|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ملامح السيرة الذاتية ـــ عبد الرحمن عمار بداية لابد من التأكيد على أن السيرة الذاتية، كفنّ أدبي، ليست وليدة عصرنا، وإنما تعود إلى العهود اليونانية القديمة المتألقة، وقد كانت، شأنها شأن أي فن جديد، تستند إلى بنية فنية بسيطة، وتتناول، ربما، جانب أو جوانب قليلة من حياة صاحب السيرة، فقد أشار ميخائيل باختين إلى أن أول سيرة ذاتية ظهرت إلى الوجود في شكل خطاب دفاعي، هي سيرة "إيسوقراطس" الذاتية، وهي تقرير تقريظي علني يقدمه إيسوقراطس عن حياته، وهو باعتباره خطيباً، والخطابة في ذلك الزمن تُعدّ حالة فنية من الإبداع الأدبي، فإنه يمجد فيها النشاط الخطابي نفسه، وكأنه أعلى أشكال النشاط الحياتي، فإيسوقريطس يصف وضعه المادي وينوه بمداخيله كخطيب، كما يشير إلى أن العناصر المهنية والعناصر المتعلقة بالدولة والمجتمع، وكذلك الأفكار الفلسفية، تتداخل تداخلاً وثيقاً فيما بينها، وتتجانس وتُنتظم في صورة لدنة كاملة واحدة للإنسان، وهذه السيرة كما يقول باختين أثرت تأثيراً هائلاً في الأدب العالمي كله. ويشير باختين نفسه إلى نوع آخر من السير الذاتية تشكلت في زمان ومكان فعلي آخر.. في الدولة الرومانية القديمة، وكانت الأسرة الرومانية تربتها الحياتية التي تحتفظ في الوقت نفسه بالطابع المجتمعي العام والعميق، وكانت تُكتب بقصد نقل التقاليد الأسرية القبلية من حلقة إلى أخرى، أي من جيل إلى جيل، وتوضع في الأرشيف، وهذا يجعل الوعي الذاتي ذا صفة تاريخية عامة تتعلق بالدولة والمجتمع. وبالمقارنة بين ما كانت عليه طبيعة السيرة الذاتية اليونانية الأولية وبين طبيعة السيرة الرومانية، نجد النمط اليوناني يتحدث عن ذات الفرد، ويتوجه إلى معاصرين أحياء، بينما الوعي الذاتي الروماني يشعر بنفسه على أنه حلقة بين أجداد توفّوا وأحفاد لم يدخلوا ميدان الحياة السياسية1. وهذا يتوافق مع ماقاله أحمد أمين في بداية كتابه "حياتي": ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما جرى لي ولآبائي من أحداث"، فالسيرة عند أحمد أمين هي شكل من أشكال التاريخ2. وفي تاريخنا العربي يعود بداية استخدام مصطلح السيرة عموماً إلى ابن هشام حين كتب "السيرة النبوية" ثم ما كتبه عوانة الكلبي المتوفى عام 147هـ عن سيرة معاوية وبني أمية، أما المتتبع لتطور الترجمة الذاتية في الأدب العربي فيما بعد، فيجد أن عدداً من السير قد كتبت منذ بداية القرن الرابع الهجري وما بعد كـ"سيرة أحمد بن طولون" لكاتبها ابن داية المتوفى سنة 334 هـ و"سيرة صلاح الدين" لكاتبها ابن شداد المتوفى 622 هـ3. ومنهم من دوّن سيرة حياته بنفسه، كالمذكرات التي كتبها أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس، وعنوانها "التبيان" وتصور الوضع الاجتماعي والسياسي في الأندلس وضعف الحكم الإسلامي أمام تحديات الفرنجة. وكتاب المذكرات الثاني هو "الاعتبار" لأسامة بن منقذ أمير قلعة شيزر، وهو أديب وشاعر، وقد كتب هذه المذكرات، وهو في التسعين من عمره، ويذكر لنا في حياته وفروسيته أثناء الحروب الصليبية4 وهذا يعني أن العرب منذ القديم قد اقتربوا إلى حد ما من السيرة الذاتية بمفهومها الحديث. أما الدافع إلى كتابة هذه السير الذاتية عند العرب قديماً، فلأنَّ كتّاب السيرة "لم ينطلقوا فيما سجلوه عن حياتهم من لا شيء، بل دفعت كلاً منهم بواعثُ قوية إلى كتابة حياته. سواء أفصح الكاتب عن غايته من ترجمته لنفسه أو لم يفصح، فإن هناك حوافز نفسية تؤثر في الإنسان هي "الإحساس والتفكير والشعور والحدس". وهي الحوافز التي يراها عالم النفس كارل يونج توجّه الإنسان في أفعاله".5 السيرة الذاتية في العصر الحديث: كانت السيرة الذاتية قبل القرن التاسع عشر تعكس حقيقة الصدام بين الشرق والغرب، كما تقول فوزية الصفار الزاوق، وتصور مرحلة البحث عن الذات في سبيل العثور على مقومات الشخصية العربية، مع التأثر بالتقاليد المتوارثة في الأدب العربي، وفي القرن التاسع عشر خطت الترجمة الذاتية خطوات شاسعة إلى الأمام، فأصبحت سجلاً لحقائق الحياة الفكرية والروحية والأدبية والاجتماعية والسياسية لأصحابها، وفي القرن العشرين تنقل الزاوق عن يحيى إبراهيم عبد الدايم وكتابه "السيرة الذاتية" أن التراجم الذاتية تعكس من جهة "أزمة الإنسان العربي" ومن جهة ثانية "أزمة الفكر العربي المعاصر". ثم تشير المؤلفة إلى عدد من الأدباء الذين كتبوا سيرتهم الذاتية، ومنهم طه حسين في كتابه "الأيام" إذ ظهر الجزء الأول منه عام 1929، وفيه يتحدث عن حياته في القرية وكتّابها، أما الجزء الثاني فقد صدر عام 1939،وفيه يروي حياته في المدينة والأزهر، أما الجزء الثالث فظهر في عام 1972. وفي كتاب "حياتي" لأحمد أمين الذي ألفه وهو في سن الرابعة والستين، نجد سرداً مفصلاً لسيرة حياته منذ طفولته الأولى وحتى قبيل وفاته: "وقد تقصّى فيه المؤثرات المهمة التي أسهمت في تكوينه الخلقي والروحي والفكري". أما عباس محمود العقاد في مؤلفيه "أنا" و"حياة قلم" فقد تحدث "عن حياته الشخصية وصفاته النفسية والمزاجية والفكرية"6. إضافة إلى سيرة حياة ميخائيل نعيمة في كتابه "سبعون" وغيرهم من كتّاب السيرة. مما تقدم نجد أن السيرة الذاتية المعاصرة تشتمل على عناصر السيرة القديمة بوجوهها اليونانية والرومانية والعربية، مع التوسع أكثر في هذه العناصر، وإضافة عناصر أخرى جديدة، حتى تكاد تشتمل على كافة مناحي الحياة. كما نجد تأكيداً على أهمية السيرة في دراسة أدب صاحبها والاعتماد عليها في عملية التقييم الموضعي، فعندما تعكس السيرة أزمة الفكر العربي المعاصر، كما يقول يحيى إبراهيم عبد الدايم، وتتحدث عن حياة صاحبها الخاصة وتتقصى المؤثرات المهمة التي أسهمت في تكوينه الخلقي والروحي والفكري، وتكشف عن خصائص الكاتب النفسية والمزاجية والفكرية والأدبية، فهذا يعني أن للسيرة أهمية كبيرة في ما نذهب إليه من ضرورة الاعتماد عليها في تقييم إبداع الكاتب. ولذلك فإن السيرة الذاتية في وقتنا الحاضر تُعتبر جنساً أدبياً قائماً بذاته، وله خصائص وشروطه الفنية المختلفة عن خصائص وشروط أي عمل إبداعي آخر، ومنه الرواية نفسها، حتى لو حملت إحدى شخصياتها بعضاً من سيرة المؤلف وحياته الخاصة والعامة. فكاتب السيرة، ولاسيما الروائي، يعالج في سيرته العديد من القضايا الشخصية والعاطفية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وفي كل جانب من هذه الجوانب، يحاول أن يقدم خلاصة فكره وآرائه وقناعاته وأهوائه المتنوعة، ويركز بشكل أساسي على تجربته الإنتاجية، فإذا كان صاحب السيرة شاعراً، تناول تجربته الشعرية من حيث تاريخ عطائه وأسلوبه ودفاعه عن هذه التجربة وعن النمط الشعري الذي يكتب فيه، وتبيان قناعته بتجارب الآخرين وبالأنماط الشعرية الأخرى... إلى ما هنالك من مواضيع تصب في هذا المنحى. وإذا كان صاحب السيرة روائياً، فإنه يركز –كما يفعل الشاعر أو غيره ممن يجودون بعطاءات فنية إبداعية- على تجربته الروائية وعلاقته بشخصيات الرواية التي تُعَدُّ العمود الفقري لأي عمل روائي، وكذلك على مكانها أو أمكنتها وأزمنتها التي تتحرك فيها تلك الشخوص، مع طرح مفهومه ورؤيته النقديَّيْن والدفاع عنهما، واللذين يستندان في الأساس على واقع تجربته الكتابية، في كيفية صياغة النص الروائي. أما إذا كان كاتب السيرة باحثاً أو مفكراً فإنه، في الأغلب، يحاول أن يؤرخ لحياته الاجتماعية والفكرية والسياسية عموماً، منذ طفولته وحتى زمن كتابة السيرة، كما فعل إدوارد سعيد في مذكراته "خارج المكان" والذي ألقى في جوانب منها بعض الملامح على مواقفه السياسية وانتماءاته الوطنية، وبحثه عن هويته العربية، والذي جعلته الظروف يضع تلك الهوية جانباً ردحاً من الزمن، إلى أن أدت ثقافته الغربية إلى توكيد أصوله العربية، كما يقول في مقدمة الطبعة العربية7... هذا التوكيد جاء بعد جهد شخصي منه لا يستهان به، فنشأته وتربيته وحياته خارج جذوره العربية صنعت نوعاً من الهوّة بينه وبين تلك الجذور، فهو يقول توضيحاً لهذه النقطة: نما لدي شعور متزايد بأنه إذا كنت أشعر بوجود هوّة من سوء التفاهم تفصل بين عالَمَيّ الاثنين، عالم بيئتي الأصلية وعالم تربيتي، فإن مهمة تجْسير تلك الهوة إنما تقع عليَّ وحدي دون سواي، فلم يكن لي خيار غير السعي إلى هويتي العربية وتمثّلها تمثّلاً... بعبارة أخرى، كان عليَّ أن أُعيد توجيه حياتي لتسلك حركة دائرية تعيدني إلى نقطة البداية مع أنني كنت قد بلغت نهاية الثلاثين من عمري"ص9. إن هذه الإشارة المبتسرة بعض الشيء إلى كتاب "خارج المكان" لإدوارد سعيد، يُعَدُّ تأكيداً آخر، إضافة إلى التأكيدات الأخرى التي قدمناها، على أهمية السيرة الذاتية وضرورتها في توضيح صورة المؤلف، وبالتالي ضرورة حضوره أمام القارئ الذي يتناول أعماله الإبداعية بالقراءة أو النقد والدراسة. وإضافة إلى كل ذلك، واستناداً إلى ما سبق، فإنه يمكن، بكل ارتياح، وصفُ السيرة الذاتية في عصرنا الحاضر، بأنها لون من ألوان الفن الروائي الواقعي، إلا أنها تختلف قليلاً أو كثيراً في نسيجها وفنيتها عن نسيج وفنية الرواية، فهي "بنية مغلقة ومنتهية، لأنها تنتهي مع حياة كاتبها، وهي بهذا لا تمتد في المستقبل، وتلغي كل بعد في هذا الاتجاه... أما الرواية فتبدو بنيتُها منفتحة على كل الأزمنة، فهي تصور حياة متطورة ونامية".8 كما أن السيرة الذاتية تفتقد أو يجب أن تفتقد بعضاً من عناصر الرواية، فكاتب السيرة أو صاحبها قد لا يكون معنياً كثيراً بعنصر التشويق والحبكة الدرامية، بقدر ما يهمه سرد وقائع حياته بأسلوب عفوي وطبيعي، مع تأكيده وحرصه على صياغة كل ذلك بالأسلوب اللغوي الذي يرتاح إليه، والابتعاد تماماً عن اللا واقع أو الخيال أو التخييل الذي هو عنصر أساسي من عناصر الرواية، فالكاتب هنا يجب أن يكون ذا مصداقية تامة في سرده لسيرة حياته، ويقدم عهداً غير مكتوب وغير منطوق على هذه المصداقية، وهذا يعني أن تكون واقعية السرد محسوسة وملموسة في ذهنية الطرف القارئ، وتتولد عنده قناعة ما بأن الكاتب يسرد وقائع وأحداثاً جرت معه وعايشها معايشة حقيقية، وهذا ما أكدت عليه غادة السمان، حين قالت: "أنا لا أكتب شيئاً، نصْفُه حقيقة ونصفه خيال، ولا أخاف أن أتحدث عن نفسي"9. ونفهم من كلامها أنها تكتب الحقيقة كاملة، والأجدى بنا أن نسلّم بما نفترضه أن ما يقدمه صاحب السيرة هو الحقيقة، ونأخذ بمحتويات السيرة مثلما هي عليه، وإلا فالبحث عن تلك الحقيقة تتطلب منا جهداً ومشقة في الجري وراء مصادر متعددة، نحن في غنى عنها، إلا إذا كنا نريد أن نلهث وندخل في هوّة بحث أكاديمي،هدفه أغراض وغايات أخرى. 1- انظر ميخائيل باختين-أشكال الزمان والمكان في الرواية-ترجمة: يوسف حلاق منشورات وزارة الثقافة-دمشق 1990-ص75-76-77. 2 - انظر: فضاء المتخيّل للدكتور حسين خمري-منشورات وزارة الثقافة-دمشق 2001-ص222. 3-كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، "لحاجي خليفة-الأستانة وكالة المعارف 1941-نقلاً عن كتاب الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث-كتاب سبعون لميخائيل نعيمة نموذجاً لمؤلفته فوزية الصفار الزاوق- الصادر في تونس عام 1999-صفحة 15-16. 4 - انظر فوزية الصفار الزاوق-المصدر السابق-ص16. 5 -المصدر السابق نفسه-الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث-ص18. 6 -انظر: فوزية الصفار الزاوق-مصدر سابق-من الصفحة 20 إلى الصفحة 22. 7 -إدوارد سعيد-خارج المكان-ترجمة: فواز طرابلسي-منشورات دار الآداب-بيروت-عام 2000-ص10. 8 -حسين جمري-فضاء المتخيل- المصدر السابق-ص218. 9 -غادة السمان-الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشق-منشورات غادة السمان-بيروت-ط/أولى1997. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |