جريدة الاسبوع الادبي العدد 1016 تاريخ 22/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في شعرية الإيقاع ـــ عبد الكريم الناعم

الشعرية كما عرّفها الدارسون غير العرب في أمريكا وأوربا وروسيا قد نرى تجلياتها في الشعر الإيقاعي كما نراه في قصيدة النثر التي ليس فيها أي إيقاع, هذه الحقيقة تستدعي الانتباه إلى:‏

1 ـ حين تتوفر الشعرية في نصين يمكن القول إن كلا النصين فيه حمولة شعرية, والذي لا جدال فيه أن الشعرية تختلف شفافية وتخييلاً وانزياحاً, ونداوة, وقرباً من القلب بين شاعر وآخر, فالشعرية ملمح بحد ذاته وليست حداً فاصلاً بها يتحدد جنس النص, فقد نرى شعرية في الأجناس الأدبية المتعددة.‏

2 ـ حين نميل للموازنة بين نصين أدبيين شعريين ـ نحن هنا نفترض التساوي في الحضور الشعري وهو افتراض تقتضيه طبيعة الفكرة التي نناقشها ـ حين نميل لهذه الموازنة فسنجد في كلا النصين (شعرية) لا تختلف في قيمتها. ونجد إضافة إلى ذلك الإيقاع/ الوزن في النص الإيقاعي بما فيه من قيمة نفسية جمالية تعبيرية.‏

هنا لابد من ملاحظة أن الإيقاع مجرداً, كأن نقول: مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن: البحر البسيط, هذا الإيقاع هو حضور صوتي موقَّع لا غير بيد أنه حين يشكّل عنصراً من عناصر بناء النص وتلوينه يكتسب قيمته الجمالية النفسية التعبيرية حتى. فيمكن القول أن صياغة المعنى الأدبي صياغة شعرية هي شرط ظهور القيمة الإيقاعية/الوزنية, ومهادها الذي تتجلى فيه.‏

لنأخذ هذا البيت لأبي فراس الحمداني:‏

وأشرف الناس أهل الحُبِّ مَنْزِلَة‏

وأشرفُ الحُبِّ ما عفَّتْ سرائره‏

هذا البيت هو من وزن/ إيقاع البحر البسيط الذي ذكرنا آنفاً وفيه نطل على الأفاق التالية:‏

ـ أشرف الناس أهل الحب, ومفردة (الحب) هنا غير مقيدة يجب امرأة بل تفتح آفاقَ زرقتها لمفهوم الحب بأبعاده الواسعة دون أن تغلق باب ذلك العشق الندي العذب المعذِّب بين رجل وامرأة.‏

ـ بعد أن حدد أن أهل الحب هم أشرف الناس ورقى بهم إلى هذه المنزلة فإنه يصعد إلى شرفة أخرى ليقرر أن أشرف الحب ما عفّت سرائرهُ.‏

لابد من وقفة عند (عفّة السرائر) فأبو فراس الحمداني يدرك أن للسرائر أمنيات, (والعشاق) يتمنّون, و(الراغبون) من الذين تحطمهم الشهوات يتمنون, وأحلام اليقظة فيوض تلك الأمنيات, وليست كل الأمنيات مما يخبَّأ فلا يقال, ويُعلَّق على مشاجب الإخفاء, الذي يُخفى وحده هو الذي يدعو الشاعر إلى العفة فيه, وهو ما يخالف العقيدة التي يتهذّب بها الشاعر, والمسألة مختلفة بين زمن وآخر, ومجتمع ومجتمع فالذي يطالب أبو فراس بعفة السرائر فيه هو من المبذول الذي لا حرج فيه في المجتمعات الغربية مثلاً, بينما نجد الشاعر لا يسمح حتى للخيال, للأمنية, لحلم اليقظة بماله من وظيفة تنفيسية أن يتخطى حدود الإيمان الذي هو عليه.‏

لنتصور كم تحتاج إلى جهد عال, ونقاء يبلغ ذروة الطهرانية أن يعفّ في خلواته بنفسه عن الأمنية الرغبة لكي لا تصاب المرأة الصافية بشيء من غبش تلك الأنفاس التي قد توصف بأنها غير عفيفة, ولقد جاء في مبادئ الحكمة "الرغبات هي الجحيم" هذا عن الرغبات بعامة فكيف, تكون رغبات تجرح الأخلاق؟‏

إنها عفة الفارس, الأمير, الشاب, أي القادر لا عفة العجز والعاجزين, وتلك مأثرة نفسية روحية.‏

من أجل معرفة القيمة الإيقاعية سنأخذ معنى ذلك البيت وننثره, ونفرده وقد نزعنا عنه الإيقاعية المنتشرة فيه ليصبح على الشكل التالي:‏

"أشرف الناس أهل الحب, وأشرف الحب عفيف السريرة".‏

نحن الآن أمام نص قريب لدرجة التماهي مع النصوص الفقهية التقريرية الصارمة الباردة.‏

الآن نفتقد رنّة الإيقاع, موسيقاه وتكراره النسقي الذي يصعد إلينا على درج الإيقاع, ونفتقد التنوين في مفردة (منزلةً) بما لها من رنين يوحي باتساع المكان, واتساع المكان اتساع في الزمان وفي المشاعر, كما نفتقد التناغم الصوتي في (سرائرُهُ) الذي يتصاعد عالياً مع الراء الصاعدة على صاري الألف كأنها نفث أمنيات مكبوتة صاعدة ولتتطامن نازلة على سرير الهمزة المكسورة بموازاة كسر الرغبات غير العفيفة, ولتطمئن إلى ما هي عليه في الراء المضمومة والهاء المضمومةُ بإخراج الزفير الذي في الصدر للتخلص من سمومه على هيئة (رُهُ) ممدودة مرتاحة.‏

هذا الحضور الإيقاعي/ الوزني أشاع الكثير من الحياة في المعنى المنثور البارد, وأشاع فيه فغومته الخاصة.‏

2 ـ من المهم جداً أن يعبر النقاد الذين تبحّروا في المدارس النقدية الغربية, ويمتلكون جدارة الباحث الناقد القادر على الإغناء, لا الناقل الببغائي.. من المهم أن يركّزوا على أن ما ينطبق على الإيقاعات الشعرية الغربية لا ينطبق على الإيقاع العربي بحكم الاختلاف في بنية اللغة ذاتها, والاختلاف القياسي ذاته بين الشعر الكمي والمقطعي, وهي اختلافات ليست مما يمكن تخطّيه إلا لدى من يصرّ على ذلك بدوافع خاصة تبدو غير مسوَّغة وغير مقنعة.‏

3 ـ ثمة (شعرية) في بعض النصوص وليس ثمة شعر, كما أن ثمة إيقاع شعري وليس ثمة شعر.‏

لنأخذ هذا النص:‏

أرّد الباب على حالي‏

كي أنهي جلداً قديماً‏

أقامني بهدأة الطيش,‏

وارتقى إلى حدقة الناسك,‏

كعيون الصبيات القاطنات نزوعي‏

وما في خلدي أن يسكن الجان محبرتي,‏

فكلما استويت على عرش,‏

زجرني الهلاك وأعاد توضبب مقلمتي‏

أخذت نصاً يمكن اعتباره نموذجاً لقصيدة النثر السائدة, أعني التي هربت من حمل أمانة الإيقاع.‏

في النص جمل ذات كلام عربي, تحاول ـ دون أن تفلح ـ خلق دهشة, والدهشة / الادهاش/ أحد مقومات الشعرية ,وثمة سعي غير ناجح في اللعب على التضاد: /هدأة الطيش/. وثمة صورة وانزياح/ ارتقاء إلى حدقة ناسك/, وثمة خيال أن يسكن الجنّ محبرتي/ و... و.. ولكن أين الشعر؟‏

ما ذكرناه يمكن أن يوضع, فيما يشبه الإحصاء في خانة الشعرية, ومع ذلك فالسؤال قائم: أين هو الشعر الشعر؟!‏

نشير إلى أن هذه الظاهرة ليست وقفاً على قصيدة النثر إذ ثمة من يلتقط يداً من هنا, وعيناً من هناك ورأساً خصراً وعجزاً ويركب هيئة بطريقة لا يستطيع فيها أي عضو أن يؤدي دوره الوظيفي أو الجمالي... يفعل هذا ويقدِّمه لنا بكثير من الإدعاء والعجرفة, ويرش على هذه الخلطة شيئاً من ملح الإيقاع إذا وجده على أحد رفوف المطبخ ويقول لنا عليكم بأن تسلّموا بأن هذا هو الشعر.‏

الموضوع المطروح أعمق من هذا بكثير ولئن كان ثمة صعوبة كبيرة في أن نحدّده بجمل وصفيّة لُعْسِر أن يحيط ما هو مادي بما هو روحي وإن كان مجلى له, فإن ما يمكن قوله هو أن هذا المجلى يصلح لأن يشف عن ذلك الجمال, وما من مظهر آخر في صورة الحضور, ونحن أبناء عالم الصورة في تعددية وجودها.‏

ثمة (روح) في النص تتجلى عبر (الشعرية) و(الشاعرية) يمكن أن يعبّر عنها بالطراوة والطزاجة, والنداوة والرهافة وبجميع الأوصاف الباهية الباذخة, وثمة (نص) فيه ظلال من تلك الروح أو رشْح ظلال, وثمة نصوص جثة لا روح فيها, وفي الجثث ثمة مفرداتْ الجسد الهيكلي لكنها دون روح.‏

إن قيمة أي نص شعري هي مقدار ما يشع فيه من روحية الشعر, وقد نجد نصوصاً قد أدخلت على صورتها مختلف ألوان الزينة لتخدع البصر, ولتبدو جميلة, غير أن هذا الاحتيال الفني يكتشفه الناقد المرهف الذي يحمل روح شاعر لم تنطق بالشعر فذهبت, بوله العارف الذي يرى ما لا يراه الآخرون تأخذ بيد الناس إلى مواطن الجمال ليطوفوا حوله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244