدفع صدقوني لو أعلنت ذلك أمامكم). ويرد أحد القضاة: فهمنا من كلامك أنك رجل تكره الظلم.. ولكن الأوراق التي أمامنا تذكر أنك مارست الظلم على مرؤوسيك وأولادك فكيف تفسر لنا هذا التناقض). إن مفهوم الظلم مأخوذ من خلال الرؤية التي حددها، وهو لن يفلسف هذا الفكر ولن يرجعه لمصادره التاريخية أو يتوقف عند صراع الخير والشر، لأن ما ورد يمثل خاصيته فقط، وهي بعيدة عن أية فكرة أسطورية عرفناها منذ بداية الخلق، فالحاكم لا يخطئ.. والمسؤول مهما كبرت أو صغرت مسؤوليته.. والديكتاتوري يفهم الحياة من خلال نظرته إليها.. والقانون هو الغطاء الأكثر بشاعة لممارسات تخدم السلطة بكل ما تعنيه وهي القادرة على تكييفه حسب مصالحها. ومن هنا ينبغي أن تسطع براءة المتهم في داخله على الأقل ويجب أن تحمل وجه ذاتيته المفرطة، فالبطل المحصن بالدرع كالمسؤول المحصن بالقانون، وكلاهما يفتش عن حقيقة ويجدها دائماً على مقاسه تماماً. من سيحاكم من في مثل هذه الحالة وجميعنا دون استثناء شاركنا في الجرم ونفتش عن صك البراءة.. وفي غياب القاتل ستبقى جثة القتيل وجميعنا نتقاسم الجريمة. وجدتها محاكمة طلاسمية سريالية فيها من الألوان والخطوط مايبعث على التقيؤ، فيها جور الظالم على المظلوم، وفيها بركان المعدة التي تنخر جوعاً. وستطرح المزيد من الأسئلة لتحل لعبة التاريخ وتخرجنا من مطبها، فهو يقول في الصفحة /187/: (أسئلة وأسئلة سنبحث عن أجوبتها في إيبلا وأوغاريت عند الفينيقيين والآراميين والهيكسوس والفراعنة واليهود والمسيحيين والإسلام). وفي عصرنا الحالي لن تجد كل الأسئلة أجوبة لها مهما بلغنا من العلم وثورة الاتصالات والوصول إلى الفضاء وغزو العقول، وما نحن من كل هذا إلا مجموعة من البدائيين المتخلفين سمحنا لأنفسنا أن نأكل لحوم بعضنا بعضاً نيئة وننهش في أجساد نسائنا وتسري دمائهن بين خلايانا المتشققة ليتبدد عنا الظمأ لكننا في حقيقة الأمر سنظل عطشى نفتش عن سرنا فلا نراه، وعن غيرنا فتضيع بين زحمة الوجوه والأرقام، ولن نعترف بأننا الفاسدون الأصلاء الذين نغطي عيوبنا بورقة توت ونشير إليها بعنفوان وكما هي محاكمة الآلهة القافزة من محطة إلى أخرى، يطل علينا في الصفحة /195/ المشهد الأول من المأساة العظمى حيث (سيزيف) معتلياً قمة الجبل وأمامه صخرته الخالدة وهو سيحاكم الآلهة مترفعاً يطل على التاريخ والجغرافية، الاقتصاد والسياسة والمجتمع وسورة مريم، ويسوع الحي أو المصلوب، وقيادة الفرقة /12/ والأسماء والشوارع والقراءات، وهزيمة حزيران، واتفاقيات السلام، وخيانة الأخ لأخيه، والمرأة لزوجها، والطفل للثدي الذي أرضعه الحليب، وسوف نحاكم /هتلر/ ونيرون، وجمال عبد الناصر. وصدام حسين، والتاريخ، وسيزيف سيردد قول الزهراء: صبت عليا مصائب لو أنها * * * صبت على الأيام صرنا لياليا وينبغي أن نتذكر أن لكل واحد منا (سيزيفه) الخاص، وصخرته الذاتية والعامة ومن الأقسى أن نعبر عنها بمشاعرنا التي التهمتها نيران الوحشة والاغتراب، ولأننا (سيزيفيون) فسوف نكون (أوديبيين) ولم نطرح على أنفسنا السؤال: لماذا ضاجعنا أمهاتنا؟ وكنا جميعاً أولاد الزنى. حكموا علينا بذلك وسوف أعذر (يوسف.. نجدة زريقة) الذي أصر أن أرافقه إلى حيث ميلاده الأول وراح يتحدث مع جيرانه ويستعيد تفاصيل حياته القديمة وكأن ما حصل يعود ليوم أمس فقط، هو مصاب بالخيبة الكبرى لجيلين، في الأول خرج منه صغيراً وفي الثاني انتهى دون أن يكبر. إجمالاً: كتاب محاكمة الآلهة ينتمي لهذا الزمن ففيه من الجنون بقدر ما فيه من الحكمة ومن الواقع بما يتساوى مع الخيال. أما الشهادات التي نشرت في نهايته فهي لأشخاص عايشوا تجربة الكاتب وامتدحوه في سلوكه وأعماله وشخصه، وبالمقابل ينبغي أن نؤكد أن الإنسان يتعرض لمن ينتقده ولا يوده ويرفضه، وبطبيعة الحال كهذه الشهادات لم تكتب وإن حصل فهي لن تنشر ولا مكان لها ونحن نحاكم الآلهة. لا نعلم من يحاكم من، وأية عدالة ستفرزها آلية الطغيان المتفشية في النفوس المتسلطة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |