|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
رجل الأزمنة ـــ صبحي دسوقي ذات مساء أطبق الحزن بإحكام على روحي، ورغم محاولاتي الدؤوبة للتخلص من وطأته، إلا أنني فشلت وارتفع أنيني بصمت، شددت على أسناني بقوة كيلا تفلت من بين شفتي صرخة استغاثة فيعرف الآخرون مقدار الضعف الذي وصلت بأيامي الأخيرة إليه، وأنني مجرد هيكل لإنسان لا قوة باقية لديه ليواجه ما تبقى له من أيام قاسية، وأنني بت مجرد كائن تسيره القوى الأخرى الضاغطة. باغتتني فكرة الكتابة مجدداً لوصيتي لإحساسي المتزايد بأني أقترب من موتي بعد رحيل أمي وأبي والأصدقاء وقبل أن تنتقل الفكرة إلى التنفيذ، وقبل أن تنجح روحي في تلاشيها في الفراغ، أمسكت القلم بشفتي ورحت أبحث في جيوبي عن ورقة تحمل مسودة وداعي لعالم آلمني، فاستسلمت لقهره وما وجدت وسيلة تمكنني من مقاومته. شعوري بالوحدة يتزايد، ويقيني بأنني سأرحل بهدوء ولن يتذكر أحد رحيلي إلا لأيام قصيرة يرددون فيها كلمات العزاء وينصرفون إلى همومهم ومشاغلهم. أخرجت ورقة من جيبي وفردتها، كانت إنذاراً من مديرية المالية بالحجز على ممتلكاتي لعدم دفعي لهم هذا العام ضريبة الهواء الملوث الذي أتنفسه، ابتسمت للهجة الوعيد التي صيغ بها، وإلى جوارها ورقة حجز أخرى من مجلس المدينة لتأخري في دفع الرسوم المترتبة على حركتي في الشوارع التي تمتلكها. فكرت قليلاً بمن سينجح منهما في الاستيلاء على بقاياي، ثم تجاوزت الأمر بعد أن لعنت في سري كل من يقف وراء احتجازي ورهني وبيع إنسانيتي، فواتير ماء وهاتف وكهرباء، وبطاقة شخصية فقدت ألوانها وأصبحت باهتة كأيامي التي تتلاحق بتسارع. دارت عيناي بعصبية في فراغ الغرفة بحثاً عن حاجتي، ثم استراحت عيناي فوق جريدة متروكة بإهمال قرب فراشي، طالعتني صفحة إعلان شبه فارغة، فردتها أمامي وتناولت قلمي بعد أن وضعت لفافة تبغ بين شفتيّ وأطبقت عليها بقوة كي لا تسقط خلال انشغالي بالكتابة، تأملت الإعلان وضحكت للفكرة التي أرادتها الشركة من ورائه وهي تمعن في امتصاص ما تبقى في الجيوب لحاجة الإنسان إليها وضعفه أمام المغريات التي تحاصره فلا يجد بداً من الانصياع والانقياد بآلية إليها. وبدلاً من كتابة الوصية راحت العبارات تتلاحق بسرعة مدهشة، أدركت أنها قصة هبطت عليَّ وفرضت انسيابها على الورق، أردت التوقف حين شعرت أنني سأتورط مجدداً في الكتابة بعد أن قررت منذ زمن طال التوقف عنها، بعد تيقني من عدم جدواها، وأن الأشياء جميعها أضحت أقوى من أحلامي في إحداث ولو تغيير بسيط في مسيرة الحياة التي تتسارع في انحدارها إلى الهاوية، وتقترب المثل التي آمنا بها وحاولنا إيصالها للآخرين من موتها. بطل القصة يتحرك بحيوية ونشاط، ويدخل أول مطعم يصادفه، يتناول المشروبات ويدخن السيجار بشراهة ويتأمل النساء بشبق، ويطلب عبر هاتفه الجوال الاطلاع على آخر الأرقام التي أضيفت إلى أرصدته اليومية، بطل القصة يرتسم عملاقاً يحلق في الأمكنة فيفرض حضوره أينما يمر، وتنحني الرقاب له، وتتراكض النسوة لترتمي أمامه فرحة في تنفيذ ما يطلبه منهن. وبعد أن وضعت آخر نقطة في نهاية القصة، بدأت في البحث عن عنوان لها يناسب مضمونها وقدرات بطلها الخارقة، سجلت أكثر من عنوان لكنني ما رضيت عن واحد منها، طويت الورقة ووضعتها في جيب سترتي وخرجت إلى الآخرين لأطلعهم عليها، وصلتني آراء متباينة، منها من حذرني لأنها قد تسيء إليَّ، إذا شعر أحد المتنفذين أنها تمسه، وآخر طالبني بإضافة المزيد من الأجواء الأسطورية على الأمكنة التي يتحرك البطل فيها، وروى لي الكثير من القصص التي سمعها عن أمثال هذه الشخصية، أوصلتني خطواتي أخيراً عند أحد الأصدقاء والأقرب إلى روحي بين الآخرين، أخبرته بتفاصيل ما جرى لي، مانع في البداية من الاستماع إلى قصتي لسخطه على الموجودات، ولحالة إحباط تتلبسه، وأمام إلحاحي الزائد رضخ مرغماً، وجلس مصغياً إلى الأحداث هامساً بضجر: هات.. ما لديك.. توهجت عيناه وهو يتابع مجريات الأحداث تتقافز بحيوية، وأردف بعد زمن من الصمت تلبسه: -القصة ضربة معلم. وهي تتوج تجربتك الإبداعية ثم اقترح علي أن أسميها: بطل من هذا العصر أو بطل العصر. ثم وقف والنشاط يبدو جلياً على حركاته وهمس: -سأدعوك للاحتفال بالقصة في حانة قريبة. خرجنا نتأبط ذراعي بعضنا وأمام عمود كهربائي لفتت أنظارنا دعوة لحضور أمسية أدبية، فهمس مبتسماً: -لنحضرها فمنذ زمن انقطعنا عن سماع الآخرين..ولا تخف فدعوتي لك لا تزال سارية المفعول بعد انتهاء الأمسية. وافقته مرغماً، ودخلنا القاعة الكبيرة التي كانت كعادتها شبه خاوية، ووراء الميكروفون جلس أحد الأدباء، يتابع سرد قصته، جلسنا بصمت، وأجلت النظر في الوجوه، أومأت للآخرين بالسلام وابتسامة المجاملة أجبرتها أن تبقى مرتسمة على وجهي، وبعد أن هبط الأديب بتثاقل من على المنبر، قدم عريف الأمسية كاتبة وأعلن أنها مبدعة في القصة والشعر. حاولت أن أتعرف على الاسم أو أن أتذكر أنني قرأت لها شيئاً من قبل ففشلت، نهضت الأنثى بقامتها الممشوقة، وتابعت صعودها الرشيق، كانت حركاتها تنم عن ثقة بالنفس، وظل رأسها يرتفع بثقة إلى الأعلى.. وبتحد شعرت أنه موجه إليَّ قبل الآخرين، أعجبتني حركتها الواثقة، وجلوسها المتزن وابتسامتها التي أشاعت في الجو دفئاً إنسانياً وسحراً في المكان. ثم أعلنت أنها ستقرأ مقتطفات من قصائدها النثرية وتنهيها بقصة أثيرة على قلبها كتبتها منذ زمن وعنوانها: (رجل الأزمنة). أثارني العنوان فرمقت صديقي بنظرة متسائلة وخائفة، فابتسم لتشابه العنوان مع عنوان قصتي المقترح. تابعت كلماتها بتوجس، المقطوعات الشعرية أشبه بمعزوفات متآلفة مع بعضها وتشكل بمجموعها سمفونية رثاء لإنسان هذا العصر، وهي منتقاة بعناية وشاعرية، وجدتها قريبة من أجواء كتاباتي وروحي. أصابتني الرجفة حين بدأت في إلقاء قصتها، القصة تتحدث عن بطل قصتي، وحتى الاسم الذي أردته أن يكون رمزياً كان هو، الأحداث ذاتها والأجواء التي أردت لها أن تأخذ شكلاً أسطورياً، المفردات والجمل والصيغ التي ترتكز على المفارقات والمبالغات، العبارات توالى انهمارها عليَّ، شددت على يدي صديقي، فربتّ على يدي وهمس متسائلاً: -هل تعرفها منذ زمن؟... أزعجتني حركته وتساؤله الذي أدركت المعنى الخفي له ثم عاودت يده التربيت على يدي، تشنج جسدي لأنني ما استطعت أن أفهم هل هي حركة رثاء، أم محاولة لتهدئة أعصابي المستفزة. العرق يتصبب مني غزيراً، فيملأ وجهي، ودقات قلبي ترتفع وتتسارع بشكل أخافني، فككتُ أزرار القميص العليا، وكانت الأنثى تتابع قراءتها لقصتي وهي تحدق بي بعينيها الواثقتين، حاولت جاهداً أن أتذكر معرفتي بها، أو رؤيتها من قبل أو حتى سماعي باسمها ففشلت غريمتي تمضي في تصعيدها لخطوات بطلي، والمكان يضيق بي، أصوات دقات قلبي ترتفع وكأنها أصوات طبول تعالت في ساحة احتفال لتلفت الأنظار إلى مرسلها. لمحت صديقي وهو ينهض من جواري مسرعاً، ليعود مهرولاً ويقدم لي كأساً من الماء، حاولت أخذ رشفة منه وحين لم أتمكن من ذلك سكبه على وجهي. تراكض الحضور إليَّ، وسمعت دعوات ترتفع طالبة الإسراع بإحضار طبيب أو سيارة إسعاف. الأصوات تتعالى حولي، والمرأة تمضي في تلاوتها وصولاً بها إلى النهاية. لملمت أوراقها، وأعادت خصلات شعرها إلى الوراء ثمّ نهضت بذات الثقة وابتسامتها تبرق كالنيازك، وسرعان ما خبأ ذاك التألق في عينيّ، أردت الوقوف مجدداً كي أتعرف إلى غريمتي، فسقطت بين يديّ صديقي جثّة ما تمكنت من النهوض بعدها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |