جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جريمة قذرة للعبة قذرة ـــ د.حسين جمعة

قالوا: قوة لبنان في ضعفه؛ ونقول: قوة لبنان في صمود شعبه ومناضليه على كل ذرة من ترابه؛ إنها القوة التي تجلت بكل مظاهر العز والفخار والصمود للمقاومة الباسلة والأسطورية منذ يوم الأربعاء (12/7/2006م) وحتى اليوم ولا نصير لها إلا التفاف شعبي عربي وإنساني يقوي عزيمة أصحابها الأحرار الشرفاء. فالمعارك البطولية التي جرت في لبنان كشفت بما لا يقبل الشك عن لعبة قذرة قادتها الإدارة الأمريكية، واشترك فيها أطراف عدة.‏

فهذه اللعبة القذرة تركت لبنان وحيداً بيد جلاَّد صهيوني لا يرحم وقد تسلَّح بآلة القتل والدمار الأمريكية الوحشية, إذ قام بارتكاب الإبادة الجماعية للأطفال والنساء والشيوخ وتهديم البيوت على عائلات بأكملها، ومن ثم انتشرت أشلاء الضحايا والمنكوبين في أرض لبنان الجريح، فقد سقط ما يزيد على (400) قتيلاً و(2000) جريح، وهُجّر ما يزيد على (200) ألف مواطن إلى جهات شتى داخلية وخارجية.‏

وسنضرب صفحاً عن المواقف المتفرجة لكثير من حكومات العالم والأنظمة العربية؛ ليس لأنها تركت لبنان وحيداً لمصيره يعاني ويلات الدمار والقتل والتدمير الوحشي الذي أعاده إلى خمسين سنة إلى الوراء ثم قامت بإخراج رعاياه منه بل لأن مشاعر صناع القرار فيه قد تبلدت حين رهنوا إرادتهم للإدارة الأمريكية. ولكننا لن نضرب صفحاً عن أولئك الذين تلطخت أيديهم بالجريمة الإنسانية البشعة بحق بلد تمتد حضارته آلاف السنين بعد أن حاكت هذه الأيدي أقذر لعبة سياسية في التاريخ كشفت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية قبل مجيئها إلى لبنان يوم الاثنين (24/7/2006م) وقبل سفر وزير الخارجية السعودي إلى الولايات المتحدة الأمريكية يوم الأحد (23/7/2006) لمقابلتها ومقابلة سيد القباحة والهمجية في البيت الأبيض، عفواً البيت الأسود.‏

فأمُّنا الغولة (أمريكا) راحت تبشّرنا بولادة شرق أوسط جديد وطلبت إدارتها إلى سورية أن تلحق به، وإلا ستكون خارج الإطار العربي الجديد للمشروع، علماً أنه المشروع الذي جعل هذه الإدارة تشن حربها على المقاومة الوطنية في فلسطين في (28/6/2006) ثم لبنان في (12/7/2006م) حين عجزت أوراقها الداخلية عن اجتثاث إرادة المقاومة من نفوس الأحرار الذين تمردوا على الظلم والقهر والاحتلال المدجج بكل وسائل الدمار والأسلحة المحرمة دولياً.‏

وقد نفذت قرارها بإرادة مشتركة خططت لها مع الكيان الصهيوني بقيادة رئيس وزرائه (إيهود أولمرت) في زيارته الأخيرة إلى أمريكا، وكأن صكّ الغفران لسلطته الجديدة في داخل الكيان وقيادة منظمته الإرهابية لا ينجح إلا إذا أقدم على تصفية المقاومة العربية في لبنان وفلسطين والاقتصاص من القيم الإنسانية النبيلة، عند ذلك سيكون مشروع الشرق الأوسط الجديد بقيادة أولمرت ميسَّر التحقيق، وقد غدا أكثر اطمئناناً وتقدماً.‏

فأي مشروع هذا الذي تبشرنا به أمُّنا (الغولة) بعد أن يكون قد أكل الأخضر واليابس في الأرض العربية وأنزل بها كل صُنوف الأوبئة والأمراض؟ أي مشروع هذا الذي يمارس الإبادة الجماعية وشرب دم الأبرياء وتدمير الشجر والحجر والمدر؟ أي مشروع هذا الذي تقف فيه الإدارة الأمريكية مع الكيان الصهيوني المتوحش في عدوانه المنظم على غزة والضفة لاقتلاع أبنائهما منهما؟ ثم هاهي ذي تقف في وجه العالم كله وهو يدعو إلى إيقاف عدوان هذا الكيان الهمجي على لبنان. فالإدارة الأمريكية ترفض وقف إطلاق النار بحجة أن الظروف والشروط لـه لم تكتمل؛ حتماً إنه الموقف الذي يعني أن أمريكا قد دخلت في حرب جديدة ومعلنة على لبنان والأمة العربية وهي التي خططت لهذه الحرب لكي تجعل المنطقة فارغة من سكانها؛ أما من بقي منهم فسيكون ذليلاً مسحوقاً وتابعاً لإرادة الهيمنة الأمريكية الصهيونية.‏

ولعل المخزاة الكبرى في تلك اللعبة القذرة أن هناك أطرافاً عربية تسهم فيها أو تؤجج نارها؛ فهي ضالعة في نسيج خيوطها شاءت أم أبت، أكانت عارفة بما تفعل أم جاهلة، لأن ما تقوم به يصبُّ في خانة مشروع الهيمنة الأمريكية ـ الصهيونية على المنطقة ويؤجج نار الفتنة بين أبناء الشعب العربي، وطنياً وقومياً. ويكفينا أن نشير ـ فقط ـ إلى السيد جنبلاط الذي أكله الحقد على سورية وإيران وقيادتيهما، وراح يصدر تصريحات الكراهية الانشطارية في كل اتجاه؛ لتكون هذه التصريحات مستنداً للكيان الصهيوني في حملته المسعورة على المقاومة ونهجها وتفتيت اللحمة الشعبية الوطنية اللبنانية التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم؛ قبل أن تكون عدواناً على سورية وشعبها. ولن يأخذني بالدهشة وصفه للشعب السوري بأنه (شعب كئيب) في مقابلة لـه مع قناة العربية مساء يوم (21/7/2006م) وهو الشعب الذي احتضنه سنوات طويلة، ولكن تأخذني الريبة فيه حين يقتبس المندوب الصهيوني في الأمم المتحدة في مداخلته لاجتماع مجلس الأمن يوم الجمعة (21/7/2006) مقطعاً طويلاً من كلام السيد جنبلاط يتهم فيه سورية بأن عملية (الوعد الصادق) قد "أعدت في دمشق قبل يومين من اجتماع الدول الثماني في موسكو يوم (12/7/2006م).‏

ولا نريد أن نعلق على هذا الكلام الذي يفرّغ مفهوم المقاومة من مضمونها الوطني والإنساني ولكننا نريد أن نسأل السيد جنبلاط: ماذا يعني كلامه السابق؟ وكيف يفسرّ؟ وماذا يعني دعم أمريكا للكيان الصهيوني بكل أنواع الأسلحة المدمرة والمحرمة دولياً لضرب شعب لبنان؟.‏

وكيف يكون موقف الإدارة الأمريكية من الكيان الصهيوني مقبولاً لديه، على حين يستنكر موقف سورية الداعم للمقاومة الوطنية اللبنانية؟!‏

لكننا نقول: إنها الجريمة القذرة للعبة قذرة تقودها الإدارة الأمريكية باسم الشرق الأوسط الجديد لتلعب في مشاعر الخائفين المهرولين المطبعين مع الكيان الصهيوني المتوحش والمتخلف حضارياً وإنسانياً، بيد أن النصر سيكون للشعب العربي مهما تبدلت ألوان قوس قزح في نفوس المرضى وأتباع المشروع الأمريكي الصهيوني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244