جريدة الاسبوع الادبي العدد 1015 تاريخ 15/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أحلام قروية حامل ـــ بقلم: تي نينغ * "الصين".ـ ت.ساسي حمام

خرجت المرأة الحامل من السوق واتجهت نحو القرية بين الحقول المستوية الممتدة إلى اللا نهاية يسودها الصمت والطمأنينة تحت شمس دافئة: رغم بداية فصل –الجليد الأبيض-.‏

تترك المرأة حبل البقرة وتؤرجح يديها القويتين... بطنها النافر يرفع أطراف سترتها المبطنة والمزركشة بأزهار صغيرة تضفي عليها مسحة من الجاذبية.‏

تسبق البقرة المرأة بعدة أمتار وكلما وقفت في حقل لتجتر أو لتأكل بعض العشب أو قصبات قمح تشتمها وتأمرها بصوت مرتفع: "اخرجي ... يا سوداء..".‏

اسمها سوداء برغم شقرتها..‏

وعندما لا تخرج بسرعة تغضب وتدعوها بصوت مرتفع "سوداء" كأنها تنادي جارة بعيدة فيتردد صدى صوتها بعيداً في الحقول. تعرف البقرة أن النداء يخصها لأنه لا يوجد غيرها فتقطف بسرعة قليلاً من العشب وتخرج من الحقل مكرهة وتسلك الطريق من جديد...‏

بعيداً تلمح الحامل رواقاً من المرمر الأبيض مألوفاً لناظريها.‏

تعرف الآن أنها قريبة من منزلها. يرتفع هذا المعلم شامخاً يسحر كل غريب يمر من هذه الجهة. السكان الأصليون أنفسهم يعجبون به مع أنهم قد ألفوا رؤيته.‏

قالت المرأة في نفسها: "كم أنا سعيدة بالعيش هنا!".‏

في الأصل هي ابنة الجبل. الحياة هناك أكثر صعوبة من الحياة في السهل. هي جميلة وهذا الجمال يمكن أن يجلب لها المال والسعادة. لقد نشأت في عائلة فقيرة جداً، فعجز والداها عن تسجيلها في المدرسة فعاملاها معاملة كنز:‏

أطعماها أجود الطعام وأبعداها عن الأعمال الشاقة آملين أن يزوجاها رجلاً من قرية أغنى من القرية الجبلية حتى تكتشف عالماً لا يعرفانه.‏

تحقق حلم الأبوين.. تزوجت رجلاً من السهل.. شرحت لها حماتها بزهو أن البيئة التي ستقضي فيها حياتها ملائمة جداً.. فقد بنيت منازل القرية على أرض كان يقضي فيها أمير من سلالة الكينغ عطلته.. شِيد قبره شمال القرية وبُني الرواق يوم دفنه..‏

ومع أن المرأة لا تعرف قصة الأمير ولا اسمه وتجهل سلالة الكينغ فقد ذهبت لزيارة قبره! وجدته مهدماً منهوباً.. رأت مكانه مغارة غطتها الأعشاب البرية وقطع من الآجر القديم.. شعرت المرأة بالغبطة لأنها تعيش في مكان تاريخي... القبر فارغ الآن ولكنه مملوء بالكنوز، يبقى وهذه المعالم الأثرية التي اختير مكانها بعناية من طرف بعض المنجمين رمز ثراء هذه الجهة..‏

هي سعيدة لأنها تعيش حياة سهلة في منزل زوجها.. لا يستطيع أحد أن يستهزئ من لكنتها الجبلية... يعاملها حموها وحماتها وزوجها معاملة الكنز وهو مستعد لأن يعمل أي عمل على أن يكون الأجر مرتفعاً..‏

تقل الأعمال الفلاحية في هذا الفصل فيذهب زوجها إلى المدينة حيث ترتفع البنايات مثل الفقاع للعمل في حضائر البناء وتأتي حماتها للعيش معها فتصر على أن تسقيها كل صباح كأسا ماء وسكرا لاعتقادها أنه يجعل الشفاه أكثر احمراراً وأكثر اكتنازاً وهي لاتتردد في شكرها للقادم الأول ولمن يريد سماعها قائلة: "إنها امرأة جميلة حقاً"....!..‏

عندما حملت منحتها حماتها حرية أكبر .. تحب المرأة الذهاب إلى السوق لمجرد حب الاطلاع فتطلب منها حماتها أن تأخذ البقرة لتمتطيها إذا شعرت بالتعب...‏

"ولكن البقرة حامل كذلك: "قالت المرأة في نفسها. برغم ذلك مسكت الحبل حتى تؤنسها في الطريق.. كل واحدة تحمل حياة أخرى في بطنها.... تشعر المرأة أنها قريبة من الحيوان... لابد أنهما يشعران بالزهو نفسه. إنهما ينزهان بطنيهما باعتزاز....‏

لم تمتط المرأة البقرة بل تركتها تمشي بحرية..‏

عندما وصلت إلى هذه المنطقة واكتشفت السهل أحبتها لامتدادها وللصمت الذي يخيم عليها ولكن شيئاً فشيئاً وبمرور الوقت غمرتها الوحدة... فإذا كانت الرؤية في الجبال محدودة بسبب القمم والصخور فإنها هنا تمتد إلى اللا نهاية فتستطيع أن تتأمل الأفق وتتفحصه بناظريها. شعرت أن حياتها لا تكفي لتصل إلى نهاية السهل... فجأة شعرت بانقباض فنادت البقرة بصوت غريب "سو... داء...". فوقفت البقرة التي كانت تمشي بهدوء ونظرت إلى المرأة التي سبقتها متسائلة عن سبب ندائها.. مدت البقرة عنقها وغذت في السير لتلتحق بسيدتها.. سبقتها بسرعة فابتسمت المرأة ونادتها مرة أخرى: "سو.. داء...". لطرد الشعور بالوحدة ولو أنها تحت شمس أكتوبر مع صدى صوتها والبقرة ووقع خطواتها الرتيبة.. وطفلها الذي يتحرك في بطنها...! لم تشتر شيئاً من السوق كعادتها.. وصلت إلى الرواق وقد احمر وجهها وتساقطت قطرات من العرق على أنفها فظهرت أكثر إغراء.....‏

بدأت حرارة الشمس تلين فظهرت بعيداً نقاط سوداء تتقافز... إنها الأطفال وقد خرجوا من المدرسة...‏

شعرت المرأة الحامل بقليل من التعب... عندما ترى الأطفال يلعبون تشعر أن بطنها يزداد ثقلاً فتمسكه بيديها... توجهت نحو المسلة الملقاة بجانب الطريق لتأخذ قسطاً من الراحة وتركت السوداء ترعى في حقول القمح...‏

أقيمت هذه المسلة كذلك إجلالاً لهذا الأمير. أقيم هذا العمود على سلحفاة من المرمر... للأسف قدم بعض المخربين للمدينة وحطموا أجزاء كبيرة منها فسقطت المسلة... عرفت المرأة كذلك من حماتها أن هذه العصابة من الشباب حاولت تحطيم الباب أو تلغيمه فدافع عنه القرويون بقيادة جد زوجها ولكن المسلة بقيت جاثمة بين الأعشاب...‏

يقعد عليها المارون ليريحوا أرجلهم المتعبة فأصبح سطحها أملس.. لحسن الحظ أن حروفها لم تضمحل. المرأة أمية كانت تتمنى أن يعلمها زوجها شيئاً مما درسه طيلة ثلاث سنوات في التعليم الابتدائي ولكنه لا يستطيع القراءة جيداً ويتهرب دائماً من رغبتها في التعليم قائلاً: "مافائدة معرفة هذه الرموز القديمة؟".‏

لما قعدت رأت الحروف كبيرة مثل أقداح الخمر.. أثارت هذه الحروف اهتمامها مرة أخرى.. فغيرت مكانها لتراها جيداً... لماذا تهتم بها كل هذا الاهتمام اليوم؟.. لابد أن السبب هو هذه الحياة الصغيرة التي تحملها في بطنها... هذه الحياة الصغيرة التي تتمنى لها الكثير... أمنيات تتبلور كلما تقدمت الأيام ولكنها تتجسد حين يرجع هؤلاء الأطفال من المدرسة أو يمرون أمامها.... ترتبط الحروف في ذهنها بالمدرسة والمدرسة بالأطفال والأطفال بصغيرها...‏

تتخيل أن ابنها سيدخل المدرسة يوماً... سيكون محاطاً بأصدقائه.. سيتعلم حروفاً كثيرة.. سيلقي عليها أسئلة كثيرة مثلما كانت تفعل في صغرها مع أمها... سيصحبها يوماً إلى السوق "أمنية من أمنياتها العريضة!". عندما يمران أمام المسلة سيسألها ابنها عن معنى هذه الكلمات... كيف ستتحاشى خيبة ظنه عندما يعرف أنها جاهلة؟ فجأة شعرت بالحزن وكأن ابنها قفز من بطنها الآن ليسألها.‏

اقترب الأطفال منها حيوها بحرارة... طلبت من أحدهم ورقة وقلما...‏

لم تتردد في البوح برغبتها للتلاميذ... كانت تشعر وكأنها تقوم بشيء مشبوه.. تسلحت بقلم في يد وبورقة في اليد الأخرى.‏

عندما لف الصمت الحقول من جديد فرشت الورقة البيضاء على المسلة وشرعت في رسم الحروف. يمكن أن تعرف معانيها من أهل القرية المتعلمين...‏

برغم أنها امرأة ماهرة في رسم التنين والعنقاء وتطريز الزهور والورود وصنع الأحذية بكل سهولة وجدت هذا العمل شاقاً ويتطلب صبراً طويلاً....‏

تشعر أن القلم ثقيل جداً... تدقق في مختلف أشكال الحروف بانتباه وبعناية فائقة....‏

ظهرت لها هذه المجموعات غريبة كرسالة غامضة وجهت نظرها نحو السماء والجبال البعيدة... تأملت السحب التي تمر بسرعة والشجرات القليلة والغربان التي تحوم حول الرواق... فتشتت انتباهها وتناثرت أفكارها... "يجب أن أركز انتباهي"! فحصت من جديد الحروف بعناية أشد وصورت الأول على الورقة....‏

اجتازت الخطوة الأولى، لن يوقفها شيء، واصلت نسخ الحروف على الورقة وكأنها ترسم صوراً لا تعرف مقاصدها ولكنها جميلة وتفتح البصيرة كما يقول أهل القرية، شعرت أنها ارتبطت بهذه الحروف ومسكونة بالفرح وبقليل من الإباء. نعم جميلة ولا يمكن وصف هذه الحروف التي تثير إعجابها إلا بهذه الكلمة... نعم هذه الكلمات عظيمة!...إنها ترمز إلى أشياء...‏

وصلت الشمس إلى الأفق والمرأة المنحنية على المسلة منذ مدة سابحة! ابتلت ياقة سترتها وتساقطت قطرات من العرق من ذقنها وعلى رقبتها وصدرها احمر وجهها وارتعشت يدها ولكنها لم تتوقف عن تصوير الحروف... قلبها لم يطاوعها...اعتقدت أن هذا العمل سيلتهم قواها وعقلها فمنذ أن وعت العالم الذي يحيط بها لم تقم بعمل شاق ومفيد...‏

خرجت السوداء من حقل القمح! امتدت برفق بجانب سيدتها وكأنها تشجعها وتسري عنها بصمتها..‏

أنهت المرأة عملها بعد وقت طويل... عدت الحروف التي صورتها: سبعة عشر حرفاً...‏

يمكن لأي مثقف أو متعلم أن يقرأها: إجلالاً وتخليداً للأمير العظيم شيو بي من سلالة الكينغ الوفي، النزيه، الغيور، العالم، الكريم...‏

أعادت المرأة عد الكلمات والحروف حتى تتحقق أنها لم تنس شيئاً.. إنها غريبة مثل ثعابين متداخلة أو خيوط متشابكة... بفضل هذه الحروف تكتسب بعض الخصال التي تزيدها جمالاً حسب الاعتقادات الشعبية... ستنظر إلى ابنها باعتزاز!...‏

هكذا تستعد لقدومه!ّ قريباً سيغادر بطنها الناعم ولكن المسلة ستبقى إلى الأبد موشومة في ذاكرتها.. هل يمكن أن يحمل كل واحد على هذه الأرض وشماً في نفسه؟ ستجلب هذه المسلة لابنها الحظ والسعادة!...‏

طوت المرأة الورقة ثمرة تعبها ووضعتها في جيبها ونادت السوداء... شعرت بألم في ظهرها فوضعت يديها على ردفيها ونهضت... يجب أن ترجع بسرعة إلى القرية... رأت بعيداً الدخان يتصاعد من مداخن المنازل... العشاء على النار!..‏

ولكن البقرة لم تنهض بسرعة بل غيرت وضعها وبقيت ممددة على الأرض تترقب المرأة حتى تصعد على ظهرها نادتها بحنو "سوداء" وداعبت بيدها بطنها الثقيل... اقترب موعد الطلق! ربما رأى العجل النور في نفس اليوم الذي ستضع فيه ابنها... أخيراً نهضت البقرة.‏

توجها نحو القرية.. كل واحدة تتكئ على الأخرى... رائحة جسم البقرة تبعث الدفء والأمان... ربتت على ظهرها فألصقت البقرة فمها باليد الحنون!...‏

التفتت المرأة إلى الخلف... نزل الليل.. لم يبق واضحاً في اللون الرمادي غير الرواق... استعادت أحداث اليوم: الجبال، الغربان، أعشاش العصافير مثل قبعات سوداء معلقة في قمم الأشجار، السهل والآن النجوم في السماء... ما زالت أصوات السوق وضجيجه وصخبه ترن في أذنيها.. تفكر في بقرتها الضخمة... في الحروف الغريبة الجميلة... في طفلها الذي ستضعه قريباً... وفي مستقبله... هذا كل شيء في حياتها...‏

امتلأ قلبها حرارة سرعان ما انتشرت في كامل بدنها... تمنت أن يكون بجانبها أحد يشرح لها أسباب هذه الحرارة التي فاجأتها... فهمت بسرعة أنها بسبب الدهشة!..‏

-سو... داء... صوتها ضعيف يرتعش سعادة مثل همهمة حلم...‏

*تي تينغ: قاصة وروائية صينية ولدت سنة 1957. كاتبة محترفة عضو اتحاد الكتاب والفنانين الصينيين. نالت قصصها وروايتها عدة جوائز.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244