جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

القضية الفلسطينية والاستفتاء على التصفية.. ـــ توفيق المديني

1-المراهنة على إخفاق حماس في السلطة:‏

الشعب الفلسطيني يدفع الثمن غالياً نتيجة التصويت الذي جرى في 25 يناير /كانون الثاني 2006. وقد ترافق مع الانتصار الكاسح لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ومن ثم تشكيلها الحكومة الجديدة برئاسة القيادي إسماعيل هنية حصار دولي مالي ودبلوماسي، إذ أوقفت به كل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوربي المساعدات المالية التي كانت تقدمها للسلطة، فيما جمدت "إسرائيل" تحويل 55 مليون دولار حصيلة إيرادات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، بينما عمدت البنوك العربية إلى إقناع السلطة سحب أموالها من الحسابات وذلك تخوفاً من أن تتخذ الولايات المتحدة ودول أوربية عقوبات ضدها تحت عنوان الاحتفاظ بأموال تدعم "الإرهاب".‏

لاشك أن هذا الوضع قاد إلى استحالة عمل مؤسسات السلطة، وتضييق الخناق عليها وجعلها تواجه المشكلات الصعبة بهدف وضعها أمام خيار من اثنين: إما تليين موقفها بشروطهما التي تتلخص في الاعتراف بـ "إسرائيل" والاتفاقات المبرمة معهما والتخلي عن خيار المقاومة. أو مواجهة الفشل والسقوط لصالح إعادة تعويم قيادة فتح المتربعة حالياً على عرش منظمة التحرير والتي جرى ترويضها في السابق وأصبحت متماهية مع الاشتراطات الأميركية الإًسرائيلية.‏

حركة حماس تدفع غالياً ثمن مواقفها السياسية والإيديولوجية التي تعتبرها هذه الأطراف الدولية راديكالية، ولا تخدم عملية السلام من وجهة نظرها. فكيف يمكن تقديم المساعدات المالية لحكومة فلسطينية لا تتخذ مواقف تدين العمليات الاستشهادية ضد الكيان الصهيوني، كما كانت تفعل حكومة محمود عباس؟ وكيف يمكن التعاون مع حركة مقاومة ينص ميثاق تأسيسها أن فلسطين أرض وقف إسلامية، حيث أن أقل تنازل بشأنها يعتبر جريمة لا تغتفر؟.. وهكذا، تبدو الشروط التعجيزية التي تطرحها الأطراف الدولية المانحة، شرعية، مستندة في ذلك إلى مواقف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومعها المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الـ/19/، التي اعترفت رسمياً بالقرارين 242 و338، وبالتالي اعترفت رسمياً بالاحتلال الصهيوني لفلسطين، وبالكيان الصهيوني المسمى "إسرائيل"، وهو أول اعتراف تعلنه قيادة فلسطينية منذ 1897.‏

إن قيادة منظمة التحرير والمجلس الوطني الفلسطيني قد تنكرا بهذه الخطوة للميثاق الوطني الفلسطيني، ولكل ثوابت النضال العربي في فلسطين وخارجها، منذ عام 1897، وأن هذه القيادة وهذا المجلس قد فقدا أي شرعية، لأن الشرعية هي شرعية المقاومة المسلحة، ولأن م.ت.ف. والفصائل الفلسطينية تأسست على أساس مقاومة الاعتراف بالوجود الصهيوني. ولأن كل الفصائل، بما فيها المنظمة، تكونت، قبل 1967، وتكونت على أساس تحرير فلسطين، ومقاومة مشاريع التصفية والاستسلام، ولأن هذا الانقلاب على المبادئ التي قامت عليها المنظمة والفصائل، ينسف شرعية المنظمة والفصائل المشاركة فيها.‏

ولما كانت إقامة الدولة الفلسطينية حقاً طبيعياً للشعب الفلسطيني، باعتباره شعباً، وهو حق يأتي من علاقة الشعب الفلسطيني بأرضه، ومن حق هذا الشعب التاريخي في إقامة دولة ذات سيادة فعلية وحقيقية في وطنه، ولا يأتي من قرارات دولية، فإن ميثاق الأمم المتحدة لا ينص، ولا هو من حقها أن يعطي قرار استقلال، أو إقامة دولة، أو قرار حق طبيعي. لأن هذا الحق، كما ذكرنا حق طبيعي وتاريخي، ودور الأمم المتحدة حسب شرعيتها، أن تدافع عن هذه الحقوق الطبيعية، وأن تمنع الاعتداء عليها، حين تتعرض للاعتداء. وليس من حق الأمم المتحدة، أن تتصرف بالحقوق الطبيعية لشعب فلسطين.‏

والقيادة الفلسطينية التي أعطت هذا الاعتراف، فقدت شرعيتها، لأن م.ت.ف. تكونت تحت شعار التحرير، ولأنه ليس من حق أية قيادة، أن تفاوض على الحقوق الطبيعية، وحين تفرط بهذه الحقوق، فإنها تفقد شرعيتها الوطنية، سواء لجأت إلى مجلس وطني، أو لم تلجأ... وبالطبع، فإن قيادة م.ت.ف التي كونت المجلس ليخدم مخططات غير الميثاق والتحرير، ماكان ممكناً أن تحترم الميثاق والمبادئ القانونية.‏

لقد سقطت الشرعية الوطنية لقيادة المنظمة قانونياً ووطنياً، لأن قيادة المنظمة التي جاءت إلى القيادة باسم التحرير، قبلت باقتسام السيادة مع كيان غير شرعي، واعترفت له بحق الوجود، دون أن تملك الحق في ذلك. ومن الآن فصاعداً، يجب أن تعامل قانونياً باعتبارها جهة تخضع الحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني لمخططات العدو.‏

وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الاتحاد الأوربي أن الاعتراف بـ"إسرائيل" "وحقها في الوجود"، والتخلي عن مقاومة الاحتلال الصهيوني ونبذ العنف، والالتزام بتنفيذ خطة خريطة الطريق من دون شروط، وعدم وضع شروط مسبقة أو المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتأجيل ذلك إلى مفاوضات الحل النهائي، اشتراطات ضرورية لإيجاد حل تفاوضي للصراع الفلسطيني-الصهيوني على قاعدة وجود دولتين تعيشان جنباً إلى جنب.‏

ومن الواضح أن إحكام الحصار الدولي للحكومة الفلسطينية بالتنسيق مع الاشتراطات التي يطرحها رئيس السلطة محمود عباس والتي تمس بالثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني، جعلت حركة حماس ترفض الخضوع للاشتراطات الخارجية التي يبدو وكأنها منسقة. إذ إن تيار السلطة الفلسطينية يقبل من دون تذمر البرنامج الأميركي باعتباره الوسيلة الوحيدة لتأمين إنقاذ دولي للقضية الفلسطينية، ويقبل بخريطة الطريق، والتخلي عن المقاومة كشرط لابد منه على طريق العودة إلى البيت الأبيض.‏

وفي ظل هذا المشهد الفلسطيني المفزع، والمتردي، والمنهار، تعددت السلطات والمؤسسات. فالسلطة الفلسطينية سلطتان. سلطة مهترئة فاسدة ومرتشية بشهادة الدولة الغربية المانحة. وسلطة نالت شرعيتها من المقاومة والانتخابات لكنها محاصرة. سلطة رئاسية بلا حكومة. وحكومة عاجزة تحاول أن تحكم من خلال "الفيديو" تحكم ولا تملك أن تدفع.‏

احتد الصراع بين فتح وحماس، اللتين تتنازعان على السلطة منذ انتصار الإسلاميين في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي مكنتهم من السيطرة على الحكومة، في حين ظلت أغلبية الإدارة (160 ألف موظف لم يقبضوا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر)، لاسيما الأجهزة الأمنية (ستون ألف شرطي ومخبر تحولوا إلى شلل مسلحة لا أحد يعرف لمن ولاؤها)، خاضعة عملياً، لقيادة فتح. وقد عالجت حكومة حماس انهيار الأمن بتشكيل ميليشيا إضافية وضعتها في مواجهة ميليشيا عباس. فقادت هذه التوترات في الأسابيع الأخيرة، خصوصاً بعد انضمام فتح إلى الجبهة العريضة داخلياً ودولياً التي تناهض حماس وتعمل على إسقاطها.‏

2-الاستفتاء: سلاح عباس لاستعادة سلطة فتح:‏

وفيما يعتصر الحصار المالي قلوب الفلسطينيين، شكلت الخلافات الحادة بين حركتي حماس وفتح، الجانب الأبرز من المشهد السياسي الفلسطيني، وسط مخاوف كبيرة من تبعات الاستفتاء الذي دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى إجرائه، في 26 يوليو/تموز المقبل. ويتناول الاستفتاء، الذي قرر عباس تنظيمه بعد فشل عشرة أيام من "الحوار الوطني" الذي شمل خصوصاً حركتي فتح وحماس، وثيقة "الوفاق الوطني"، التي صاغ بنودها الـ18 عدد من قادة الفصائل الخمسة الرئيسية في سجون الاحتلال الصهيوني، واحتلت المكان الأبرز من الخطاب السياسي اليومي منذ تسريبها إلى الخارج، كي تكون أساساً للوفاق، لكنها تدفع بأطياف العمل السياسي الفلسطيني إلى الشقاق وهو نقيض ماكان يهدف إليه الأسرى عندما تداعوا لصياغة هذه الوثيقة، كي يكون لهم بصمة في إنقاذ المشروع الوطني.‏

وتضمنت هذه الوثيقة رؤية هؤلاء القادة في مجمل القضايا المتعلقة بالمشروع الوطني، لكن التقاء قادة المعتقلات حولها، لم يقابله الالتقاء ذاته في الخارج، خصوصاً من قبل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتين تحفظتا على عدد من البنود في الوثيقة، فحركة التي تقود الحكومة تعتبر فلسفة الوثيقة، من وحي "فتحاوي"، وتبدي تحفظها على البندين المتعلقين بالشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام المنبثقة من قمة بيروت عام 2003، التي تنص على إقامة دولة فلسطينية في حدود الأراضي المحتلة عام 1967 مقابل التطبيع الكامل من جانب العرب مع الكيان الصهيوني، وتأكيد الدور المركزي لمنظمة التحرير التي يرأسها عباس. فحماس ترفض هذه المرجعيات وتظل معارضة للاعتراف الضمني بـ"إسرائيل"، فيما تبدي حركة الجهاد الإسلامي تحفظاً على البند المتعلق بالمفاوضات مع دولة الكيان من خلال تركيز المقاومة في الأراضي المحتلة عام 1967، أو الاعتراف الضمني بـ"إسرائيل".‏

وقد وجه رئيس الوزراء هنية رسالة إلى عباس حذره فيها من مخاطر الإعلان عن إجراء الاستفتاء على القضية الفلسطينية وانعكاسات ذلك على الواقع السياسي الفلسطيني. وذكر هنية في رسالته إن من هذه المخاطر عدم استناد الاستفتاء إلى أساس دستوري وقانوني، وأكد أنه لا يوجد في مواد القانون الأساسي ما يسنده أو يحدد طريقته ومواضيعه، وأنه لا يمكن اللجوء إليه في قضايا مصيرية، خاصة وأن نصف الشعب محروم من المشاركة، وأن طرحه بهذا الشكل تكريس للانقسام...‏

وتكمن مناورة عباس في استغلال هذه الفرصة المناسبة، إذ إنه متيقن أن أغلبية المجتمع الفلسطيني سيصوت لمصلحة الوثيقة، وفي هذا المجال، سيدعم شرعية (أبو مازن) ويمنحه سلطة للمضي قدماً في المفاوضات مع "إسرائيل"، وسيجعل منه مجدداً، حسب نصائح مستشاريه، الشريك الذي يتمتع بمصداقية في نظر المجتمع الدولي والرباعية، وسيستغل هذا الانتصار لتحسين مواقفه بانتزاع تأييد دولي يضغط على تل أبيب وواشنطن، لتقديم تنازلات تعزز مواقع تيار رئاسة السلطة الذي يقدم نفسه كتيار واقعي ومعتدل، ملتزم بـ"خريطة الطريق" ومتابعة مسيرة أوسلو.‏

لقد دخلت القضية الفلسطينية منعطفاً جديداً بالغ الخطورة، بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إجراء استفتاء شعبي حول وثيقة الأسرى التي تعترف ضمناً بـ "إسرائيل" الأمر الذي، قد يؤدي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة إذا لم تحترم حركة حماس نتيجته، لاسيما أن الحركة جددت رفضها إجراءه معتبرة أنه سيعمق الأزمة ويحاصر الحكومة، وكررت تمسكها باستمرار الحوار.‏

وفي ظل العجز العربي والفلسطيني، تبخرت "خطة الطريق" لتحل محلها خطة أخرى أسوأ منها، هي خطة أولمرت، أي "خطة الجدار" التي التهمت "خطة الطريق"، والتي أقرتها إدارة الرئيس الأمريكي بوش خلال زيارة رئيس الحكومة الصهيونية الأولى لواشنطن. فقد لقي حفاوة بالغة خاصة في الكونغرس إذ حياه الأعضاء في المجلسين أكثر من 18 مرة وقوفاً وتصفيقاً كما يحدث في الدول النامية. وهذا أكبر استفتاء على زعامته وخلافته لشارون وعلى خطته التي تقضي بضم المنطقة الفاصلة بين الجدار العازل و"إسرائيل" واستكمال هذا الجدار وتجميع مستوطنات الضفة الغربية وضمها لـ"إسرائيل" أيضاً، وضم القدس شرقاً وغرباً بعد استكمال مخطط تهويدها وضم بقية المناطق بين الضفة والأردن ومعالجة قضية العرب داخل "إسرائيل". وقد اطمأن أولمرت إلى اقتناع بوش بأن "إسرائيل" تريد أن تكون دولة يهودية خالصة، وهو موقف سبق لبوش أن وافق عليه في قمة العقبة عام 2003 التي جمعته مع أبو مازن حين كان رئيساً للوزراء وشارون الذي حدد أمام القمة الخطة نفسها التي خاض من أجلها صراعاً سياسياً حاداً لإقناع القوى السياسية في "إسرائيل" بها.‏

بعد 13 سنة من التنازلات المجانية التي قدمتها السلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاقات أوسلو، ماذا كانت النتيجة؟ حكم ذاتي هزيل، وإخفاق ذريع، وانقسام فلسطيني خطير. أما الولايات المتحدة الأمريكية، رغم مديونيتها الكبيرة التي تجاوزت ألف مليار دولار، لا تزال تتبرع سنوياً بثلاث مليارات دولار لتمويل الدولة الصهيونية الحليفة والاستراتيجية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، لإبقاء 180 ألف مستوطن في الضفة الغربية، ومائتي ألف في القدس الشرقية، ولتغطية نفقات سبعين ألفاً آخرين من موقع إلى موقع استيطاني آخر، ولتزويدها بأحدث ما هو مبتكر وجديد في الترسانة المسلحة الأمريكية.‏

وبالمقابل يعم الإحباط السياسي، واليأس الاجتماعي في صفوف الشعب الفلسطيني، والانقسام الكبير في القيادة الفلسطينية، والاقتتال الفلسطيني-الفلسطيني. لا عباس الرئيس الذي يرأس ولا يملك أن يفاوض، سيقنع "حماس" بضغط الوقت وأخطار خطة أولمرت وضياع فرصة السلام. ولا "حماس"، الحكومة التي تتمسك بالمقاومة، لا هي تحكم، ولا هي تقاوم، تستطيع أن تقنع عباس بأن الحل مع الكيان الصهيوني يجب أن يترك للأجيال المقبلة. وماذا عن الفلسطينيين في الضفة والقطاع الموعودين باستمرار انقطاع العمل ولقمة العيش... والحرب الأهلية الزاحفة؟..‏

إنه المأزق الفلسطيني الخطير، الذي يجد تعبيره في استحالة التعايش بين مؤسستي الرئاسة والحكومة في السلطة الفلسطينية، المستند إلى وجود تناقض واقعي إيديولوجي وسياسي في فلسفة المؤسستين، والذي يعكس بدوره تناقض برنامجي فتح –السلطة وحركة حماس. فهل سيساهم هذا الاستفتاء في إيجاد حل للمأزق الفلسطيني؟..‏

من الواضح أن عباس يدرك أن الاستفتاء سلاح ذو حدين، وأياً تكن نتائجه ستقلص هامش مناوراته إلى حدود دنيا، فالتصويت بـ" نعم" سيقيد "حماس" وفي الوقت ذاته حركة عباس ببرنامج سقفه أعلى من سقف أوسلو الذي كان "أبو مازن" أحد مهندسيه الرئيسين. كما أن هذا البرنامج يشترط إعادة الاعتبار إلى المكانة القيادية التمثيلية لمنظمة التحرير، وإعادة بناء مؤسساتها على أساس تعددي وديموقراطي انتخابي، وفق قانون التمثيل النسبي الكامل، ورفض الحلول الجزئية التي انطلقت منذ اتفاق أوسلو 1993، ورفض الخطوات الإسرائيلية المنفردة والتمسك بحل شامل على أساس قرارات الشرعية الدولية.‏

بيد أن الاستفتاء لن يقدم حلاً للأزمة الفلسطينية المطروحة، وإن كانت قضاياها لا يبدو أنها قابلة للحل في المدى المنظور. وفي رأينا ماحدث داخل السلطة الفلسطينية طبيعي لأنه نتيجة تراكم بدأ مع نشوء فتح ونما مع نموها، وتفاقم بتخلي قيادتها عن البرنامج السياسي الذي طرحته وبغلبة الخط غير التنظيمي وغير الديمقراطي الذي حكم سياساتها كلها، منذ المؤتمر الثاني سنة 1968، ولغاية الآن، وقد برز هذا الاتجاه، منذ نهاية 1970 خاصة، وبرزت معه فكرة الدولة الفلسطينية، ضمن إطار حل سياسي، وأصبحت هذه الفكرة محور عمل قيادة (م.ت.ف).‏

وقد حرصت قيادة (م.ت.ف) الرسمية على إضعاف دور الفصائل الفلسطينية، بما فيها فتح، لمصلحة المستقلين من الوجهاء والتجار والسماسرة والموظفين الرسميين والمناضلين المتراجعين، حتى أصبح هؤلاء أكثرية المجلس الوطني الساحقة والأكثرية الغالبة في اللجنة التنفيذية، وبذلك عادت المنظمة إلى وضعها أيام الأستاذ أحمد الشقيري، وبات رئيس المنظمة هو صاحب الحل والعقد وحده.‏

وفي الوقت عينه أضعفت بنية الفصائل، حتى غلب عليها طابع الحياة الوظيفية، وفقدت فعاليتها السياسية والعسكرية. ثم إن هذا الوضع كله جعل المنظمة ضعيفة وغير قادرة أن تطور العمل السياسي أو العسكري، أو أن تكسب معركة التسوية بعد أن تخلت عن معركة التحرير.‏

ولما كانت الأنظمة العربية، ترى هذا الوضع ملائماً، لأنه لا يجعل الطرف الفلسطيني قوياً، ولأنه يتيح الفرصة للسياسات الرسمية الاستسلامية أن تستخدم ضعف المنظمة في إملاء السياسات التي تريد، فإن الأنظمة دفعت باتجاه بلورة موقف فلسطيني استسلامي، يعلن تقديم التنازلات المجانية للكيان الصهيوني. وهذا ما حصل.‏

وفي ضوء هذا المشهد المؤلم، ظهرت دعوات الإحياء منظمة التحرير الفلسطينية ودار حوار شامل في الساحة الفلسطينية توصل إلى نقطة البداية وهي أهمية وجود منظمة التحرير كإطار أوسع، مرة أخرى ترى حماس في هذه الدعوة جزءاً من الحرب عليها لأن فتح هي تقريباً منظمة التحرير ولأن رئيس السلطة هو نفسه رئيس المنظمة، وبينما تتجه فتح إلى إحياء المنظمة القديمة مع تحديث بنائها وتجديد شبابها تدعو حماس إلى إعادة بناء المنظمة أو إلى إنشاء منظمة جديدة. ورغم أن فتح وحماس وبقية الفصائل تتفق على أهمية منظمة التحرير في هذه الظروف، وعلى ضرورة البحث المفصل في تنظيم علاقة المنظمة بالسلطة والفصل بين رئاسة المنظمة ورئاسة السلطة وغيرها من القضايا التنظيمية والسياسية. إلا أن الطريق إلى وحدة الرؤية طويل نظراً إلى انعدام الثقة بين الطرفين.‏

ومع ذلك كله،يعتبر عباس ومعه حركة فتح أن الاستفتاء يشكل طوق النجاة لهما، ولذلك فإن بإمكانهما استخدام نتائج الاستفتاء، لاسيما إذا كانت "بنعم" لتدعيم موقفهما الساعي إلى حصر الخلاف السياسي مع حركة حماس يتمحور حول منظمة التحرير الفلسطينية، ودورها ومرجعيتها، وبرنامج القاسم الوطني، والتزامات السلطة الفلسطينية المترتبة على اتفاقات أوسلو غير المجمع عليها وطنياً وشعبياً، وإلى إجبار حركة حماس والحكومة التي تقودها، على خفض سقف المواقف السياسية التي لا تزال تتمسك به رغم حدة الحصار ووقف المساعدات المالية للشهر الثالث على التوالي، ومحاولة جر الحكومة إلى التعامل بواقعية مع المتطلبات الدولية، بما يؤمن استمرارية تدفق الأموال، والاتصال مع الحكومة، وتفعيل عملية السلام، التي يتهددها خطر خطة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إيهود أولمرت أحادية الجانب بالانفصال عن أجزاء من الضفة الغربية، وهي الخطة التي ستقضي في حال تنفيذها على فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.‏

3-خروج حماس من السلطة والعودة إلى بلورة استراتيجية للمقاومة:‏

لقد جاءت حركة حماس إلى السلطة بعد مخاض طويل وعسير من المقاومة، وجاءت في غير أوانها، لأن الوضع العربي أميل إلى الاستسلام، ولأن وضع السلطة الفلسطينية (مؤسسة الرئاسة وفتح) لا يتناقض مع طبيعة حماس فقط، بل يطوقها بأغلاله، ويحاصرها بضعفه وتهافته. كما أن الوضع الفلسطيني الداخلي المتأثر بالاستقطاب الأمريكي –الإيراني في المنطقة، بات يفرض حلاً حاسماً على حركة حماس غير عملية الترقيع. فإخفاق حركة حماس كان متوقعاً، لأن حكومتها لا أهداف محددة ولا استراتيجيا لها إن لم يكن هذا الشعور الوطني الغامض بضرورة إعادة النظر بأي ثمن في اتفاقات أوسلو.‏

فالحل الأفضل لحركة حماس هو حل السلطة الفلسطينية، تجنباً للحرب الأهلية، على فتات لا يغني ولا يفيد، والعودة إلى تفعيل استراتيجية المقاومة، ومواجهة الانهيارات مواجهة جدية عبر عمل سياسي راديكالي ينطلق من مقولة قضية الأمة العربية والإسلامية المركزية –فلسطين-والصراع العربي-الصهيوني، ويضع الوحدة الوطنية في أساس توجهاته، ويجعل من الديمقراطية نسيج تلك التوجهات، ومضمونها أو محتواها. هذا الخط المقاوم الوطني-الديمقراطي هو خط الأمة العربية، وتحرير الأرض السليبة فلسطين وغيرها، وهو خط بلورته تجربة الشعب العربي الواقعية على مدى قرن ونيف من الزمن.‏

إن المعارضة الفلسطينية لنهج التسوية داخل حركة فتح وبقية الفصائل، لكي تستطيع المحافظة على القضية الوطنية الفلسطينية من خطر التصفية الداهم، في ارتباطها الصميمي بالقضية القومية العربية، ومقاومة مسار أوسلو، يتطلب منها نقلة نوعية في تصعيد العمل المقاوم ضد العدو الصهيوني في داخل فلسطين المحتلة. وهذا الوضع سيسهم بدون شك في إيجاد الأرضية المناسبة لقيام جبهة تحالف راديكالي وطني-إسلامي، بين فتح، وحماس، والجهاد الإسلامي، وباقي التنظيمات الأخرى المناهضة لخط التسوية، يحكمها برنامج سياسي راديكالي قادر أن يخرج العمل الوطني الفلسطيني من مأزقه الراهن، ويلجم الاتجاهات المتذبذبة.‏

فالمطلوب من الحركة الوطنية الفلسطينية، حفر خط المقاومة المسلح بالعقل السياسي الديمقراطي الحديث، القادر وحده على وضع قضية فلسطين في سيرورة المشروع القومي الديمقراطي النهضوي كاحتمال تاريخي وحيد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244