|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الماضي في قصائد شعراء الرومانسية ـــ د.راتب سكر يقوم التأثر بالمدرسة الرومانسية الأوربية بدور مهم في صياغة الاتجاه الرومانسي في الشعر العربي في القرن العشرين, وتبدو إضافة هذا الاتجاه إلى صيغة التأثر منسجمة مع حالة الاختلاف في مستويات تجلياته بين مرحلة وأخرى, وشاعر وآخر, وهو اختلاف محكوم بعناصر عديدة, أبرزها التكوين الشخصي وقدراته الذاتية والموضوعية في الانفتاح على مقولات مذهب أدبي وافد من الغرب, يجد بها الأدب العربي صيغاً مناسبة لمشروعه في تحقيق هويته على دروب نهضته الحديثة. وعندما يكون الانفتاح المذكور خجولاً, يغدو تميز الطوابع الرومانسية عن نظائرها الكلاسيكية الجديدة أكثر صعوبة, وتتعمق خطوطه ـ على سبيل المثال ـ في قصائد عمر أبو ريشة ووصفي قرنفلي, وتكون جلية الملامح في قصائد نديم محمد وعبد الباسط الصوفي ود. علي الناصر ومحمد الماغوط وغيرهم. تبدأ المفارقة في تشكيل الموقف الشعري المتأثر بالرومانسية, من طبيعة الإحساس بالماضي والحاضر بالنسبة لسيرورة الزمن, يندمج الزمنان الشخصي والاجتماعي في سياق واحد مثخن بالجراح, يستدعي الماضي لإنقاذه لمساعدته, أو يفر إليه باحثاً عن ملاذ, معبراً في الحالتين عن غربة في زمانه, يبدو صوتها الأوضح في النص, مقللاً من شأن التلويح برايات الماضي لدروب النضال المستقبلي, مبالغاً في تصوير الفجيعة بالراهن مبالغة تنكسر في مرايا دموعها الأنفة والكبرياء الأثيرتان لدى شعراء الكلاسيكية الجديدة أو النزعة الإحيائية, ومنهم محمد البزم وبدر الدين الحامد وغيرهما. تحفل الموضوعات الرومانسية في الشعر بمشاعر عدم الارتياح والنفور من الواقع المحيط, مندفعة من رحابه المزروعة بالخيبة والمرارة, إلى حقول الماضي الغافية في أحضان المجد والقداسة. ذلك الاندفاع الذي منحته الرومانسية الأوربية جدارة تمثله لموقفها من عصرها المدان. تبرز في قصائد الشعراء, حماسة التغني بأمجاد الماضي التاريخي, ومآثر أبطالها, وأخلاقهم الحميدة, وجعلها مثالاً أنموذجاً يفتقد تألقه في الواقع الراهن المظلم, تشكل الموازنة بين الماضي الوطني التاريخي الزاهي والحاضر المثقل بالأوجاع, أحد البواعث الأساسية للتغني الشعري بالماضي, ملبية نزعة التمرد الرومانسي الحاد على واقع راهن تسوده الشرور والمفاسد. يعبر الشاعر الألماني هاينريش هاينه (1797 ـ 1856) الذي عاش في باريس وكتب بالفرنسية والألمانية, عن دلالات تلك الموازنة في الأدب الأوربي فيقول: "ربما كان عدم الرضا عن عبادة المال المنتشرة اليوم, والبرم بوجه الأنانية الشائه الذي يرونه قابعاً في كل مكان, هما اللذان دفعا في أول الأمر بعض شعراء الرومانسية في ألمانيا ـ على شرف مقاصدهم ـ إلى الاحتماء من الحاضر بالماضي وإلى الدعوة للعودة إلى القرون الوسطى"(1). حفل الشعر العربي في خلال النصف الأول من القرن العشرين بصور التغني بالماضي واستدعائه, فعبرت قصيدة الشاعر شفيق جبري "صيحة النبي"(2) ـ على سبيل المثال ـ, عن سخطه على الواقع العربي الذي عاشه, وتمرده على مساوئه, يتطلع إلى قيم الرسول العربي الكريم (ص) ودوره في إعلاء كلمة الحق ونهضة العرب، ليصل في المقطع الأخير من القصيدة إلى موازنة الماضي التاريخي العزيز والحاضر الراهن الذي يكبل الأمة بالأوجاع والأحزان, فيقول:
ويشارك الشاعر خير الدين الزركلي في البكاء على عصره, فيعود عام 1922م في قصيدته "يا زمان"(3) إلى ماضي أمته العربية باحثاً عن الأمجاد الزاهية متسائلاً عن فرسان بني أمية وبني العباس الذين شادوا صروح الحضارة تزهو بها العصور الماضية, ويناديها الشاعر من واقعه المكبل بالأسى فيقول: "أين بنو أمية الفاتحون. ينتقمون؟ أين بنو العباس, أهل الفنون. يحتكمون؟" هذا التوق إلى الماضي لدى جبري والزركلي يترافق بدموع تحجب رؤية المستقبل في أحيان كثيرة, فتغدو العودة إليه بحثاً عن ملاذ, يضعف معها صوت التبشير في الأدب. إن مثل هذا الصوت الذي تجعله الإحيائية ـ الكلاسيكية الجديدة معياراً توازن بوساطته العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل, وتقدمه الواقعية إلى مقدمة رسالتها, يبقى في جو الرومانسية مغلولاً بقيود الخيبة واليأس, فيستبدل به الشعر غالباً ذلك البحث المحموم عن ملاذ, يجدونه في إحياء الماضي الغائب وقلوبهم منكسرة, والعيون تغطيها الدموع الساخنة والنظرة الظامئة إلى الفرار من جحيم لا يطاق. إذا كانت الرغبة في إحياء الماضي تتقدم هم القصيدة لدى شعراء النزعة الإحيائية, فالتأسف والتهلف غايتان غالبتان لدى شعراء النزعة الرومانسية, ينشغلون بهما عن التفصيل في صياغة مشروع المستقبل, ولعل الموازنة بين قصيدة بدوي الجبل "على أطلال الجزيرة العربية"(4) ـ المذكورة في الأوراق السابقة ـ وقصيدة نسيب عريضة "على الأطلال"(5) تعبر عن ذلك الملمح من ملامح التمايز بين النزعتين, مع الإشارة إلى كتابة القصيدتين في مرحلة زمنية واحدة تمتد بين عامي 1918 ـ 1924. يبدأ الشاعران مطلعي قصيدتيهما بالفعل "عفا" لبيان واقع حال الماضي وبينما يسرع بدوي الجبل في القسم الثاني من المطلع إلى تقديم مشروع لإحياء ما عفا واستنهاضه, يسترسل نسيب عريضة في التأسف على الماضي والتهلف إليه, والتعبير عن فقدان الأمل في عودته, وفي الفقدان المذكور عنصر بارز من عناصر المفارقة بين الحالتين, مما يقوله عريضة:
فتأسَّفا!". لا تعني عناصر المفارقة في رؤية الماضي وأطلاله بين الاتجاهات الأدبية تغييباً مطلقاً لمقومات العنصر ومنحه استقلالاً ناجزاً وحاسماً, فالرؤية الشعرية في هذا المجال تقوم على التغليب بدلاً من التغييب, تتأكد أطروحتها بقراءة متأنية لأعمال الشعراء المذكورين في سياق هذا البحث, وأعمال عدد من معاصريهم في النصف الأول من القرن العشرين, ومنهم خليل مردم بك, وعلي الناصر وأنور العطار. وقد استمرت مقولات تلك الأطروحة بصيغ متنوعة مع العديد من شعراء النصف الثاني من القرن العشرين, ما دام ذلك التوق إلى الماضي يؤجج جذوته في لحظات الغربة والمحن, ومن هنا تراه يستمر في أطر تاريخية لاحقة مع الأجيال التالية من الشعراء, فيدين محمد الماغوط أخلاق عصره وتمرغها في الوحل, تائقاً إلى ماض ينقذ من عذابات الراهن, يحلم في قصيدته "المصحف الحجري"(6) بماض يراه أكثر نقاء وبراءة وإنسانية من العصر الجديد الذي يعيشه. وصورة هذا الماضي في قصيدة الماغوط تشبه نظيرتها في قصائد شعراء الرومانسية في الغرب, مفضلة قيم عصر الفروسية القديم على عصر الشاعر, مقربة رؤى الشاعر العربي من الأناشيد الغربية في هذا المقام, يقول الماغوط: "سأبتر قدميّ من فوق الكاحلين وألقي بهما في الأنهار في صناديق البريد وأظل أقفز كالجندب حتى يعود عصر الفروسية والإنذار قبل الطعنة". يجد محمد الماغوط في الماضي عصر الفروسية والرومانسية الذي يحن إليه, يتمنى في قصيدته "وجه بين حذائين"(7) لو أنه عاش في عصر الرومانسيين القدامى, وهذه الأمنية ناجمة عن شعوره الحاد بالغربة في المجتمع الذي يعيش فيه, فالماغوط شاعر غريب, فردي, متألم, غير متأقلم, متمرد على المجتمع الفاسد وعلاقاته الموبوءة, لكنه لا يجد مكاناً يرضيه بين المناضلين الواقعيين, فيهرب إلى الماضي باحثاً عن أناس يجد في طباعهم ما يشبه نزعات نفسه, فيطمئن إلى صور أولئك الرومانسيين الذين عرفهم الأدب الغربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر, يقول في قصيدته: "كان يجب أن أخلق مع أولئك الرومانتيكيين القدامى ذوي اللحى المتهدلة والياقات التي يأكلها العت. أن أعيش في تلك الأيام الغابرة". يوضح المقبوسان السابقان من أعمال الماغوط عمق استقباله للثقافة الغربية وجديته, وإذا كان الشعر في مدام دي ستايل (1766 ـ 1817) ورومانسيي الغرب, يحيا في الماضي الوطني, وفي قيم الفروسية(8), فإنه هنا ينجز مشروعه متأثراً بالإنجاز الغربي السابق بقرن كامل, فيحاول التوفيق بين المفاهيم الأجنبية الوافدة وتعبيره عن معاناته واقعه المعاصر, ومن الراجح أن الماغوط واحد من الذين عبروا عن تلك الحالة بجلاء, ونجحوا في تحقيق غاياتها الفنية, وحققوا لها انتشاراً واسعاً يفرض ضرورة الإطلاع على نماذج من آداب الغرب في هذا المجال لتوفير فرص مناسبة للتأمل والمقارنة واستخلاص النتائج. ارتبطت ظاهرة تمجيد الماضي في الشعر العربي ذي السمات الرومانسية بموضوع إدانة العصر والزمان الذي يدفع عرباته في شعاب مغلولة الرؤى نحو المستقبل, وحاضرها مستسلم بين يدي ضباب رمادي يرجح في فضائه موضوعات الحنين والحزن والأسى والكآبة والضياع والموت. في مثل هذا الفضاء يضعف توق القصائد إلى عبرة سالفة, وبعث نماذج جديرة بالمحاكاة تمد الحاضر بصور البطولة الحماسية. ثمة مقابلة بين ماض باه وحاضر مثقل بالشجن, تعي أن العودة الفعلية إلى الزمن الماضي الفاضل مستحيلة, فتبني من أيامه المحتضنة في الذاكرة عوالم فنها ذي الخيال الوثاب والأوهام غير المنتهية. الهوامش: 1 ـ فيشر, أرنست ـ ضرورة الفن, ص ـ 75ـ 2 ـ جبري, شفيق ـ نوح العندليب. ص216. 3 ـ الزركلي, خير الدين ـ ديوان الزركلي, ص34. 4 ـ بدوي الجبل ـ ديوان بدوي الجبل. ص510. 5 ـ عريضة, نسيب ـ الأرواح الحائرة. ص74. 6 ـ الماغوط محمد, الآثار الكاملة. ط2, ص 243. 7 ـ المصدر نفسه, ص179. 8 ـ هلال, د. محمد غنيمي ـ الرومانسية ـ ص5. | ||||||||||||||||||||||||||||||