|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
العرب والعولمة الجديدة ـــ موسى الزعبي أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان عن التوجهات الجديدة لسياسة الولايات المتحدة التي فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، والتي سميت "مبدأ ترومان عام 1945)"، وقد جاء هذا المبدأ رداً على الأحداث في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتنفيذاً لأهداف السياسة الأمريكية الرامية إلى احتواء القوة العسكرية السوفياتية، والنفوذ السوفياتي المتزايد في المنطقة، على اعتبار أن الشرق الأوسط أصبح مسرحاً إقليمياً للحرب الباردة، لذلك اقامت الإدارة الإمريكية منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط بعد عام (1953)، تحولت السياسة الأمريكية إلى سياسة عدوانية في الشرق الأوسط، فأقامت الأحلاف، وصاغت المبادئ "حلف بغداد-الحلف المركزي-مبدأ مشروع ايزنهاور-مشروع دالاس-ومشروع روجرز، ومذهب نيكسون وإشكالية سد الفراغ في منطقة الخليج العربي-ومبدأ كارتر، مع تشكيل قوة الانتشار السريع-مشروع ريغان للتسوية في الشرق الأوسط وإنهاء الصراع. ومع صعود غورباتشوف إلى منصب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي بدأت ملامح التغيير الجذري في النظام العالمي تبرز، وبتطور الأحداث وتسارع الانهيارات في النظام السوفياتي على جميع المستويات، بدأت الولايات المتحدة ترتب نفسها لوضع جديد يمكنها من قيادة العالم، أو ما أطلق عليه الرئيس بوش النظام العالمي الجديد، طرح نفسه منذ البداية، على أنه أمر واقع ومعادلة قوة، وبالتالي فقد رسم الغرض للتطبيق القسري عسفاً وإجباراً وغصباً بدلاً من رسم التبني والبناء طوعاً واختياراً. أشعلت الولايات المتحدة حرب الخليج الأولى، بين إيران والعراق، ثم جاءت فضيحة إيران غيت، لتكشف المؤامرة الأمريكية على دول المنطقة، واحتل العراق الكويت، فشكلت الولايات المتحدة تحالفاً من (32) دولة شارك فيه العديد من الدول العربية، تحت ذريعة تحرير الكويت، وبالتالي أدى ذلك إلى تقوقع العراق داخل أسوار الحصار الأمريكي، وكانت الكارثة على الوطن العربي أنظمة ومقدرات نفطية بغزو العراق واحتلاله وهكذا، جرى في عام (1991) عقد مؤتمر مدريد، لمكافأة الدول العربية التي شاركت في الحرب على العراق لما يسمى بتحرير الكويت، وليكون ذلك المؤتمر مجرد واجهة لعملية تسويات فاشلة، والهدف تحقيق مكاسب جديدة للولايات المتحدة، والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، للوصول إلى إنهاء الصراع العربي –الصهيوني وإسقاط القضية الفلسطينية برمتها خاصة بعد انهيار اتفاق أوسلو، وتوالت الأحداث المخيبة للآمال معاهدات كامب ديفيد-مشروع هارفارد وإقامة الشرق أوسطية-بروز فكرة الشرق أوسطية-قمة الدار البيضاء الاقتصادية، قمة عمان... مؤتمر القاهرة الاقتصادي... الخ. وكانت الأهداف إعادة تعريف المنطقة-بناء تعاون إقليمي، وليس قومي عربي-تحقيق الاندماج الصهيوني بعد سلسلة من أعمال التطبيع، مع العديد من الأنظمة العربية-الدعوة إلى إنهاء المقاطعة الاقتصادية العربية المفروضة على الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة-وضع اليد الأمريكية على المنطقة نهائياً مع التركيز على عدم إحداث أي تغيير في المواقف والوسائل التي قد تؤدي إلى المساس بالثوابت الأساسية في السياسة الاستراتيجية للولايات المتحدة مهما تغيرت الإدارات وتعاقب الرؤساء، وأخيراً ضمان أمن الكيان الصهيوني حسب التصورات الصهيونية ومخططاتها التوسعية-.. لكن ستبقى هذه المواضيع الشغل الشاغل لبعض الباحثين، وتفكير بعض الساسة والمفكرين المخلصين، ومواقف المخططين في الاستراتيجية واقتصاديات العالم، وهنا لابد من الإشارة إلى موضوع العولمة الجديدة، بمحاورها الأساسية، حيث سينتج عنها المزيد من الأفكار والخطط والأساليب والآليات التي تتحكم اليوم، وحتى المستقبل المنظور بأوضاع العالم الصعبة، وإلى حين تبدأ تفاعلات تاريخ جديد في عصر قادم ضمن إطار ما يسمى بـ"النظام الدولي القادم"، وعلى امتداد عقود القرن الواحد والعشرين، متميزاً بموافاته الرأسمالية وآلياته غير المعروفة والتي ستتعامل مع مناطق معينة من الأرض كمجالات حيوية لا يمكن البتة الاستغناء عنها، لأسباب جوهرية واستراتيجية أساساً، وأبرزها المجال الحيوي للشرق الأوسط. والسؤال الآن ما الذي يمكن أن نلاحظه ونكتشفه في العولمة الجديدة؟.. وماذا سيحل بمنطقتنا العربية وبحالنا الحيوي الشرق –أوسطي، الذي نشكل نحن العرب مادته، بل ولحمته ومسراه؟.. بعد أن نلاحظ حجم الاهتمام الذي توليه الولايات المتحدة الأمريكية لمصالحها في الشرق الأوسط قبل أي مكان آخر في العالم؟ فما هي الانعكاسات المباشرة على عالمنا العربي –الإسلامي؟.. لما كان تقسيم العالم المعاصر على أساس شمال –جنوب، أو غني –فقير، أو متقدم- متخلف، بعد أن مضى عصر الكتلتين الشرقية والغربية، وما بينهما العالم الثالث، في القرن العشرين، فإن العلاقة الجديدة، هي: امتحان تاريخي للعولمة الجديدة، لاسيما إذا عرفنا بأن سكان الأرض تتوطن عالم الجنوب، وفي خضمه، مئات الملايين من المسلمين، وفي أبرز مواقعه الجغرافية، منطقة الشرق الأوسط، بثقلها العربي-التركي-الفارسي، ومجالها الحيوي في الاستراتيجية الاقتصادية، وفي ظل النظام الجديد، والقادم. يرى الشمال أنه لابد من لجم الجنوب المتخلف، وسحب البساط من تحت أقدامه كيلا تؤثر سياسته أو سياساته على الشمال المتقدم، ويبدو واضحاً أن الصلات السياسية السابقة قد تقطعت بين الطرفين اللذين أصبحا ضدين، حتى وإن سار الجنوب في رعاية الشمال، نظراً لتباين المصالح والثقافات والأساليب المتنوعة. ففي النظام الدولي القادم، ستفرز العولمة الجديدة ثلاث مناطق تقع ضمن ماكان يسمى بـ(العالم الثالث) سابقاً، كما لم يؤخذ العالم الإسلامي في الحسبان، سواء في التصنيف الجيو سياسي، أو الاستراتيجي المستقبلي. *-الدول التي تقع على خطوط التماس المباشرة بين عالمي الشمال والجنوب ونجد فيها دولاً، مثل كوبا، والمكسيك، والمغرب العربي وتركيا وإيران والهند والصين.. وسيكون خط التماس خطراً في ذروته، وفيه دول إسلامية مهمة جداً، وستصير هذه الخطوط موضع اهتمام الشمال كونها تمثل مناطق عازلة تتنازعها الصراعات والتناقضات في تجارب سياسية واقتصادية، ومهمتها امتصاص تلك الصراعات، وإذابة الفوارق القائمة بينها، وتحد من قدرة عالم الجنوب على التدافع نحو عالم الشمال. *-جنوب أفريقيا والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، اللتان تشتملان على محطات تجارية واقتصادية وسياسية، لصالح عالم الشمال، نظراً لارتباطهما بمصالح متبادلة من ناحية، وبمصالح دولية مع عالم الشمال من ناحية أخرى، ولعل الكيان الصهيوني أبرز ما يهم العالم العربي –الإسلامي كثيراً، نظراً لحالة الصراعات التاريخية بينه وبين العرب على امتداد أكثر من خمسين عاماً. *-في أعماق عالم الجنوب، حيث تنتشر الأراضي المجهولة، سيسود التمزق والتوحش والجوع، مثل ليبريا والحبشة والصومال والسودان، و... مع استشراء العنف والفقر والتطاحن، ولا تعني هذه شيئاً بالنسبة لعالم الشمال إلا بمقدار ما تخفيه من نتائج. *-الدول المتخلخلة سياسياً واقتصادياً وأيديولوجياً، ومهما كان الطابع الذي يعطيها، فهي متعرضة للمخاطر، خصوصاً، وإن مثل هكذا دول كانت مستفيدة من التنافس القائم بين العالمين الرأسمالي الليبرالي والاشتراكي الشيوعي في الشمال نفسه، إذ كان العالم الثالث، يقع تحت تأثير اتجاهين: يكمن أولهما في التحويل من الاستقطاب الثنائي إلى المتعدد، ويكمن ثانيهما في المحافظة على العوامل المولدة للنزاعات والصدامات على أهميتها في هذا العالم. ولعل من أبرز هذه الدول، المتخلخلة، العربية الإسلامية، مصر والعراق والباكستان وسوريا والسعودية وأندونيسيا. ولعل من أبرز من تأثر بالتحولات التاريخية الكبرى للعالم في تسعينيات القرن العشرين من الدول العربية والإسلامية عدة مناطق استراتيجية وساخنة. آ-تبدأ بالعراق بعد أن نفض عنه بقايا حرب الخليج الأولى باشتعال حرب الخليج الثانية، غزوه واحتلاله من قبل القوات الأمريكية، وهو من الدول المتخلخلة سياسياً، والمهمة جداً في استراتيجية الغرب أولاً والشرق الأوسط ثانياً.. فضلاً عن أهميته الاقتصادية في المستقبل، نظراً لحجم احتياطاته من النفط والغاز الهائلة... وقد تحمل ثقل مشاكل التحولات وإشكالياته في قلب العالم. ب-أما في الشرق، فقد كانت أفغانستان ولم تزل تعاني من تشرذمات الحرب الأهلية والصراعات الداخلية نتيجة تخلخلها الإيديولوجي وهي من دول المواجهة بين عالم الإسلام وعالم الشمال... وقد ورثت الصراع الأهلي من خلال الانقسامات الدينية والطائفية بعد أن شهدت سلسلة انقلابات إيديولوجية-عقائدية... ج-أما في مغرب العالم الإسلامي، فتزداد المعضلات الداخلية سوءاً، ممثلة في الجزائر التي تخلخلت فيها السياسة الداخلية بين المجموعة العسكرية الحاكمة، وبين فئات الأصولية المتشظية... أما ردود الفعل العربية-الإسلامية إزاء العولمة، فيمكن تلخيصها فيما يلي. لعل أبرز ما يمكننا استخلاصه في دراسة العولمة الجديدة وانعكاساتها على منطقتنا بالذات: *-اضمحلال الأمن الاقتصادي، بفعل التنمية المفقودة، وعوامل الانتشار، والحروب الخاسرة، وضعف الإنتاج، وتفكك العلاقات الاقتصادية، وفشل العرب "والمسلمين معاً"، في تأسيس أية سوق اقتصادية إقليمية مشتركة... فضلاً عن الاستثمارات المالية في الغرب، والانفاقات الطائشة على الجيوش والتسلح، والإعلاميات الكاذبة، والحركات السياسية والانقلابات... وعلى الاستهلاكات والكماليلات... الخ. *-تفكك النمو الإيكولوجي. وقد نجم هذا التفكك بفعل ضعف النمو الاقتصادي، إذ كان لابد أن يخطو العرب والعالم الإسلامي معاً خطوات واسعة في النمو الصناعي، وزيادة الإنتاج والطاقة، والعمل على مكننة الزراعة، وعلى الاستثمارات فيها. *-انعدام اللغة التحديثية المشتركة بين عالمين اثنين، أولهما مركزي بيده مقاليد العصرية والإنتاجية والمدينية والحضرية والرأسمالية وثانيهما هامشي تؤثر فيه جداً انعكاسات السالب دوماً من تفاعلات المركزية وتداخلاتها. وهو يرزح تحت وطأة التخلف السياسي والاجتماعي، والضعف الاقتصادي. *-لقد أثبتت الأحداث التي ترجمت حركة التحولات في السنوات الأخيرة أن المنظمات السياسية والاقتصادية لبلدان الجنوب "أي العالم الثالث وبضمنه العالم الإسلامي، وبضمنه العالم العربي"، أنها لم تكن سوى أندية سياسية استعراضية أو هشة، أو ملتقيات لخطابات وشعارات أو قاعات يتبادل فيها الأعضاء الأحاديث الودية، وإصدار البيانات والإعلانات لا غير.. *-لقد أثبتت صور الأحداث السياسية والتكتلات الدولية والإقليمية في القرن العشرين، التفكير السياسي المتعاكس لرجالات وقادة العالم العربي والإسلامي، والعالم الثالث بشكل عام، في النصف الأول من القرن العشرين، وتبايناته المختلفة في النصف الثاني منه، كما أظهرت المقارنة بين ماكان يدركه رجالات النظام السياسي القديم وبين رجالات رياديين في العالم العربي-والإسلامي، تبدلت مفاهيمهم وأساليبهم وضعفهم في التعامل مع الغرب... *-لعل أبرز ما يحتاجه العرب والعالم الإسلامي قاطبة، لمواكبة التحولات الكبرى، ومجابهة التحديات الجديدة التي سيفرضها النظام الدولي القادم، من خلال التنمية السياسية والتنمية الفكرية... *-تطبيق التعددية الديمقراطية، وإلغاء قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد والإفساد، وإطلاق الحريات العامة، وفتح المجالات أمام الصحافة الحرة، غير المرتبطة بأجهزة القمع والتزييف، وممارسة الديمقراطية الحقيقية، ورفع الوصاية على الجماهير، ومحاولة إيجاد سبل للتفاهم مع العالم دون الانفلات ودون فقدان الثوابت. وإن أهم مايمكن مراعاته والتفكير فيه، ضمن إطار الأولويات التي يستوجب معرفتها في العولمة الجديدة: *-العناصر التاريخية في بناء النظام الدولي القادم، ومعرفة التجارب والممارسات التي طبقت بين عالمي الشرق والغرب... ثم معرفة الأساليب التي تعامل بها الغرب مع الشرق في تواريخ متنوعة، سواء في محيطنا الإقليمي الشرق أوسطي، أو عالمنا الدولي، وذلك من خلال رحلتين تاريخيتين، في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. إن هكذا معرفة متجددة، ستعطي المزيد من المفاهيم الرؤيوية الأساسية في القدرة على التنبؤ لما سيواجه العرب من تحديات تاريخية في القرن القادم، من أجل بناء المستقبل. *-كيفية التعامل مع المشاريع المطروحة بكل ثقة لاختراقها والاستجابة لتحدياتها الإيجابية والسلبية.. *-التفريق الملزم للعرب والمسلمين أجمعين في دولهم وعوالمهم وبيئاتهم المتعددة، بين السياسات الأمريكية والسياسات الأوربية، إذ ظهر الغرب لأول مرة، وقد انقسم على نفسه، وغدت بعض الدول الأوربية ليس على اتفاق أو تفاهم تام مع الخطط الأمريكية. *-لعل أهم مايمكن تأسيسه لمواجهة التحديات الرأسمالية القادمة؛ كتلة اقتصادية، عربية-إسلامية، تتألف من وحدات إنتاجية وأسواق حيوية، سواء على مستوى إنتاج بضائع مشتركة، أو تسويق منتجات معينة، وإقامة مناطق تجارة حرة بين الأعضاء لدعم العلاقات السياسية والاقتصادية... ووضع إطار لخفض التعرفة الجمركية. *- تشكيل مجلس على مستوى وزاري "ومن ثم رئاسي فيما بعد" بين دول المنطقة (العربية والإسلامية) لتفعيل المجال الحيوي للمنطقة وتحريك قوته من أجل الإشراف والتنسيق وإعادة النظر في قضايا مشتركة وأساسية وتشجيع فرص الحوار، للقضاء على الخلافات الإقليمية والاقتصادية. *-تأسيس شبكة مواصلات برية متطورة بين بلدان العالم الإسلامي من أجل الاستفادة من المجال الحيوي لها.. *-تأسيس برلمان عربي-إسلامي موحد، تجتمع فيه نخب المثقفين والساسة والمفكرين، لمعالجة السياسة الدولية والإقليمية، شريطة تمتعه بصلاحيات واسعة من أجل إيجاد حلول للمشاكل المطروحة ومن أجل فهم جديد للمصالح الدولية والإقليمية!.. إذا كان سمة العصر القادم، هي (الرأسمالية الجديدة) واقتصاد السوق، وشروع العالم بنظام الخصخصة الاقتصادية، فلابد من استيعاب قوة التحولات الخطيرة الجارية في العولمة الجديدة، من بنية النظام السياسي العالمي، إلى بنية النظام الاقتصادي العالمي، وتحديد تفاعلات ثلاث استراتيجيات قوية: 1ً-أبرز القوى الاقتصادية –(الرأسمالية) التي سيكون لها تفاعلات مبررة على امتداد الخمسين عاماً القادمة، ممثلة بثلاثة عوالم اقتصادية قوية جداً، هي!عالم أمريكا الشمالية، وعالم أوربا الاتحادية، وعالم آسيا (القصية). 2ً-أبرز المناطق النفطية الثرية في القرن الواحد والعشرين، متمثلة بالدوائر الجغرافية الخليجية "الخليج العربي"... والمنطقة بحاجة إلى نوع من الائتلاف والتضامن والتآزر من أجل المصالح الإقليمية والعربية والإسلامية. ولقد كان من أبرز ما أنتجته السياسات الغربية في منطقة الشرق الأوسط، وتفاقم دور مجاله الحيوي من خلال مقارنة ذلك بين الخمسين سنة الأولى من القرن العشرين وبين الخمسين سنة الثانية منه: ثمة مشاريع دولية أو إقليمية لم يستطع العرب والدول المحيطية التعامل معها، سواء في مجابهتها، أو الاستجابة لتحدياتها، أو احتوائها، ولعل أبرز ما واجه الشرق الأوسط، بشكل خاص: 1ً-الحركة الصهيونية وتفاقم مخاطرها... والصراع العربي-الصهيوني متمثلاً بالحروب العديدة، وقد أنتج هذا التحدي التاريخي، مثلثاً للأزمات ساخناً ودموياً في قلب المجال الحيوي لدول المنطقة. 2ً-التحديات الاستعمارية ضد الأمة العربية والعالم الإسلامي مجسدة قوتها في المجال الحيوي للشرق الأوسط، والرد عليها بكفاح مسلح في إطار ما يسمى بحركة التحرر العربية من أجل الاستقلالات الوطنية، على حساب التوحد القومي، ثم انبثاق الصراعات السياسية والإقليمية الساخنة بين الأنظمة السياسية للشرق الأوسط، وبين النظم السياسية العربية في إطار ما سمي بـ"الحرب الباردة العربية"-ثم الصراعات الإقليمية نتيجة الخلافات الحدودية والاقتصادية، وكان من أعتاها وأقساها ما سمي بـ"حروب الخليج" وصولاً إلى الحروب الأهلية السياسية والطائفية والتمزقات الداخلية سواء في اليمن أم لبنان، أم الجزائر، أم العراق..الخ. 3ً-أما سياسياً، فثمة تجارب ومشاريع إقليمية ودولية، كان للغرب دوره وشراكته الأساسية في صنعها، والاضطلاع في تأطيرها وإنتاج سيناريوهات، وصار لها أثرها البالغ على مصائر المجال الحيوي للشرق الأوسط. في إطار التحولات التاريخية للعولمة الجديدة وتوسع المجال الحيوي بين مثلث الأزمات، إلى مربع الأزمات، في الشرق الأوسط، يتمثلان بالمشروع الشرق أوسطي، والمشروع المتوسطي.. أمريكياً للأول وأوربياً للثاني، تمهيداً لبناء صيغ جديدة أمريكية وأوربية ضمن مفاهيم عصر قادم في إطار العولمة الجديدة. فإذا كان العرب والمسلمون يدركون مخاطر العصر القادم، فهل باستطاعتهم مجابهة التحديات المستقبلية، واستيعاب زخمها والاستجابة لها من خلال مايمكن أن يفعلوه؟.. لقد أبرزت الأحداث منذ عام (1990)، وحتى اليوم أن أبرز العوامل في حدوث التغيرات الدولية وتبدلات النظام الدولي، كان بفعل استراتيجية الخليج العربي النفطية في المقام الأول، وبعدها فجأة تنهار الاشتراكية من خلال أنظمتها التي لم تحافظ أبداً على كياناتها وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، وحلف وارسو: ثمة ملاحظات أساسية لابد من تسجيلها بخصوص المنهج والرؤية قبل تحليل الموضوع والخروج بالاستنتاجات التي ستفيد حتماً في قياس المتغيرات المستقبلية إزاء التطورات الحاصلة في مدار (العولمة الجديدة) فما هي هذه الملاحظات. أ-الشرق الأوسط، سيصير من أبرز المجالات الجغرافية الحيوية في القرن الواحد والعشرين، وخصوصاً منطقة الخليج العربي، نظراً للاستراتيجية، الاقتصادية "البترولية المختزنة" ودور النظام الدولي القادم في رؤيته ومخططاته إزاء ذلك. ب-لابد أن نشير أيضاً إلى حجم ما كتب ونشر بلغات عدة في السنوات المتأخرة عن منطقة الخليج العربي في جوانب عدة استراتيجية وسياسية واقتصادية وحربية وبيئية واجتماعية.. الخ.. مما يدل على مدى ثقل هذه المنطقة استراتيجياً، وأهميتها في الحاضر والآتي من السنين بالنسبة للعولمة الجديدة. ج-لابد أن يتم التركيز في مثل هكذا (موضوع) على (قضايا) أساسية يعالجها التفكير، وتشخصها الرؤية الجديدة لما سيكون ضمن النطاق (الرأسمالي) القادم، أو نطاق استراتيجية (العولمة الجديدة). د-إن القضية الأساسية التي تفرض نفسها في معالجة مثل هذا النوع إنما تتعلق بدراسة (الموضوع) كوحدة جغرافية –خليجية مستقبلية-. هـ-لابد من التركيز في التحليلات على الأنظمة المنهاجية في دراسة المستقبليات لمنطقة الخليج العربي، كجزء من المجال الحيوي للشرق الأوسط: الاستراتيجية-الاقتصادية، والتكوينات السياسية. ضمن إطار المتغيرات الدولية (العولمة الجديدة). و-وأخيراً رسم الصورة المستقبلية للمنطقة من خلال الاستنتاجات التي ستشكل كوة نافذة ومهمة نحو المستقبل في إطار متغيرات العولمة الجديدة ومؤثراتها. لقد مرت منطقة الخليج العربي بفترات حرجة للغاية، سياسية، وحربية منذ عام 1974 –وبالتحديد بعد أن رفض العرب مشروع كيسنجر الذي خطط له مع البنتاغون، ليكون المشروع جاهزاً لاحتلال مناطق البترول العربية على الخليج، بدعوى التدخل الودي الوقائي لتأمينها، وتمَّ وضع (الخطة) في شهر كانون الأول عام (1974)،وقد شملت الهيمنة العسكرية براً وبحراً وجواً، وكانت الأسباب والحجج والذرائع عادة ما تمر من خلال (مبررات) دولية في إطار صراع القوتين العظيمتين آنذاك بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولاشك أن للخليج العربي أهميته الجيو سياسية وبخاصة مع وجود كيانات سياسية متنوعة في قوتها الإقليمية التي تقسم إلى قسمين: 1-دول إقليمية قوية ومؤثرة إقليمياً في الخليج العربي، كالعراق وإيران والسعودية. 2-دول صغرى متمكنة ومؤثرة محلياً في الخليج العربي –كالكويت والبحرين وقطر والإمارات. لقد أضفى وجود البترول بكميات هائلة، أهميته الاقتصادية عالمياً من الدرجة الأولى، على منطقة الخليج، ومع زيادة عائداته والرغبة في التنمية الداخلية مع وجود نقص في السكان، أصبحت (المنطقة) سوقاً للعمالة الإيرانية والآسيوية والعربية، ومجالاً خصباً للخبراء الغربيين (الأمريكيين خصوصاً). كما أن الناحية العسكرية لدول الخليج (باستثناء) العراق وإيران، والسعودية إلى حد ما". هي نقطة ضعف لعدم فاعليتها وعجزها عن توفير الدفاعات عن الخليج العربي، وعن المصالح الوطنية القومية للدولة. وعلى الرغم من الكوارث التي مرت في المنطقة، وخصوصاً بين العراق وإيران، والكويت ثم غزو العراق واحتلاله من قبل قوات الولايات المتحدة وبعض حلفائها، فلم تكن، الحرب الخليجية الأولى (العراقية-الإيرانية (1980-1988) ولا الحرب الخليجية الثانية (التحالفية الدولية –العراقية (1990-1991)، ثم قيام الولايات المتحدة وبعض حلفائها بغزو العراق واحتلاله، عام (2003) من المؤثرات الوحيدة على أمن المنطقة في نهايات القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، بقدر ما ستعكسه نتائجها وآثارها على مستقبلها في مطلع القرن الواحد والعشرين ولكونها من المؤثرات الرئيسة في رسم خطوط المستقبل للشرق الأوسط، وهناك الكثير من العوامل الجيو سياسية والاقتصادية، المهددة لأمن المنطقة، يقف على رأسها استراتيجياً كل من الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة والبترول –ناهيكم عما تعانيه دول الخليج العربي مثلها في ذلك، مثل باقي دول العالم الثالث من المشكلات السياسية والأزمات الاجتماعية والآثار الاقتصادية وأبرز تلك المشاكل والأزمات هي: 1-التفاوت في المستويات الثقافية والتكوينات الحضارية. 2-تداخل التخوم والأرخبيلات والسواحل والجزر والحدود الجغرافية. 3-المساحات الجغرافية الشاسعة وأنواع السكان. 4-الانقسامات الدينية والطائفية وجذورها التاريخية. 5-التنظيمية القبلية وتفاوت الانتماءات والولاءات بالنسبة للنظام السياسي. إن التجزؤ والتنافس الإقليمي الخليجي، يمر اليوم عبر مسارات أربعة، تتمثل بـ: 1)-السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، البحرين. 2)-عمان، قطر (على الرغم من تجمع مجلس التعاون الخليجي). 3)-العراق. 4)-إيران. وعلى الرغم من تباين النظم السياسية، فإن (الاتجاهات) أعلاه قد كرستها الأحداث المأساوية-الإقليمية التي مرت بالمنطقة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ورسختها في العمق: الإيديولوجيات السياسية المتنافرة بين دول الخليج العربي. معنى ذلك: أن هناك تفاوتاً هائلاً في المرجعيات التاريخية والمفاهيم والمواقف السياسية التي تعكسها مؤثرات إيديولوجية وعقائدية وتاريخية ومذهبية. لذلك، سيبقى التبعثر الإقليمي الخليجي، رهان (العولمة القادمة) في اختراق رأسمالية الغرب للتكوين الإقليمي الخليجي وسهولة ضبطه وتأمين المصالح فيه على مدى سنوات قادمة. مادام هذا (التجزؤ) الإقليمي، يحكم منطقة الخليج العربي، ضمن علاقات متنافرة في نهايات القرن العشرين، فإن المجابهة الحقيقية للتحديات الدولية القادمة لا تتم استراتيجياً، إلا من خلال (التكامل الإقليمي) بين مختلف الأطراف، وخصوصاً في جانبين أساسيين اثنين: أولهما: "السياسة الإقليمية" وثانيهما "التكامل الاقتصادي" لتوفير شروط تحقيق الحد الأدنى في ذلك. إن مشروع التكامل الإقليمي،كان سيجد مناخه ملائماً جداً نحو تحقيق بعض جوانبه الأولى-لولا ما عصف بالمنطقة من أحداث منذ عام (1990) والتي أبعدت الثقة بشكل مروع، ليس بين العراق وجيرانه الخليجيين فحسب، بل بين جميع أعضاء هذا التجمع الجيو-إقليمي، بانتزاع الثقة، وترسيخ أزمة المشاكل القائمة علماً بأن الأحداث التي جرت منذ عام (1990) قد وسعت من حدة التمفصل الإقليمي بين مختلف الأطراف ناهيكم عن التمييز أو التمايز في طبيعة الأنظمة الاقتصادية المعمول بها فالبلدان الخليجية تعمل أساساً على مبادئ (الاقتصاد الحر) والعراق، يعمل على مبادئ (الاقتصاد الاشتراكي والمختلط) وإيران تعمل على مبادئ الاقتصاد الديني). ثماني دول، تشكل هيكلية النظام الإقليمي في منطقة الخليج العربي، وهي : الإمارات العربية المتحدة، قطر، عمان، العراق، الكويت، العربية السعودية، إيران، وسماتها أنها متقاربة إقليمياً، ومتلاصقة جغرافياً، ومطلة على سواحل الخليج العربي، وإن ما يميز هذه (الهيكلية الجغرافية)، أنها مليئة بالبترول، لكن يحكمها التنافر والتباعد السياسي "فيما عدا دول مجلس التعاون الخليجي نسبياً". ناهيكم عن الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تميز هذا (النظام) بفعل جغرافية وتاريخية وسوسيولوجية. إن هذا المحيط الإقليمي الخليجي يفيض بأهم سلعة يحتاجها العالم على مدى عقود من السنين، وعليه، فإن ذلك المحيط الإقليمي يمثل أهم مجال حيوي في الاستراتيجية القادمة للعالم المعاصر، يستقطب الاهتمام والمصالح الدولية بالنسبة لحاجة العالم كله إلى النفط. إن ذلك معناه، التحول استراتيجياً، أي أن الإقليمية الخليجية ستغدو مركز الثقل الدولي العالمي في القرن الحادي والعشرين. لكون النفط سيبقى قوة اقتصادية متعاظمة تكون مدعاة لخلق استراتيجية قوة سياسية في تسيير النظام العالمي. إن طبيعة الحكم يقوم أساساً على مبدأ التضامنيات غير الرسمية التي تعني: تلك القوى الاجتماعية التي لا تعبر عن نفسها إلا ضمن مؤسسة الحكم، بواسطة رؤساء معنيين تعترف الدولة بهم ومكانتهم الاجتماعية. ويمكننا التعرف على طبيعة الحياة الخليجية المعاصرة، من خلال تبيان القوى الخارجية والداخلية المؤثرة، أو كليهما معاً، على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، عند بداية القرن الحادي والعشرين. كما يمكن توضيح ذلك من الناحية النظرية، بتصور التعارض بين المواريث التقليدية، وبين كل ماهو دخيل وغريب وجديد، ثمة عوامل فعالة ومؤثرة أدت بسرعة إلى بلورة أنماط جديدة في الحياة الخليجية لم تكن مألوفة قبل حوالي ثلاثين سنة، إذ تباينت تلك الحياة عما كانت عليه في الستينيات من القرن العشرين مع ما آلت إليه في التسعينيات من القرن نفسه، وبداية القرن الحادي والعشرين، والسبب واضح تمام الوضوح في حدوث تلك (التحولات) ألا وهو (البترول) الذي بدئ باستخراجه وتسويقه بغزارة |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |