|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في كتابهِ "عاشق من بلاد الأسطورة والشعر" موسى السيد عاشق بامتياز ـــ عدنان كنفاني لأنني مثلك يا صديقي، أذوب عشقاً على وطن راسٍ في قاع الذاكرة، ينبض في شراييني كما تنبض الروح، ويشدّني إلى مكاني ومنبتي وجذوري، وأجده يفلت من بين أصابعي. حتى أحسبه سيضيع مني إلى الأبد، أفهمك لماذا وكيف تكتب. وعندما تقف تلك اللحظة من الشك على حد الحقيقة، أتصوّر أن باطن الأرض خير لي من ظهرها. وما قيمة أي شيء إذا لم يسوّره مكان بالأمان..؟ وسط سيل من الكتب الهابطة التي تنصبّ علينا دون تصنيف ودون مراجعة ودون مراقبة ودون تقويم، يمسكنا كتاب جاد... فنقول: نحن بخير...!... ولابدلي أن أعترف وأنا أتناول كتاباً من يد صديق لي، أعرفه صحفياً بما تحمل الكلمة من معنى، تتصدّره صورة لم أتبينها في تلك العجالة، بل حسبتها صورة صحفية لمنظر عام لا ينتمي إلى ذاكرة ما ولا يشي بشيء ما، قلت.. هو كتاب، حسبته يجمع بين دفتيه مقالات وتحقيقات وحوارات صحفية ليس إلا... بين أصابعي نبضت الصورة روحها... بغداد... الماء والنخيل والمدينة... والحياة بكل ألقها. وأسقطني العنوان على بساط نجيل... "عاشق من بلاد الأسطورة والشعر...". رقصت الكلمات أمامي، فرقصت معها.. آلمتني فبكيت، وأحيت لي ذكرى عابرين فأصخت السمع، حلّقت بي إلى فضاءات شفيفة، حملتني اللغة الأنيقة محكمة الصنع والترتيب والتصوير فحلّقت على أجنحتها إلى ذلك العالم الذي يشبه عالمي ولا ينفصل عنه، رأيت كما يرى الكاتب ذلك القهر المعبأ في عيون الحالمين بلحظة حب مصفّى. فقلت كما قال الأديب وليد معماري في تقديمه للكتاب: (ما الذي سأقدمه لمقدمات الألم، غير الألم.؟ ص5). إنه الألم الموغل في الشرايين ولا فكاك منه، لا فكاك... عندما يتوحّد هيكل بشري مع جسد وطن، هل يكفي أن نسلخه ثم قليلاً ويندمل الجرح؟... (هل تستطيع أن تتألم بالنيابة عن غصن مكسور، تلوح به الرياح بعيداً عن جسد الشجرة الخضراء..؟. ص 151. وهو..." الكتاب" من الحرف الأول وحتى قفلة الخاتمة رجفة ألم تكاد تذبح شغاف الروح، محمولة على لغة أنيقة، مشبعة بالصور الشفيفة، مقتلعة من ذاكرة ماكفّت عن تلمّس جدران بغداد وزهر نخيلها وعطر مائها وحجارة من عبروا ورسموا لنا فيها عبق التاريخ وأصالة الانتماء. وكلما أرهقته الكلمات وجعاً، يحاول أن يتمرّد: (لدي شيء يلهيك أيها الكائن الصغير عما أنت فيه، افتح صفحات كتاب العشق، وأبحر إلى مجهول بلا ضفاف..ص 83). فهل استطاع الكاتب أن يبحر في كتاب العشق هارباً مجهولاً بلا ذاكرة وبلا ملامح؟.. وهل استطاع أن يلقي على مشجب "النسيان" نعمة الله الفكرية، بكل آلامه وذاكرته وقهره..؟ لقد حاول، وبدا لي أنه حاول بضراوة ولكن: (وجدت نفسي متلبساً بإثم النسيان، قلت هذه نعمتي الوحيدة، لكن الذاكرة فاجأتني بعاصفة اقتلعت أقدامي، فدخلت دوامة الهذيان..ص 23). يصبح النسيان إثماً..! وكيف لا يكون وكل ما حولنا موت وجوع وشواهد: (أنت في أرض موشومة بالأسماء والشواهد، ولذلك فإن الوطن فيك وأنت فيه، مهما ابتعدت المسافات.. ص 118). أستطيع أن أقول بأن مادّة الكتاب تنتمي بجدارة إلى جنس النثر، خواطر تحمل عناوينها وإشاراتها، ومذكّرات شبه يومية ترتبط دائماً بذلك الشعور الذابح بالغربة والوحشة والقهر... معشّقة بنبض حكايات وجدتها مشاريع مؤهلة لبناء قصص في بعض الأحيان، وروايات في أحايين أخرى، وراوية شعر علّق على هامة بغداد عبر العصور الغابرة والقريبة تاريخها وتأريخها، وكان السياب والجواهري وأبو العلاء المعري ومحمد علي شمس الدين والبياتي والجاحظ والبحتري ولميعة عباس عمارة وموسى كريدي ومحسن الخفاجي وغيرهم، إلى أن أوصل الحال إلى الإمام علي والسبطين، وكأن الأرض العراقية أصبحت الآن امتداداً للمأساة المشهورة التي طحنت كربلاء قبل ألف عام ونيف، ليصبح العراق كلّه مسرحاً لكربلاء جديدة. متمرّد يضع كل بيوض القضية الخاصة والإنسانية في سلّة واحدة، ولا يقبل أن يفصل بينها، لأنه يجد فيها بذور الخطيئة، لا يعالجها بدواء، بل يترك الإشارة إليها تدلّ عنها، فليس للورم السرطاني من دواء غير الاستئصال والبتر: (ماذا تعمل في عالم اليوم الذي يفقد الوزن والاتزان..؟.. القاتل لا يريد من المقتول أن يبدي ردة فعل، والزاني يرتدي ثوب العفّة، والحب بورصة، والعلاقة الإنسانية الحميمة شبهة، وحياة الأمم والشعوب تذروها رياح العواصف والمفاسد والعبث.. ص 94) يقول الأٍستاذ وليد معماري في معرض تقديمه للكتاب مختصراً ودالاً على ماجاء بين دفتيه: (هاهو العراقي المهجّر تحت وقع العسف بداية، ثم تحت وقع العودة للعيش تحت ظلال الاحتلال، وهاجسه... فلتبق صورة البلاد واضحة، ومياه الرافدين نقيّة، ولو في الذاكرة، إلى أن تتطابق الأحلام مع واقع قادم لا محالة). ويقول الكاتب وكأنه يضع الخاتمة بحرفة، وعبر باب كبير مفتوح: (ماذا أفعل بحرية لا أستطيع استخدامها..؟... ص 176). موسى السيد عاشق بامتياز لوطن سيبقى اسمه العراق، لكنه وطنٌ كبا عندما استباحته ضغينة الغرباء والأقربين. وكتاب "عاشق من بلاد الأسطورة والشعر"، كتاب جدير بالقراءة، ولو إنني آخذ على الكاتب الإطالة في سرد الخواطر واحدة إثر أخرى، فقد وقعت في بعض الدراماتيكية الرتيبة، وكنت أتمنى لو اختصر في تسارع الخواطر وفيض الذاكرة والارتكازات والشواهد، وفي عدد الصفحات، كان أعطى صدى أوسع ورشاقة أكثر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |