جريدة الاسبوع الادبي العدد 1016 تاريخ 22/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مشهد الحيوان في الشعر الجاهلي ـــ الياس قطريب

لا يزال الشعر الجاهلي يحظى باهتمام الدارسين وعنايتهم، وما انفكّ يغريهم بالدراسة والبحث، ويدفعهم إلى استجلاء أسراره وكشف مخبوءاته.‏

والحق أن الدراسات الحديثة التي تناولت الشعر الجاهلي استطاعت أن تستبطن أعماق هذا الشعر، وتسبر أغواره، فوقفت على دقائقه وأسراره، ووضّحت أبعاده الاجتماعية والفكرية والفنية، وأعادت له نضارته ورونقه وفق رؤية جديدة وقراءة معاصرة اتخذت من المناهج النقدية والنظريات الأدبية الحديثة مرتكزاً لها في تعاملها معه.‏

ومن هذه الدراسات كتابان تسنّى لي قراءتهما، الأول بعنوان (الحيوان في الشعر الجاهلي /1/) والثاني بعنوان (مشهد الحيوان في القصيدة الجاهلية/2/)، وكلا الكتابين من تأليف الدكتور حسين جمعة.‏

ومع أن موضوع الحيوان في الشعر الجاهلي لقي عناية الدارسين من قدماء ومحدثين، إلا أن الحديث عنه كان حديثاً عاماً، وجاء عرضاً ضمن دراسات اتجهت اتجاهاً فنياً قائماً على ظواهر محددة كتلك التي تحدثت عن الطبيعة والفروسية والرحلة في القصيدة الجاهلية، ومن هنا فإن ميزة هاتين الدراستين تكمن في تخصصهما وتركيزهما على موضوع واحد، مما يتيح للباحث أن يلمّ بجوانب موضوعه كافة، وأن يتناولها بكثير من التفصيل والدقة والعمق.‏

وربما ظنَّ المرء للوهلة الأولى أن عمل المؤلف اقتصر على جميع الأشعار الجاهلية التي ورد فيها ذكر الحيوانات التي عاينها الإنسان الجاهلي في بيئته، أو سمع بها، ثم القيام بعرض الصور التي رسمها الشعراء الجاهليون لهذه الحيوانات كوصف أشكالها، والحديث عن سلوكها ونمط حياتها.. ولكن الأمر أبعد من ذلك وأعمق... صحيح أن جمع هذه الأشعار والحديث عن مشاهد الحيوان فيها كان جزءاً من عمل المؤلف، ولكنه لم يكن غايته ولا مبتغاه. فليس الحديث عن صور الحيوان في الشعر الجاهلي هنا مقصوداً لذاته، وإنما اتخذ سبيلاً لفهم طبيعة الإنسان الجاهلي ومعرفة نوازعه الاجتماعية والفكرية والنفسية.‏

وإذا كانت معرفتنا حول هذا الموضوع تقتصر على إدراك قيمة الحيوان ومدى أهميته بالنسبة للإنسان الجاهلي، وعلى الأخص تلك الحيوانات التي التصقت بحياته، وشكلت جزءاً منها كالناقة والخيل... فإن الباحث يتجاوز هذه المعرفة البسيطة إلى الكشف عن العلاقة الجوهرية التي تربط الإنسان الجاهلي بالحيوان.‏

.. إذ لم يعد الحيوان موجوداً عادياً من موجودات الصحراء العربية يلبي الحاجات الضرورية للإنسان كالطعام والسفر.. وإنما أصبح عنصراً مشاركاً في تشكيل المفهوم الاجتماعي، كما أصبح في الشعر قيمة تسعى إلى توضيح هدف اجتماعي، ووثيقة تاريخية واجتماعية وفكرية مرتبطة برؤية نفسية وفنية للجاهليين:‏

"فمشهد الحمر الوحشية رسم أشكالاً من أشكال التعامل في الأسر العربية وظهر فيه التقليد الاجتماعي لنظام تعدد الزوجات، وأظهر مشهد البقرة الوحشية صورة الأسى الدفين الذي يحل بالقبيلة والأم، ومشاهد الناقة مع حيوان الوحش جاءت صورة من مفهوم القوم حول تنازع البقاء وتصدع الشمل... كما قدّم مشهد الناقة والنعام صورتين الأولى للخيمة العربية والثانية للأسرة البدوية".‏

على هذا الأساس من التحليل والفهم بنى الباحث دراستيه، واستطاع بما بذل من جهد في جمع المادة الشعرية الضخمة، والعودة إلى المصادر والمراجع التي تجاوزت المئتين مع عمق التحليل ودقته أن يقدم لنا شيئاً فيه من الجدة والفائدة ما يجعله جديراً بالقراءة والاهتمام /3/.‏

الحواشي:‏

1-الحيوان في الشعر العربي، الدكتور حسين جمعة، دار دانية، ط1، 1989.‏

2-مشهد الحيوان في القصيدة الجاهلية، الدكتور حسين جمعة، دار دانية، ط1، 1990.‏

3-ذكر الباحث أنه سيقوم بإعداد دراسة يستكمل فيها ما بدأه بعنوان الصورة الفنية للحيوان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244