|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ادلب تكرم ابنها البار... القاص حسيب كيالي ـــ عزيزة السبيني -أدب حسيب كيالي يعمق الصلة بين نفسه والعالم من حوله. -حسيب كيالي يمتلك موهبة فطرية وأسلوباً مدهشاً. سعت وزارة الثقافة في إطار برنامجها الاحتفالي إلى تكريم المبدعين في كافة المجالات الأدبية والفنية فبعد تكريم الشاعرين (عمر أبو ريشة) وبدوي الجبل سعت مؤخراً إلى إقامة حفل تكريمي تأبيني للراحل حسيب كيالي، وإن تأخر قليلاً، لكنه حدث قبل أيام قليلة في المدينة التي ولد وعاش فيها مرحلة التكوين الفكري الأولى (إدلب)، بندوة أدبية بعنوان (حسيب كيالي وأدب السخرية) والتي سعى من خلالها الأدباء والفنانون من أصدقاء الراحل ودارسيه محاولة الإلمام بأدبه وفكره. بدأ حفل الافتتاح بإزاحة الستار عن تمثال الأديب حسيب كيالي في مديرية الثقافة بتوقيع الفنان حسام رجب، ثم افتتح وزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا معرض الفن التشكيلي لأدباء محافظة إدلب، وضم المعرض مجموعة لوحات بورتريه لأدباء من مدينة إدلب بتوقيع الفنان سمير حميدي. بدأت الندوة الأدبية أعمالها بكلمة ألقاها محافظ إدلب الدكتور عاطف النداف افتتحها بكلمات لحسيب كيالي "إدلب مدينتي ليست إلا الواقع الذي عشته بأحداثه الكبرى وتفاصيله، ثم قمت بتصويره وإنشاده، إنشاد المحب، ولا تزال حتى بعد هجري إياها هي الأكثر حضوراً وتألقاً "بهذه الخصوصية عبر حسيب كيالي عن حبه لمدينته، ولهذا دأبت هذه المدينة أن تكرم ابنها الوفي الذي حملها في قلبه، وعبر عن حبه هذا بمداد حبر قلمه الذي لم يغمد إلا بعد أن رسم بالكلمات صوراً بانورامية لمعنى الوفاء والمحبة، وأضاف ربما نكون بهذا التكريم قد حققنا بعضاً من طموح المثقفين والأدباء في تكريس القيم الأخلاقية والحضارية. ثم ألقت السيدة عائشة كيالي ابنة الأديب حسيب كيالي كلمة أشارت من خلالها إلى علاقتها بأبيها التي لم تكن في أي يوم من الأيام علاقة تقليدية، ورغم لقاءاتهما القليلة إلا أنها نهلت منه الكثير، وتعلمت على يديه فن الإصغاء، وصرحت السيدة كيالي بأنها تمتلك الكثير من رسائل والدها التي تعكس جانباً كبيراً من حياته ولديها مخطوطات بخط يده، وقد تمنت على وزارة الثقافة أن تقوم بنشر هذه الرسائل والمخطوطات لأنها صورة عن حياة حسيب كيالي في غربته. ثم ألقى الشاعر محمد شيخ علي قصيدة شعرية بعنوان "صلى عليك الشعر" استعار معانيها من وحي ما قرأ وسمع عن أديبنا الراحل:
أما كلمة الختام فقد ألقاها الدكتور رياض نعسان آغا، تحدث فيها عن علاقة الصداقة الحميمة التي كانت تربطه بالأديب الراحل، وعن وفاء حسيب كيالي لمدينته التي حملها خمسين عاماً على كتفيه، وأن من يريد زيارة إدلب لابد وأن يقرأ قبل زيارته أدب حسيب كيالي، وبعد الزيارة سيجد أن حسيب كيالي قد أخذ من هذه المدينة أجمل ما فيها وكتب عنه. وأكد السيد الوزير على ضرورة تكريم الأدباء والمبدعين لأن بهم تزدان ساحات المدن، وهم العناوين التي تدل على هوية الأمم. ثم استعرض أهمية أدب حسيب كيالي في الأدب الساخر عموماً، والقصة السورية على وجه التحديد، وإذا كان حسيب كيالي سمي بتشيخوف العرب، فإن الدكتور نعسان آغا من خلال رؤيته واطلاعه على أدبه فيسميه جاحظ القرن العشرين، لأنه يمتلك أكثر من وجه، فهو كاتب وقاص، ينتمي في أدبه إلى الواقعية، يجيد التقاط السر في الشخصية الإنسانية، ومؤسس لما يمكن أن يسمى أدب التهكم أو أدب السخرية، وهو من اكتشف عظمة اللغة العامية، وختم قوله بأن حسيب كيالي الضاحك أبداً، والحساس المرهف دفع ثمناً باهظاً لجرأته وصراحته المطلقة. ثم عرضت الفرقة المسرحية التابعة لمديرية الثقافة بإدلب عرضاً مسرحياً مستوحى من أدب حسيب كيالي "في مقهى أبو النوري" من إعداد خطيب بدلة، وإخراج أحمد مروان فنري، وقد حدثنا الأٍستاذ خطيب بدلة عن أجواء العرض قائلاً: عندما فكرنا في اختيار عمل يجمع بين شخصية حسيب كيالي، وشخصية إدلب، خطر لي أحد المشاهد من مسرحية "سأعود إلى قتالكم"، وهي مأخوذة من مجموعته المسرحية "ماذا يقول الماء" وتجري أحداث هذا المشهد في مقهى حقيقي يعرفه أهل إدلب واسمه مقهى "أبو النوري مزّق" وأبو النوري هو شخص لطيف جداً، مولع بالنظافة، يعزف على العود، ويعرف تقريباً أخبار كل شخصيات إدلب. العمل الذي قمت به هو التحوير المتعلق بإضافة سيرة عنترة التي يرويها الراوي، فكرته من السهل الممتنع، وقد استطاع المخرج أن يقدم هذا العرض بأسلوب السهل الممتنع أيضاً، وقد أجاد الممثلين في أداء الشخصيات، وهي بالمناسبة، شخصيات حقيقية، واقعية، وهذا هو أسلوب حسيب كيالي حيث استطاع وببراعة اختيار شخصياته، وإبراز الحس الوطني عند هذه الشخصيات من حيث تفضيل البلد على الولد. وعلى مدى يومين تابعت الندوة أعمالها بقراءة شهادات عن الراحل ممن عرفوه عن قرب، ودراسات أدبية ونقدية ممن قرأوا حسيب كيالي، وأجمعت دراساتهم على أن حسيب استطاع بجهده الخاص أن يبني لنفسه أساساً لغوياً ممتازاً، فكل تركيبة أو عبارة أو كلمة تمر به يرى لزاماً عليه أن يعرف سرها في اللغة الأم، يخوض غمار المعارك الصحافية، والمجالس الأدبية، والحوارات المتناثرة، هنا وهناك دون كلل أو مهاودة، ينافح عن أصالة اللغة التي نكتب ونقرأ ونسمو بها. ولعله أول من انتبه من الكتاب السوريين إلى أن العامية المحكية يمكن صياغتها على نحو فصيح، وقد بدت تجلياته اللغوية أكثر وضوحاً في نصوصه المسرحية، التي كان يصرُّ على أن يعيش موضوعها قبل أن يكتبه، وهذا يبدو واضحاً في مناوشاته لقضايا المجتمع بشكل أساسي. ورأى المشاركون أن حسيب كيالي يعتبر واضع حجر الأساس لفن القصة القصيرة، والساخرة على وجه الخصوص ليس في سورية وحسب بل في الوطن العربي. تأثر في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين بـ"تشيخوف" لأنه كان يراه إنساناً لاصق الحياة الدافئة النابضة –محب لها-مندفع صعداً في صيرورتها، وجنوحها إلى الزوال، وإفساحها المجال لحياة أرفع، وكان حسيب كيالي يجاهر في أحاديثه بتتلمذه على أدبه. ومع تطور الزمن تحرر من أستاذه واتجه نحو الواقع السوري والعربي وأبدع في التلاؤم معه. ساعده في ذلك ثقافته الموسوعية الواسعة والمدعومة بإجادته العالية للغة الفرنسية والروسية، فإذا ما جمعنا البيئة الشعبية المحلية التي عاشها في إدلب والشام مع الثقافة الفرنسية والروسية، مع موهبة القص الموجودة في داخله، يخرج لنا مزيج ج ميل اسمه حسيب كيالي، وقد ترجم عن الفرنسية (حكايات القط الجاثم)، و(رؤوس الآخرين) ونال جائزة اليسكو عن ترجمته لأعمال "ديميه مارسيل" وأكد في أكثر من تصريح له أن المترجم لا تكفيه معرفة تحدي اللغتين المنقول منها والمنقول إليها، بل يجب عليه إجادتهما معاً ليس فقط لغوياً وإنما أدبياً أيضاً. حسيب كيالي تلك الروح الكبيرة التي تحملت مشاق التجديد نحو (فن الشعب) دفعت بالأدب السوري دفعات إلى الأمام، إلى وعي أصالته وشخصيته، إلى وعي أدائه ومفرداته، فالإحساس بالشعب وأحواله وخاصة بؤسه، ثم الكتابة عنه، لتبديل مايمكن أن يكون قهراً اجتماعياً أو ظلماً، أشياء غير تصويره كواقع أو كموضوع من زوايا عشوائية أو اعتباطية. فأدبه يعمق الصلة بين نفسه والعالم، بين إحساسه وموقفه، والموضوعات كافة حوله... وإن في هذا الإبداع والقدرة على اكتشاف العالم هي مفتاح إنسانيته المتفائلة والمرحة أيضاً وبالتالي هي مفتاح أساليب التصوير الفوتوغرافي أو الرصد القطاعي، بما فيه العاطفي والرومانسي، أو التداعي النفسي والحر، ومفتاح موقفه من الواقع حوله، من البيئة، من المجتمع. وهنا أكد المشاركون أن حسيب كيالي لم يكن متفرداً في لغة القص لديه، ولا في استبطانه العميق للشخصيات، ولا في بنائه المحكم للأحداث، ولكنه متفرداً في رؤيته للعالم وفي روحه الفريدة التي تحيط بكل عناصر العملية الإبداعية، وتضفي عليها ألق الموهبة وسحر القص. وأخيراً، بوسع أي كان أن يسخر من أي شيء، لكن خفة الظل الفطرية والأسلوب المدهش والنظرة الخاطفة العميقة الشاملة والثقافة التي لا تقف عند حد لأن حسيب لم يتوقف أبداً عن القراءة والقص، وغير هذه الصفات التي كانت من بعض أمتعة أديبنا الراحل، فهي ليست بمتناول كل عابر في شارع الأدب الرفيع الذي يُنتهك كل يوم أمام أعيننا بما يُراق على جوانبه من حبر مغشوش. | |||||||||||||||