جريدة الاسبوع الادبي العدد 1016 تاريخ 22/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بين خطاب القسم والظرف الراهن الحوار الوطني والحوار مع الآخر ـــ د.عبد الله أبو هيف

شمل خطاب القسم النهج الوطني والقومي ومسيرته الصائبة على الصعيد الداخلي والخارجي عربياً ودولياً، انطلاقاً من المواطنة الحقة وحريتها إلى الانتماء القومي الجليل الذي يثري التواصل الإنساني والحضاري مع الآخر الأجنبي، وحوى خطاب القسم مؤشرات الدور العربي التاريخي وعمليات النهوض به في مواجهة العدوان الداخلي والخارجي إزاء مختلف العلاقات والقضايا والإشكاليات، ولاسيما الحرية والدمقرطة والوحدة الوطنية والتضامن العربي والإصلاح والتطوير والتحديث والصراع العربي الصهيوني والعلاقات العربية والإقليمية والدولية ورؤى التاريخ والمسؤولية والعلاقات الإنسانية إزاء الإرهاب والعنصرية والطغيان والعدوان والاحتلال المندرجة خلال السنين الأخيرة في الاستهداف الأمريكي للعرب، وهذا ما أظهرته أوضاع الظرف الراهن في الوقائع المؤسية والجائزة في فلسطين وليبيا والعراق ولبنان، وفي ممارسة الضغوط على سورية والاتهامات الباطلة عليها المدغمة بحقّ التطرف السافر، إذ تعددت أشكالها في الموقف من العراق ولبنان وفلسطين، وتنابذت هذه الأشكال بحدّة منذ احتلال العراق، بتفاقم الصراعات العرقية والدينية والإقليمية وتضييق المسؤوليات السياسية ما لم توافق عليها أمريكا باسم الإصلاح والتغيير.. الخ.‏

ولا ننسى في هذا المجال الأذى الأميركي على سورية في تهديداتها المستمرة لتغيير مواقفها القومية مع العراق ولبنان وفلسطين، ونموذجها الصارخ تقرير ميليس والقرارات الدولية السابقة والتالية له وأتناول في هذه المحاضرة الحوار الوطني والحوار مع الآخر:‏

أكد الرئيس على الحرية والديمقراطية في خطاب القسم، وربط العمل المؤسساتي بالفكر الديمقراطي، وأن "الممارسة الديمقراطية هي البناء"، ودعا إلى تواصل التجربة الديمقراطية مع "تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية والنابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا"، بما يعزز الخصائص الثقافية وعناصر التمثيل الثقافي التي تكوّن الذات القومية، واسند ذلك كله إلى احترام القانون، واحترام الرأي والرأي الآخر، لأن أساس "الديمقراطية هو قبول الرأي الآخر" (من حديثه للتلفزيون الفرنسي 21/6/2001)، و "لا تتحقق الديمقراطية من دون قبول الرأي الآخر" (من كلمته في مأدبة العشاء التي أقامها على شرفه الرئيس جاك شيراك في باريس 25/6/2001). ونادى إلى تطوير التجربة الداخلية بالحوار، على أن تطوير الوضع السياسي "يتم عبر الانطلاق بداية من خلال مناقشة التجربة التي ابتدأت في الماضي وما زالت مستمرة حتى هذا اليوم... أقصد التجربة السياسية بشكل عام. مناقشة الايجابيات والسلبيات" (من حديثه إلى صحيفة الشرق الأوسط 7/2/2001).‏

غير أن الإشكالية نجمت عن أطروحة المجتمع المدني وإفساح المجال لمنظماتها، وهذا كلّه لا يخرج عن تحكميات الاستهداف الأمريكي للعرب، بمنظمات المجتمع المدني، عندما ربط المجتمع المدني بتعبير المجتمع السياسي لمجاوزة سلطة الدولة وإتباعها للعولمة المفضية إلى الهيمنة الأمريكية باسم الشفافية والدمقرطة وحقوق الإنسان وحرية المجتمع وتمكين المرأة...الخ.‏

بينما رسّخ الرئيس معطيات المؤسسات غير الرسمية أو الأهلية أو المنتديات، على أنها عريقة في سورية، وأن السلامة متصلة بنفي رموز الفساد عند الحديث عن الحرية أو الشفافية، والأهم هو عدم تسييس منظمات المجتمع المدني، وعدم ارتباطها بالقوى الخارجية، وضرورة التكامل بين أنظمة الحكم ومنظمات المجتمع المدني وإدغام عملها بالوحدة الوطنية من خلال الحوار البناء والمشروعات الداعمة للوجود القومي إزاء المخاطر الخارجية:‏

«طبعاً لا نستطيع أن نفصل قضية المنتديات عن قضية الديمقراطية بشكل عام، وهي محور صغير من المحاور الكثيرة الموجودة في الديمقراطية، ولكن كل هذه المحاور تستند إلى مبدأ واحد هو قبول الرأي الآخر "(من حديثه إلى صحيفة لوفيغارو الفرنسية 22/6/2001).‏

وبلغت ذروة الحوار الوطني عند تحسين شروط حياة المواطن وتطوير الأداء الاقتصادي ضمن أبعادها الوطنية والقومية، "وعلينا...أن نكّثف جهودنا الفكرية وفاعليتنا الثقافية والسياسية في سبيل تدعيم وجودنا القومي وصيانة هويتنا الحضارية" (من كلمته التوجيهية في افتتاح المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي 7/6/2005).‏

وركّز على فاعلية الحوار مع الآخر الأجنبي من منظور "أن الحياة الإنسانية لا مطلق فيها، فمهما كان الواقع سيئاً لا بدّ وأن يكون فيه العديد من الفوائد، ومهما كان جيداً أو ممتازاً فلن يخلو من المساوئ" (من خطاب القسم)، غير أن الأغلى من حياة الإنسان هو الوطن، ومضمون الخطاب هو تعزيز الحوار مع الآخر في حديثه أمام قداسة البابا، ومنطلقاته هي "مبادئ العدل، رفض تعذيب الآخرين، مكافحة الغدر والخيانة".‏

وبنى الحوار بين الحضارات على التسامح والانفتاح العقلي والمرونة الفكرية والميل للعيش بسلام مع الشعوب الأخرى، "وهذه المواصفات الإنسانية المتميزة كان لها أثر إيجابي وكبير في الحضارات التي تلتها" (من كلمته في افتتاح معرض من دمشق إلى قرطبة 3/5/2001).‏

وجوهر الحوار هو احترام الخصائص الثقافية أعرافاً وطقوساً وتقاليد وعادات وأدياناً ومعتقدات وتقديرها، ودمشق كانت أقدم مدينة في التاريخ والمهد الأول للمسيحية، "عندما انطلق منها بولس الرسول ليبشر بتعاليم السيد المسيح ومبادئه في المحبة والتسامح" (من كلمته في بلدية باريس عند زيارته فرنسا 26/6/2001).‏

ونبّه إلى مكانة سورية عبر التاريخ في احتكاكها مع جميع الثقافات، وتفهمها بشكل عميق، والبحث دائماً عن النقاط الايجابية، لأنها "بلد الحضارات العريقة والموقف الثابت والعمل من أجل السلام والازدهار" (من كلمته نفسها).‏

وجوهر الحوار أيضاً هو السلام، على أن "الأرض والسيادة هما قضية كرامة وطنية وقومية، ولا يمكن، وغير مسموح لأحد، أن يفرط بها أو يمسّها" (من خطاب القسم).‏

وأعلن في خطاب القسم وضوح موقف سورية في تعاملها الثابت مع بدء العملية السلمية في مدريد عام 1991 "وذلك بعكس السياسة الإسرائيلية التي اتسمت بالتذبذب حيناً، وبوضع العراقيل أحياناً أخرى".‏

وأبدى الرئيس خلل الحوار عند التخلي عن المرجعيات الدولية وقراراتها، كما هي الحال الموجعة مع الإرهاب الإسرائيلي وتعابثها لعملية التفاوض لعشر سنوات دون نتيجة، واستخدامها للقوة بالدعم الأمريكي، وهذه هي أمريكا تهدد بهذا الاستخدام أيضاً، "فاعتمدت الحكومات الإسرائيلية شعارات تستند إلى القوة والقوة وحدها كعنصر وحيد فاعل في المنطقة" (من كلمته في حفل العشاء الذي أقامه على شرفه مستشار جمهورية ألمانيا الاتحادية غيرهارد شرويدر في برلين 10/7/2001).‏

استند الحوار الوطني والحوار مع الآخر الأجنبي إلى منظورات أساسية من شأنها أن تصلّب وعي الذات ووعي الآخر معاً، ومنها التفاعل بين الأديان والثقافات مصادر خلاّقة للازدهار، "ورغم كل ما تعرضت له من اعتداءات بقيت سورية حاملة للقيم ومضحية في سبيلها؛ وبكل تأكيد فإن شعوباً وثقافات كثيرة في هذا العالم تشاركنا هذه القيم معبرة عن وحدة الحضارة الإنسانية، ومبنية أن الصراع لا يكون بين حضارة وأخرى، بل بين الحضارة واللاحضارة، بين الأخلاق وانعدامها كما هو بين الخير والشر" (من كلمته في افتتاح مؤتمر المغتربين السوريين 10/10/2004).‏

أما المنظور الأكثر فائدة فهو الحوار الموضوعي الكفيل بحلّ المشكلات القائمة جميعها، ولا نغفل عن استهجان معارضة واشنطن وباريس لمشروع قرار دولي في مجلس الأمن يطالب بوقف العدوان الإسرائيلي المدمر على الشعب العربي في فلسطين ولبنان، بل إن الولايات المتحدة تتحكم بالعلاقات الدولية من أجل هيمنتها وتحقيق مصالحها وحدها، ولطالما مارس الرئيس الأمريكي بوش الضغوط على سورية بما يخدم هذه المصالح، وهذا هو حال الشعب الفلسطيني المنكوب منذ أكثر من ثمانية وخمسين عاماً، وامتدت النكبة إلى الشعب اللبناني منذ أكثر من ثلاثين عاماً، باسم القوة الصهيونية ولبوسها الأمريكي، والسؤال عن مسؤولية مأساة غزة ولبنان خلال هذه الأيام، يستدعي، وفق القانون الدولي، إلزام المحتل التعامل مع المحتلين بحدّ من المسؤولية الإنسانية، فلا يجرؤ على قصف المدنيين بحجة أنهم يعيشون في منطقة محررة تخضع لسلطة وطنية عاجزة وسلطات منظمات وتنظيمات غير منضبطة، حسب أحكامهم وتحكمياتهم، مثل "حماس" و"حزب الله"، إذ كيف تستمر إسرائيل بقصف المدن والبنى التحتية في لبنان وبتجريد حزب الله والمقاومة اللبنانية من سلاحها وقوتها، وعلى الرغم من طرح هنية مبادرة تهدئة، وطرح نصر الله تبادل الأسرى وإيقاف العدوان الإسرائيلي، فإن الحكومة الإسرائيلية رفضت الحوار بحجج واهية لا قيمة لها، وأساسها إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المخطوف غلعاد شليط، لتقتل المئات، وتدمر عشرات البنى التحتية، فهذا لا مكان له، وفاقمت شرورها بفتح جبهة ثالثة شرق غزة، وإعادة انتشار قواتها شمال القطاع، ودعوة قوات الاحتياط، واستمرار قصف لبنان ودماره... واتهامات سورية؟!، بينما تقوم سياسة سورية" على التعامل مع الآخرين سواء كانوا دولاً كبرى أو صغرى على قاعدة الصداقة والاحترام المتبادل" (من كلمته أمام مجلس الشعب 6/3/2005) عند تصويب النظرة الأمريكية للعلاقات بين سورية ولبنان.‏

وأبان الوضع الراهن خلال السنوات الست الأخيرة أن الحوار الوطني والحوار مع الآخر متأثر بتجليات الاستهداف الأمريكي للعرب، مما يؤكد صدقية القول والأداء في خطاب القسم، وعندما ننظر في عمليات تفعيل مرصد المجتمع المدني في جامعة الدول العربية من أجل تنظيم العمل الأهلي وغير الرسمي والتنسيق والتكامل مع المؤسسات الرسمية وحكّم الدولة، نلاحظ أن الضغوط الخارجية التي تتعرض لها أنظمة الحكم لا تخرج عن الهيمنة الأمريكية ومصالح دعاتها مما يستدعي تعضيد الحوار الوطني والحوار مع الآخر، وفق مبادئ المصداقية ومتطلبات الشفافية دفاعاً عن الذات القومية والتواصل الحضاري والإنساني في الوقت نفسه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244