جريدة الاسبوع الادبي العدد 1016 تاريخ 22/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشيطان وحاشيته في رواية بولغاكوف "المعلم ومرغريتا" ـــ د.إبراهيم استنبولي

احتفاء بالذكرى الخامسة عشرة بعد المائة لميلاد الكاتب الروسي الشهير ميخائيل أفانيسيفيتش بولغاكوف وبمرور خمسة وستين عاماً على أول ظهور لمخطوط رواية "المعلم ومرغريتا" المعروفة للكاتب، قام التلفزيون الروسي في نهاية شهر كانون الأول من العام الفائت بعرض مسلسل "المعلم ومرغريتا"، الذي قام بإخراجه فلاديمير بورتكو –ومن أهم أعمال المخرج المذكور السينمائية: فيلم "بطرسبورغ قاطع الطريق"، "قلب كلب" (المأخوذ، بالمناسبة، من رواية الكاتب نفسه)، "شقراء خلف الزاوية"، "السيرك احترق... والمهرجون هربوا". كما أخرج مسلسل "الأبله" المأخوذ من رواية دوستويفسكي، والذي حقق نجاحاً غير مسبوق في عدد المشاهدين، ودحض الفكرة القائلة بأن الأدب الكلاسيكي لم يعد يلقى قبولاً بين الجمهور المعاصر:‏

قصة ظهور الرواية:‏

لم تكتمل رواية بولغاكوف "المعلم ومرغريتا" ولم يتم نشرها والمؤلف على قيد الحياة.‏

فقد نشرت أول مرة عام 1966، أي بعد مرور 26 سنة على وفاة الكاتب، وفي صيغة مختصرة في مجلة أدبية. ويعود الفضل في وضع هذا العمل الأدبي العظيم بين يدي القارئ إلى زوجة الكاتب يلينا سيرغييفنا بولغاكوفا، التي استطاعت الاحتفاظ بمخطوطة الرواية في الزمن الستاليني الحالك.‏

لقد حدد بولغاكوف تاريخ البدء بكتابة الرواية بشكل مختلف من مخطوط لآخر، وبالتحديد بين عامي 1928 و1929. وقد حملت مسودة الرواية عناوين مختلفة "السحر الأسود"، "حافر مهندس"، "بهلواني مع حافر"، "جولة فنية".... كما قام الكاتب بالقضاء على النسخة الأولى من رواية "المعلم ومرغريتا" في 18 آذار من عام 1930 بعد أن تم منع عرض مسرحيته "عبودية المتظاهرين بالتقوى". وقد أشار بولغاكوف عن ذلك في رسالته إلى الحكومة: "لقد قمتُ شخصياً بإحراق مسودة رواية عن الشيطان إذا رميتها في الموقد...".‏

تجدد العمل على رواية "المعلم ومرغريتا" عام 1931، وقد كانت قد أضيفت إلى الرواية رؤوس أقلام أولية، حيث بدأت تظهر هنا مرغريتا مع مرافقها بلا اسم –المعلم لاحقاً-بينما اكتسب فولند حاشيته المشاغبة. أما المخطوط في صيغته الثانية، التي كتبت قبل عام 1936، فقد حمل عنوان "رواية خيالية" واحتمالات أخرى للتسمية "المستشار العظيم"، "الشيطان"، "وها أنا"، "السحر الأسود"، "حافر مستشار".‏

في حين أن الصيغة الثالثة، التي باشر بها الكاتب عام 1936 فقد كانت تدعى بداية "أمير الظلام"، إلا أنه في عام 1937 ظهر العنوان، الذي اشتهرت به الرواية أي "المعلم ومرغريتا". وفي عام 1938 تمت طباعة النص الكاملة للرواية أولَ مرة. وقد استمر بولغاكوف في عملية تصحيح الرواية حتى نهاية عمره، حيث توقف عن متابعتها عند العبارة، التي تقولها مرغريتا: "هكذا إذن، كما يبدو، الأدباء ذهبوا لأجل التابوت؟"...‏

لقد أمضى بولغاكوف، على العموم، ما مجموعه عشر سنوات في كتابة رواية "المعلم ومرغريتا". وإلى جانب الرواية كان الكاتب يشتغل في الوقت نفسه على مسرحيات، Libretto، تمثيليات، ولكنه لم يكن قادراً على الابتعاد عن هذا العمل، هذه الرواية –المصير، الرواية –الوصية. لقد تضمنت الرواية في ذاتها كل شيء تقريباً من الأعمال، التي كتبها بولغاكوف: العادات الموسكوفية، التي تم تصويرها في مقالاته "عشية اليوم السابق"؛ الفنتازيا والصوفية الهجائية، التي سادت في قصص العشرينيات؛ موتيفات شرف الفروسية والوجدان القلق في رواية "الحرس الأبيض"؛ الموضوع الدرامي في مصير الفنان المطارد، الذي تمت مناقشته في مسرحية "موليير"، مسرحية عن بوشكين وفي "الرواية المسرحية".... بالإضافة الى لوحة عن حياة المدينة الشرقية غير المعروفة، التي انعكست في قصة "الهروب"، والتي قدّمت لتوصيف أورشالايم. وأما الانتقال في الزمن نحو الوراء-إلى القرن الأول من تاريخ المسيحية ونحو الأمام –إلى الحلم اليوتوبي"بالسكينة"، فقد كان يذكِّر بموضوع "إيفان فاسيلييفيتش" في الأدب الروسي.‏

وهكذا نرى من قصة خلق الرواية كيف أنها كانت مدروسة ومقررة على أنها "رواية عن شيطان". ويرى بعض الباحثين في الرواية دفاعاً عن الشيطان، وتحبباً إلى القوة الشريرة، وأنها استسلام أمام عالم الشر. وفي الحقيقة، كان بولغاكوف يلقب نفسه "بالكاتب الصوفي"، إلا أن هذه الصوفية لم تسبب ضياع العقل ولم تخف القارئ....‏

المواصفات التاريخية والأدبية لـ"فولَنْد وحاشيته".‏

فولَنْد –هو الشخصية، التي تتزعم عالم قوى الغيب في رواية "المعلم ومرغريتا". أي أن فولَنْد –هو الشيطان، إبليس، "أمير الظلام"، "روح الشر وحاكم الظلال"، (جميع هذه المرادفات تُصادف في نص الرواية). إن فولند هذا قريب جداً من ميفيستوفيل "فاوست" للكاتب الألماني يوهان فولفغانغ غوته. والاسم فولند ذاته مأخوذ من إحدى قصائد غوته، حيث يرد ذكره فيها مرة واحدة فقط والذي جرى إسقاطه في الترجمات الروسية للقصيدة. وفي الطبعات التي تعود لأعوام 1929-1930 نجد أنه تمت كتابة الاسم فولند بشكل كامل باللغة اللاتينية على الكارت فيزيت الخاصة به: "Dr.Theodor Voland"، ولكن بولغاكوف تخلى عن الحروف اللاتينية في الصيغة النهائية للرواية. ونشير إلى أن بولغاكوف كان قد جرّب في الطبعات المبكرة للرواية استخدام اسم أزازيلو وويليار للشخصية التي ستصبح فولَنْد لاحقاً.‏

لقد جاء تصوير شخصية فولند قبل بداية البالية العظيم: "تعلقت عينان بوجه مرغريتا. تنطلق من قاع العين اليمنى شرارة تنفذ إلى أعمق أعماق النفس، واليسرى –فارغة وسوداء، أشبه بخرم إبرة أو بفوهة بئر لا قرار لها تضج بشتى أنواع الظلمة والظلال. كان وجه فولنْد مائلاً إلى جهة وزاوية فمه اليمنى مسحوبة نحو الأسفل، وعلى الجبين الأصلع العالي انحفرت غضون عميقة موازية للحاجبين المدببين. كان الجلد على وجه فولَنْد يبدو وكأن الشمس لفحت بشرته وأحرقتها للأبد".‏

إن الكاتب لا يخفي الوجه الحقيقي لفولاند إلا لأنه يريد أن يثير فضول القارئ، ومن ثم يعلن صراحة، على لسان المعلم وفولَنْد بالذات، أن الشيطان بالضبط هو من وصل منطقة باتريارشي برودي. هذه هي صورة فولند بالنسبة لتلك النظرة إلى الشيطان، التي رسمها ودافع عنها الفيلسوف والكاهن ب.أ.فلورنسكي في كتابه "القطب وإثبات الحقيقة...:"الخطيئة عقيمة، لأنها –ليست الحياة، وإنما الموت. والموت يعيش صيرورته تعساً كشبح فقط عن طريق الحياة، وعلى حساب الحياة، يتغذى على الحياة وهو موجود فقط إلى الحد، الذي تمنحه الحياة من ذاتها غذاء. إن ماهو قائم عند الموت-ليس سوى الحياة المدنسة من قبل الموت ذاته. حتى في "رسالته السوداء"، في عقر دار الشر، لم يتمكن الشيطان مع حاشيته أن يبتكروا أكثر من أن يحاكوا بشكل تجديفي الأفعال السرية لمبدأ الندم والتوبة، وذلك عن طريق عكس كل شيء (القيام بكل شيء بشكل معكوس). ياله من فراغ! ياله من فقر مدقع! كم هي مسطحة تلك "الأعماق"!...‏

هذا يؤكد مرة أخرى أنه لا يوجد في الواقع ولا حتى في الخيال نموذج بايرون للشيطان ولا نموذج ليرمنتوف ولا نموذج فروبل-ذلك النموذج العظيم والمَلكي، وإنما مجرد نموذج "المسخ الإلهي" التافه...‏

وفي المخطوط، الذي يعود للعام 1929-1930 كان فولند لا يزال "مسخاً" في الكثير من الجوانب لأنه كان يمتلك عدداً من الصفات المشينة. ولكن فولند في النص النهائي لرواية "المعلم ومارغريتا" صار مختلفاً، "هائلاً وجليلاً"، قريباً جداً من تقاليد اللورد بايرون، غوته وليرمنتوف.‏

نجد أن فولند يقدم للشخصيات المختلفة، التي تتواصل معه تفسيراً مختلفاً لإقامته في موسكو. فهو يقول لبيرليوز ولبيزدومني أنه جاء من أجل دراسة المخطوطات المكتشفة والتي تعود لهيبرت أفريلاكسكي. أما الموظفون في مسرح الفاريتيه فإن فولند يفسر لهم زيارته بالرغبة في تقديم جلسة من السحر الأسود. بينما نجد الشيطان يقول لعامل البوفيه سوكوف ومباشرة بعد الجلسة الفاضحة إنه بكل بساطة أراد "أن ينظر إلى أهالي موسكو محتشدين، وإن هذا أسهل ما يكون في المسرح". بينما كورفييف-فاغوت يصرح لمارغريتا قبل بداية الباليه العظيم للشيطان الساتانا أن الهدف من زيارة فولند وحاشيته إلى موسكو –تقديم هذا الباليه، الذي يجب أن تكون صاحبته تحمل اسم مرغريتا وأن تكون من العرق الملكي.‏

فولند له وجوه كثيرة، كما يفترض بالشيطان أن يكون؛ وهو يرتدي أقنعة مختلفة أثناء حديثه مع مختلف الناس. في هذا الوقت يحتفظ فولنْد بقدرة الشيطان الكلية على الرؤية بشكل كامل: هو وأفراد جماعته مطلعون بشكل جيد على الحياة الماضية والقادمة للأشخاص، الذين يحتكون بهم، كما أنهم يعرفون نص رواية المعلم، الذي يتطابق حرفياً مع "إنجيل فولنْد"، ذلك الإنجيل الذي تمت تلاوته على الأدباء التعساء في باتريارشي.‏

إن فرادة فولند تكمن في أنه، باعتباره الشيطان، يمتلك بعض الصفات، التي تخص الإله، إن الوحدة الديالكتيكية، التكامل المتبادل بين الخير والشر أكثر ما يتضحان بشكل ملموس في كلمات فولند التي وجهها إلى ليفي ماتفي، الذي رفض أن يتمنى السلامة "لروح الشر ولآمر الظلال": "ألا تريد أنتَ أن تسلخَ الكرة الأرضية بمجملها، كانساً عنها كل الأشجار وكل ماهو حي بسبب تخيلك في أن تستمتع بالكون عارياً؟ إنك غبي".‏

عند بولغاكوف نجد أن فولند يبعث، بالمعنى الحرفي للكلمة، الرواية المحروقة للمعلم؛ إذ إن نتاج الإبداع الأدبي، الذي يبقى محفوظاً في رأس المبدع فقط، تتم ترجمته إلى حقيقة من جديد ويتحول إلى واقع ملموس فولند-بمثابة الحامل للمصير، وهذا مرتبط بتقليد قديم في الأدب الروسي الذي يربط المصير، القضاء والقدر مع الشيطان وليس مع الرب. وأكثر ماتجلى ذلك عند ليرمنتوف في قصة "الجبْريّ"-(1841) –أحد مكونات رواية "بطل من هذا الزمان".‏

إن فولَنْد، عند بولغاكوف، يعكس المصير الذي يعاقب برليوز، وسوكوف، والآخرين، الذين خرقوا قواعد الأخلاق المسيحية. إنه أول شيطان في الأدب العالمي، يعاقب من لا يتقيد بتعاليم المسيح.‏

وفي إحدى صيغ الرواية نجد أن آخر كلمات فولند هي التالية: "لديه وجه شجاع وصارم، وهو يقوم بعمله بشكل جيد، وعلى العموم-هنا كل شيء ينتهي. حان الوقت!". ويأمر فولند حاشيته بمغادرة موسكو، لأنه واثق من أن هذه المدينة وهذه البلاد ستبقيان تحت سيطرته طالما أنه "يسود ذلك الشخص صاحب الوجه الصارم". هذا الشخص –هو ستالين. إن هذا التلميح المباشر إلى أن "القائد العظيم والمعلِّم يحظى بعطف ورعاية الشيطان على وجه التحديد-كان قد دبَّ الرعب في أفئدة المقررين، الذين راحوا يستمعون إلى الفصول الأخيرة من الرواية في عام 1939. واللافت للنظر أن المكان نفسه من الرواية كان يبعث قلقاً وخوفاً بدرجة ليست أقل في نفوس الناشرين اللاحقين لرواية بولغاكوف تلك. وعلى الرغم من أن الفقرة المذكورة سبق وتم تثبيتها من قبل الرقابة في الصيغة الأخيرة من رواية "المعلم ومرغريتا" ولم يتم حذفها في التصحيحات اللاحقة، فإن الجملة إياها لم ترد في النص الأصلي لأية طبعة حتى الآن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244