جريدة الاسبوع الادبي العدد 1016 تاريخ 22/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

امرأة عن عمد ـــ بلسم محمد

"احني رأسك، هدّلي كتفيك، قوّسي ظهرك، أطرقي بناظريك إلى مابين فردتي حذائك، وليكن هناك منتهى مداك".‏

هكذا كان رنين الصفعات المتتاليات على صدغيها يدوّي في أذنيها غاضباً، صارخاً بها بحنق:‏

-امسحي سحنة الأنفة المستفزّة هذه التي تعلو وجهك، من تحسبين نفسك؟.‏

من أين تنبع دماؤك ليغدقها هذا القدر من الشموخ؟..‏

من أنت لتحيطي ذاتك بهذه الهالة من الرفعة؟..‏

وينسلُّ خنجر الاستفهام إلى عمقها فاتحاً في خاصرتها جراحاً تنزف بصمت، تضغطها بقوة لتسكب دماءها في داخلها، وتتقوقع معها على هزائمها الكبيرة الكثيرة، رافعة رأسها بكبرياء رافضة إحناءه للريح الشديدة، متسائلة أبداً عن سر تلك المعارك التي تعلن فيها الحرب عليها صراحة لمسخ هذا العنفوان.‏

وبإدراك دامٍ تعترف أن أصعب المعارك على الإطلاق، كانت تلك التي أعلنها عليها زوجها ذات تاريخ، فجأة ودون مقدمات، تحوّل ذلك الشريك الحلم إلى خصم عنيد، تستفزّه –كسواه-نظرة الاعتداد التي تطفح بها عيناها، وتثير غضبه لغتها الواثقة التي تدير بها حواراتها، والتي تمنحها التميّز دائماً في حلقات اللقاء مع الآخرين، فيثور بعدائيّة واضحة مؤكداً عدم قدرته على الاستمرار بتحمّل حضورها الفعلي في ساحة تحركاته، نافراً من عنفوانها الذي تتمسك به بإصرار رافضة التنازل عنه لأيٍّ كان، متناسياً أنه لطالما كرر في مناسبات كثيرة أن سرَّ انجذابه الشديد نحوها للوهلة الأولى، كان يتكئ على بصمتها المميزة تلك.‏

أذهلتها المفاجأة، فراحت تراقب ذلك الحب الشفيف يتقمصه مارد مغتاظ هائج، يحرّك أبعاده في كل الاتجاهات، يرسم حولها طوقاً لأذرع أخطبوط أدهشها اقتحامه عالمها بغتة.‏

توقفت مطولاً ترمق عينيه الحانيتين وقد تحولتا إلى بركتي نار، تقذفان حمم بركان ثائر.‏

لم تعد تسمع ما يقول، لم يعد ذهنها المشوش يعي كلماته، كانت تحس وقع سياط جلاد تتهاوى على جسدها المذهول، تشدّها بقوة الألم لتدخلها في غيبوبة عدم التحمل، وعلى عتبة السقوط استفاقت عند عبارته:‏

-لا تحدقي بي، احني رأسك أمامي، أطرقي بناظريك قبل أن تفقديني أعصابي، وتدفعيني لإقصاء وجودك من حياتي.‏

توسّعت حدقتاها وهي تنظر إليه عيناً بعين، وتلقت فيهما طلقة النار التي زعم أنه يتحاشى إطلاقها.‏

في زمن قياسي كانت تضع حقيبة صغيرة في غرفة طفولتها في دار أهلها وسط تساؤل أمها الصامت الأليم:‏

(هل آن الأوان يا ابنتي؟)..‏

في لحظات كانت أناملها تتعانق مع أصابع "البيانو" ترقص معاً بانسيابية رائعة متناغمة، تستجرّ بجعات "تشايكو فسكي" للرقص على جليد، "بحيرة البجع".‏

إذ هي تتوحّد مع موسيقاها هائمة في عالم لطالما لجأت إليه في أزماتها، كانت أمها ترى طفلتها وهي تسحق تحت قدميها أفضل دمية لديها، معلنة رفضها تهديد أخيها لها بتحطيمها إن لم تنصع لأوامره.‏

سحقت أحبَّ دماها شامخة الرأس، محدقة في عيني الأخ المستشاط غيظاً وهو يؤكد ميلاد لبوة شرسة في ذلك البيت الأليف.هكذا عرفت ابنتها، تختار بحسم وحزم لحظة الخيار.‏

غزت ذاكرتها صورتها وهي تقف على المنصة في حفل توزيع جوائز المتفوقين في المدرسة معلنة رفضها الجائزة الثانية قائلة بشموخ:‏

-لن أقبلها، امنحوها لمن يستحقها.‏

بدبلوماسية ردت عريفة الحفل:‏

-لكنها من حقك أنت.‏

تسترجع الأم ذلك اليوم وكأنه عبر في الأمس القريب، ترى وجه ابنتها، ابنةِ الاثني عشر ربيعاً يتورد توهجاً وهي تلتفت إلى الجمهور قائلة بثقة وكبرياء:‏

-الجائزة الأولى هي حقي، وأرفض سواها.‏

لهجتها دفعت أحد المسؤولين المعنيين بين الحضور للتحقق من الأمر، وعادت إليها الجائزة الأولى، لكن بصمت، بعيداً عن بهجة حفل التكريم.‏

تتهادى أناملها بانفعال واضح تهاجر معه روحها، مولية ظهرها لأمها التي تأكل الخيبة أعماقها وهي ترقب ابنتها أسيرة حبال حلبتها العنيدة في جولات دائمة الهجوم، دائمة العنف، دائمة الجراح.‏

تذكّرت مواقف عديدة في أماكن عملها الكثيرة التي دفعها عنفوانها المرفوض للتنقل مابينها إثر هجوم، أو بعد كل جولة، رافضة فيها توسل أمها وعائلاتها لها للإنحناء حتى تمر العاصفة، مجيبة بعناد:‏

-العاصفة تقتلع الضعيف أولاً، ويكفي القوي فخراً أنه يقاوم حتى ينجو، أو يكون آخر من يسقط.‏

هذه الجولة كانت أقسى ما تخشاه الأم، أكثر ما تكره، ولطالما سهّدها هذا الهاجس ولطالما قلقت من لحظة وقوعه.‏

ضربت بقبضتها ضربات عنيفة على "البيانو" مصدرة أصواتاً تشبه دويّ الانفجارات مطلقة عبرها صراخ روح يوجعها سجن الجسد، التفتت نحو أمها تعلو ثغرها ابتسامة مرة، وهمست:‏

-إنه مثل غيره يا أمي.‏

ارتاحت الأم أن ابنتها رغبت في الحديث على غير عادتها في أزماتها الكثيرة السابقة، فسارعت للرد قائلة:‏

-لكنه يحبك كثيراً، إنه رجل طيب.‏

-يريدني أن أحني رأسي، لا أحد يتقبل امرأة شامخة الرأس.‏

تلطف الأم لهجتها، وتقول بمودة:‏

-إنه تاريخ طويل، ولن تغيريه أنت، لن تكوني جسراً يعبره الآخرون.‏

بنظرة تحد ثاقبة تجيب:‏

-أنا فوق الجسر أمشي، الجسر ممدود لي آن صرختي الأولى.‏

تتوسل الأم:‏

-يستحق أن تمنحيه فرصة أخرى، لا تتسرعي.‏

قالت بشرود:‏

-لم يطلق رصاصته، لكن مثله يكفيه أن يضع إصبعه على الزناد ليُقتل بسلاحه.‏

اختار أن يقف في الطابور الطويل، اختار أن يمشي بالمقلوب، ويرجع إلى حيث غادرتُ منذ زمن بعيد، لن نلتقي بعد الآن، تعاكست اتجاهات سيرنا. استلقت على سريرها، تتلمس أوجاع حزن غريب اجتاح جسدها، ترفو أفواه جرح تئن من العمق، تبصق طعم مرارة لم تُذقها إياها جولاتها الكثيرة في كرّها وفرّها بين حبال حلبتها العريقة.‏

برجاء تهمس الأم:‏

-لا تعذبي نفسك يا ابنتي، سيراجع نفسه ويعود معتذراً.‏

تجيب وكأنها تحدث نفسها، أو تهذي تحت وطء حمى قوية:‏

-لقد انتحر أمام ناظري، رأيته بعيني يقتل نفسه بطلقة لم يدرك مسارها.‏

ثم مايلبث أن يعلو صوتها، وبعنفوان تقول:‏

-إنه الخطأ في خياري، الخطأ الذي لا يصحح، الخطأ النادر الذي يحتاج المسح الجذري.‏

وتأوهت كرامتها متوجعة.‏

أرعب الأم هذيان ابنتها، فسارعت للاستعانة بالطبيب، وبعد معاينتها أعلن بثقة، أن الحالة غير مقلقة، فهي مألوفة جداً يلزمها فقط بعض المسكنات، وتمرينات الاسترخاء.‏

وقف أمامها يشرح لها كيفية أدائها قائلاً:‏

-أحني رأسك، هدّلي كتفيك، قوسي ظهرك، وأطرقي بناظريك إلى مابين فردتي حذائك...‏

وقبل أن يتابع رنّت في الغرفة ضحكة.. تشبه صهيل الفرس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244