|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ظل الخلاص ـــ نصر محسن قال لي: يالك من ساقط!!.. إحساس بالسّقوط، وبأنني دونه بكثير، جعلني أسكت. ليتني ما رافقته وما أحببته. شرع يرسم أشكالاً وهميّة في الهواء،دوائر، خطوطاً متعرّجة، وزوايا منكسرة، بينما وقفت أراقبة باندهاش، يطير نظري خلف أصابعه وهي ترسم تلك الأشكال الغريبة. الأصابع تتحرّك مسرعة، تهتزّ بتواتر صاعدة هابطة، وعيناه تتقافزان بنظرهما بين أمواج من الهواء ملبّدة بأمطار صيفيّة. نظر إليَّ بغضب آمراً: -اتبعني.. وتبعته صامتاً، أحياناً كنت أتجرّأ، ألاطفه ثم أشاكسه: -أنا ظلّك أيها الرّاعف شتائم ووصايا. فيزجرني: -اخرس إذاً، واتبعني. ليتني لم أتبعه منذ البداية، ولكن بعد هذا المسير الطويل وجدت نفسي مرغماً على اللحاق به، قرّرت أن أكون أكثر شجاعة، ربّما يغيّر نظرته إليّ فيراني كما أحبّ: -لن أخرس أيها المتكبّر، بل سأحكي، أغني وأصرخ، وبدأت صراخي.. لفّني بابتسامة ساخرة، ثم استدار ليتابع رسومه الوهميّة. -أنا أصرخ، ألا تسمعني..؟ -...... -أيها المتبوع، أنا أصرخ وأغنّي، لم أخرس كما أمرتني. انتشيت بإحساس بالانعتاق، لكنه سرعان ما أعادني إلى دائرته بنظرة مزدرية، ساخراً: -أتسمّي هذا صراخاً..؟ ألم أقل لك إنك ساقط..؟! سبقني بضعة أمتار، وتوقّفت أراقبه، رفرف بذراعيه كطائر خرافيّ، رأيته يرتفع عالياً، يحلّق ويطير مبتعداً. ركضت رافعاً رأسي إلى فوق، أسرعت، تعثّرت وسقطت، وما زلت أصرخ، ازداد صراخي وتعالت نداءاتي. عيناي شاخصتان إليه، يعبر الآفاق وميضاً، يرمح مخترقاً جهات الفضاء كسهم طائش، يلتفّ ويعود، يعلو ويهبط ذارعاً فضاء المكان رسوماً ترجمتها يداه قبيل لحظات أشكالاً فضائيّة غريبة. هبط نظره إليَّ وراح يضحك، لمعت أسنانه وبرقت عيناه، أشار إليَّ لألتفت إلى ظلّه، نظرت، رأيت الظلّ غريباً، يدور حولي معتلياً الطريق الترابيّة والصخور والشجيرات المبعثرة، بدا الظلّ كغيمة صغيرة تهدّلت أطرافها، راح ينشد من فوق: -أنا الأعلى أيها الساقط، أنا الأبيض النظيف أيها الرمّادي المتسخ، أنا المضيء أبداً أيها المنطفئ، أنا الثابت، أيها المتلاشي، لي الفضاء الرّحب ولك الزوايا الضيّقة، لي الغيوم المكتنزة، ولك بعض الأكمات التوّاقة لماء غيومي. غبطته. حاولت تحريك ذراعيّ كما رأيته يفعل قبل أن يطير، لديَّ رغبة باللحاق به. لفّني ثانية بسخرية أعادت إليَّ إحساس السّقوط، راح يقهقه ملوّحاً بجناحيه، ودّعني وانطلق عالياً كشهاب صاعد. تحرّكت الأِشياء الجميلة حولي، وتبعته متطايرة، حتى ظلّه رمقني بشفقة، ثم جمع أطرافه وانطلق كزوبعة. صعد نظري يلاحق الظل، بدا خيطاً أسود صاعداً كصاحبه، وفي زرقة السماء العميقة انتهى الظلّ هناك نقطة سوداء، ابتعدت ثم غابت. وبقيت وحيداً، أصرخ وأغنّي على هواي بحريّة مطلقة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |