جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تشريح لعقل شرير المورثات أم التربية هي التي تنتج مجرماً ـــ حصة المنيف

يحار المرء حين يسمع أو يشهد ما يدور حوله من جرائم، سواء أكانت فردية أم جماعية، في البواعث التي تحوّل الإنسان إلى وحش مفترس، بل إنه أسوأ من ذلك لأن الوحش لا يفترس حيواناً من جنسه، ما الذي يجري في دماغ إنسان ما فيقمع كلّ مافي داخله من عواطف إنسانية بحيث يبيح لنفسه، وبدم بارد، أن يقتل أو يعذب إنساناً آخر وهو ينظر إليه وجهاً لوجه؟ ما الذي يدور في دماغ جندي أميركي مثلاً حين يتلذذ بتعذيب إنسان مثله في سجن أبو غريب أوغوانتانامو أو حين يوجه رصاصه إلى جبين طفل لم يتجاوز سنين طفولته الأولى، طفل لا حول له ولا قوة يسعد برؤية جمجمة هذا الطفل وهي تتفجر وتتشظى أمام عينيه؟..‏

ما الذي يدور في ذهن مسؤول إسرائيلي حين يأمر بتجويع شعب بأكمله، ويهدم البيوت فوق رؤوس أبنائه وقطع كل ما رباه هذا الشعب من شجر على مدى السنين الطوال ليقتات بثمره؟‏

سؤال ليس بجديد، بل لقد حار أهل العلم والفلسفة في الإجابة عليه منذ فجر التاريخ. هل المشكلة تكمن في تركيب الدماغ، وبالتالي فإن عوامل الوراثة والمورثات هي التي تشكل السبب الرئيسي لتلك الدوافع لدى بني البشر وتترجم هذه الدوافع إلى أفعال إزاء الآخرين من الناس؟‏

أم أن المشكلة هي في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يعيش الإنسان في ظلها، والتربية التي يتلقاها منذ الطفولة الأولى، وهذه كلها هي التي تقرر ما إذا كان سيسلك سلوكاً سوياً وإنسانياً إزاء إخوانه من بني البشر؟.. أم أن هذين العاملين معاً يكمنان خلف أسباب الجريمة؟..‏

لطالما نحت القوى المتسلطة إلى الإصرار على أن الخطأ إنما هو في المورثات (الجينات) التي يتوارثها الناس عن آبائهم وأجدادهم.‏

وبفعل حرص هذه القوى على إدامة استغلالها للآخرين فهي تصر على وصم طبقات معينة، بل وشعوب وعروق بأكملها بأنها متخلفة بطبيعة تركيبها الذهني الموروث وأنه لا سبيل إلاََّ إلى سوقها بالعصا والبندقية كأفراد وتحت وابل الصواريخ ومختلف أسلحة الفتك والتدمير كشعوب، وهذا ما نشهده الآن في بقاع متعددة من عالمنا العربي والإسلامي، وفي بقاع أخرى من قارات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.‏

غير أن حوادث التاريخ وتجارب الشعوب تدحض هذا الادعاء الظالم فالشعوب حين تعيش حياة استقرار يتضاءل في ظلها ذلك التفاوت المريع في مستوى المعيشة، وتنعدم البطالة ويحصل الإنسان على قوته ومأواه بكرامة، ويتمتع بما يغني ذهنه ويسمو بعواطفه فإن الجريمة تصبح حينذاك حدثاً نادراً إن لم تنعدم. أما حين يعامل الإنسان في مجتمع ما وكأنه الحيوان فلابد له بالتالي من أن يتحول إلى وحش مفترس.‏

شبكة "نوليدج نيوز" أعادت طرح هذا السؤال من جديد وخلصت إلى القول بأن عاملي المورثات والتربية لابدَّ وأنهما يشتركان معاً في تقرير سلوك بني الإنسان. جاء هذا الطرح بمناسبة صدور حكم ثانٍ بالإعدام ضد قاتل حيّر سلطات الأمن الأميركية حين ارتكب سلسلة جرائم قتل عشوائية ضد أشخاص لا يعرفهم ويصادف أن يكونوا في مرمى بندقيته فقد ارتكب هذا الشخص، واسمه جون آلان محمد جرائم قتل عشرة أشخاص قتلهم واحداً بعد آخر في منطقة العاصمة الأميركية واشنطن في العام 2002 إلى أن ألقي القبض عليه، الحكم الثاني بالإعدام صدر في ولاية ميريلاند مؤخراً، علماً بأنه سجين في ولاية فيرجينيا حيث ينتظر تنفيذ حكم آخر بالإعدام صدر ضده هناك.‏

تشير "نوليدج نيوز" إلى أن الحدث الدرامي الأبرز في المحاكمة كان حين شهد شريك القاتل ضده أثناء المحاكمة حيث واجهه بالقول: " لقد آويتني في بيتك، وكانت النتيجة أنك جعلت مني وحشاً كاسراً! وتعلّق نوليدج نيوز على هذه الشهادة بالقول إنها تثير السؤال: "ما هذا الخلل الذي يجعل من مثل هذا الشخص قاتلاً؟ من يعرف أي شرٍ يكمن في مثل هذه الأدمغة المشوشة؟"...‏

علماء العلوم العصبية، كما تقول الشبكة في مقال لها حول الموضوع، أخذوا يشيرون خلال العقود الأخيرة بشكل متزايد إلى أن هناك عوامل في تركيبة الدماغ أصبح بالإمكان اعتبارها بمثابة مؤشرات على ميل هذا الدماغ إلى العنف، غير أنه ليس هناك من عالم يجرؤ على القول بأن بالإمكان فهم هذه العوامل أو المؤشرات فهماً كاملاً.. بل إن العلماء يقولون إنه لو كان العقل البشري من البساطة بحيث يمكن فهمه فإننا نظل أكثر بساطة من أن نفهمه، جلّ ما يقولون هو أن الأبحاث قد دلت على أن عقول من يمكن أن نصفهم بأنهم شريرون إنما تعاني من خلل كيميائي حيوي يؤدي إلى فلتان زمامها.‏

يبلغ معدل وزن دماغ الإنسان مكتمل النمو هو (1400غ). غير أن لهذا الحجم الضئيل قدرة معالجة لا تجاريها أي قوة أخرى. فهو يحوي (500) ترليون توصيلة تشابك عصبي تنتظم في خرائط عديدة تتحكم بالقدرات اللغوية والحركية والبصرية والسمعية وغيرها من القدرات التي يتمتع بها الإنسان. أما ما يتولى تشغيل هذه التوصيلات العصبية الهائلة فهي عناصر كيميائية يطلق عليها مسمّى "الناقلات العصبية". وتتولى هذه نقل رسائل من خلية إلى أخرى في الدماغ ليعطي الأوامر المطلوبة.‏

هنالك ناقلتان عصبيتان من مجموع هذه الناقلات هما اللتان تكمن فيهما المشكلة لدى الأشخاص الذين يميلون إلى العنف في رأي أطباء العلوم العصبية هؤلاء. يطلق على أولى هاتين الناقلتين الكيميائيتين مسمى "سيروتونين"، أما الثانية فهي تدعى "نور أدرينالين".‏

يصنّف الأول، أي سيروتونين، على أنه بمثابة الترياق المهدئ الذي يصدر الأوامر للدماغ بألا يقلق، وبأن يفرح.والأدوية التي تعطى كمهدئات إنما تستخدم عادة لتساعد الدماغ على استخدام السيروتونين، إذ عندما يكون هذا الناقل الكيميائي العصبي عند المستوى الطبيعي فهو يمكّن الجزء "المتعقل" من دماغ الإنسان من التحكم بجميع الدوافع الغريزية بحيث يبقى ضمن الحدود المفيدة للفرد بما فيها غرائز الجنس والجوع والخوف والعدوان.‏

لا يمنع السيروتونين الإنسان بالطبع عن إشباع هذه الغرائز، ولكنه يتصرف ككابح لها بحيث يلجأ إلى كبح هذه الغرائز أو إلى التصرف بما يكفل إشباعها إن كان هذا هو التصرف المناسب. فإن تضاءلت نسبة السيروتونين عن النسب الطبيعية فإن الدماغ يفقد هذه الكوابح، مما يترك المجال أمام الدوافع والعواطف لكي يفلت زمامها وتتحكم بالتالي بالإنسان. أما إن زادت نسبة هذا الناقل عن المعدل الطبيعي فإن الإنسان يصاب بحالة وسواس قهري تغرقه في التفاصيل الصغيرة وتتضاءل بالتالي قدرته على اتخاذ القرارات.‏

أما الناقل العصبي الثاني الذي يشير أطباء العلوم العصبية إلى تأثيره على السلوك فهو "نور أدرينالين". فإن كان السيروتونين يتولى توفير الكوابح فإن نورأدرينالين إنما يمثل الوقود اللازم لتحريك شبكات التوصيل العصبي في الدماغ. إنه بمثابة الإنسان الآلي المثالي الذي يلوّح بذراعيه صارخاً ويحميها من أي خطر يواجه الإنسان.. فحين تتطلب الأحداث الخارجية إصدار أوامر للفرد بالتصرف الفوري فإن نور أدرينالين يمكّن الدماغ من التركيز على موضع الخطر، ويهيء الفرد للتصرف إما بالمواجهة أو بالهرب تجنباً للخطر. فهو الذي يعمل على إفراز مادة الأدرينالين وغيرها من العوامل الكيميائية الحيوية التي تهيء الإنسان لمواجهة المواقف والتصرف إزاءها بالطريقة السليمة.‏

فإذا زاد النورأدرينالين عن المعدل الطبيعي فإن الإنسان يصبح سريع الاشتعال مستعداً للقتال باستمرار. أما إذا انخفضت انخفاضاً غير طبيعي فإن الإنسان يصاب بالتبلد العاطفي.‏

باختصار، يعتقد العلماء بأن الأدمغة العنيفة لا تحوي المقادير الصحيحة من الناقلين العصبيين الكيميائيين سالفي الذكر، فانخفاض السيروتونين يهيء المسرح، إذ مع الافتقار إلى الكوابح الكافية يصعب على المرء التحكم بعواطفه وانفعالاته ودوافعه بما فيها دوافع العدوان.‏

وقد أجرى العلماء تجارب على متطوعين من جامعة "ميجيل" بمدينة مونتريال الكندية حيث عمدوا إلى تخفيض مؤقت في نسبة ما تحويه أدمغة هؤلاء المتطوعين من السيروتونين، وعند ذلك أظهر أولئك المتطوعون استعداداً أكبر لوخز أشخاص آخرين بصدمات كهربائية.‏

أما ارتفاع نسبة النورأدرينالين فهو يزيد الأمور سوءاً إذ إنه يجعل من يعاني من هذا الخلل أكثر اندفاعاً واستعداداً لارتكاب أفعال عنيفة قد تصل بهم إلى حد الجريمة.‏

ولكن أولئك الذين يرتكبون جرائم بدم بارد، مثل مرتكبي سلاسل الجرائم العشوائية، إنما يعانون، فيما يعتقد العلماء، من حالة خاصة لا تتصف بزيادة النورأدرينالين بل على العكس فهم يعانون من نقص في هذا الناقل العصبي، وهم يقولون إن دراسة جرت على مرتكبي جرائم قتل محكومين في ولاية كاليفورنيا الأميركية توحي بأن أولئك الذين ارتكبوا سلسلة متتالية، من عمليات القتل والجرائم التي تتسم بالوحشية والقسوة، والمختلون عقلياً ممن ارتكبوا جرائم عن سابق ترصد وإصرار لا يعانون من فائض في العواطف، العكس هو الصحيح فهؤلاء يعانون من نقص وتبلد في العواطف، وهم يعمدون لارتكاب هذه العمليات الوحشية لتحقيق شعور بالاستثارة العاطفية التي يفتقرون إليها كما تستخلص الدراسة.‏

هل نستنتج من كل ذلك بأن هؤلاء العلماء يستبعدون كلياً العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وعوامل التربية والتوجيه كأسباب لارتكاب الجريمة؟... يستدرك مقال "نوليدج نيوز" ليشير إلى أن الحالة الكيميائية الحيوية للدماغ ليست وحدها هي التي تقرر سلوك الإنسان، فعلى الرغم من أن من يعانون من خلل في الناقلين العصبيين سالفي الذكر قد يجدون صعوبة في التحكم باندفاعاتهم، فإن هذا لا يعني أنهم لا يستطيعون ضبطها كلياً. وأن مآلهم السجن جميعاً. فالأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد مورثات سيئة لتكوين شخصيات سيئة.‏

يعترف أخصائيو العلوم العصبية بأنه حين يتعلق الأمر بالدماغ فإن التربية تتساوى مع طبيعة تكوين الدماغ في الأهمية، وهم يقولون إن بني البشر لا يملكون ما يكفي من المورثات لبناء دماغ قادر على القيام بالعمل المعقد المطلوب منه... فمهمة المورثات هي أن تضمن وجود مادة دماغية لتكوين الدماغ مبدئياً. وبعد ذلك يتوجب على الدماغ، بتفاعله مع العالم المحيط به، أن يستخلص بنفسه أسلوبه الخاص في التعامل مع الأمور، وهذا ما يفعله الدماغ في الواقع. فالوليد يكتشف منذ الثواني الأولى لولادته رائحة أمه لأول مرة. وبناء على هذا الاكتشاف تتشكل شبكة التوصيل العصبي بعد ترجمة هذه التجربة، مثل هذه التجارب هي التي تشكل أدمغتنا باستمرار.‏

هذه الدروس الأخلاقية التي نحصل عليها من آبائنا وأمهاتنا ومربينا هي التي تستكمل تشكيل أدمغتنا بالنتيجة، وهذا الدفق الأخلاقي المستمر يؤثر على جزء واحد من الدماغ بالتحديد وهي الفصوص الجبهية الأمامية، وهي تقع خلف الجبهة مباشرة، وهذه الفصوص تجهد لكي تمنعنا من ارتكاب أفعال سخيفة، فإن تشكلت هذه الفصوص وتعززت بتجارب جيدة فإنها تدعم ما نتمتع به من حكمة بحيث تساعدنا على التحكم بأفعالنا وبرغباتنا الاندفاعية وتساعدنا على القيام بالتصرف الصحيح.‏

يعتقد العلماء بأن هذه الفصوص الجبهية هي التي تتولى تقرير أولويات ما يردها من معلومات وتدرس الخيارات القائمة أمامنا. وهي تعمل بعد ذلك على تزويدنا بسيل لا ينتهي من الخطط لمواجهة أمور الحياة. في هذه المنطقة من الدماغ تتم محاصرة أية اندفاعات هاربة قد تدفعنا لقول شيء لا يحسن بنا التلفظ به، أو ارتكاب فعل لا يجوز لنا القيام به، فهنا تتم عملية تقليب الرأي لتقدير نتائج وعواقب هذه التصرفات المحتملة. وبذا فهي تقودنا فيما نأمل إلى الالتزام بالصراط المستقيم.‏

يبقى أن نتساءل بأنه ما دام العلماء في بلد متقدم مثل أميركا يعتبرون وجود خلل في بعض الناقلات العصبية في الدماغ هو أحد العاملين الرئيسيين في ارتكاب الجريمة فهل نأمل بأن يستخدموا هذه الاستنتاجات ليساعدوا أبناء البشرية على توفير حياة آمنة مستقرة لكل من يسكنون على وجه هذا الكوكب؟.. أليس بإمكانهم مثلاً أن يخضعوا من يمسكون بزمام الأمور في البلدان المتسلطة لمثل هذه الاستقصاءات؟.. لقد تساءلت في رسالة الكترونية وجهتها إلى شبكة "نوليدج نيوز" فيما إذا كان بالإمكان إخضاع أشخاص مثل جورج بوش، وديك تشيني، وبيتر رامسفيلد، وكونداليزا رايس، لمثل هذه الاختبارات، وكذلك آرييل شارون الذي يغط الآن في غيبوبة عميقة؟..‏

حتى إعداد هذا المقال لم تصلني إجابة على هذا التساؤل على الرغم من أن الشبكة الأميركية تنوَّه باستمرار بأنها تحاول الإجابة على تساؤلات وتعليقات قرائها جميعاً. فإن لم يعمد العلماء إلى إجراء هذه الاستقصاءات على هؤلاء ألا يجدر أن تجرى على الأقل على كل من يتقدم مرشحاً لمثل هذه المناصب بحيث تصبح جزءاً لا يتجزأ من قبول ترشيحه؟..‏

ليت هذه الاستقصاءات تجري أيضاً على كل من يتسلطون على رقاب الشعوب في مختلف أنحاء المعمورة!.. ألن تصبح هذه الأرض بعد ذلك مكاناً أفضل يعيش على سطحها بني البشر جميعاً؟...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244