جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

شالوم!.. ـــ عدنان كنفاني

أوهام تطارده بلا هوادة.؟ أم تراها حقيقة تعيد دورتها، وتكرر عرض تفاصيل متطابقة لذكريات حميمة تعيش في كيانه، بصورها، وأحداثها؟.‏

هاهو ذا يستخدم الطريق ذاته، يدخل المكان ذاته، يطرق الباب ذاته..!‏

يأسره جمال وجه سميّة، يراه لحظة، ويختفي..‏

كأنه إطلالة بدر مكتمل في ليلة شتوية، سرق فرجة بين غيمتين داكنتين، أطل منها على الكون طرفة عين، ثم غاب..‏

عندما خرج من غرفة مدير المصرف،علّق نظراته على ذلك الركن الخالي من طلتّها التي طالعته لحظة ولج المكان، كرسيّها يحمل على ساعديه معطفها الأزرق، والمنفضة الزجاجية تحتضن بقية من عقب سيجارة تصارع نبضها الأخير، وتجاهد كي لا تقترب جمرتها المقبلة على الانطفاء من أحمر شفتيها المطبوع على دائرتها البيضاء...‏

قلم، وأوراق، وريح عطر يثير في نفسه شهوة الحياة..‏

تقول له:‏

-تعال نسكن في آخر الدنيا، فأنا لا أحب زحمة المدن!..‏

اقترب من الطاولة، لمس سمّاعة الهاتف، كأنه يتحسس وجهها، ويرسم بإصبعه سطراً تحت دائرة شفتيها، هاتان الشهيتان فردتا أمامه مجموعة صور رسمتها ريشة خياله منذ أحلام طفولته، وحتى يقين صباه.‏

تنام راحته على صفحة خدّها المتورّد، فتتكئ عليها، وتغيب في حلم يقظة، تقول له:‏

-كم أحب هاتين الكفيّن الخشنتين.!‏

تعملان دون كلل في قطعة أرض صغيرة بقيت في سجل ملكيته من أرض كبيرة ورثها عن أبيه، حَرثت معظمها جرّافات عملاقة، اقتلعت أشجار الزيتون الكثيرة، وشقّت في مسالكها طرقات مستقيمة وملتوية.. بعضها يربط الشمال بالجنوب، وبعضها يفتح سبلاً إلى الغرب، لكنّ زحفها الإسفلتي يتوقّف وينتهي تماماً عند نقطة الإطلالة على الشرق، قالوا يومها:‏

-قطعة صغيرة من أرض صخرية، لا تصلح حتى لتكون مقبرة..‏

سحب مدّخرات عمره، ومضى إليها.. تدوّي في أذنيه كلمات والده:‏

-أرض يباس بعلية، أشجار الزيتون وحدها تستطيع الصمود فيها..‏

تنبت الصخور فيها كما تنبت الفطور، يقلع واحدة، فتطل أخرى، يرفعها بعضها فوق بعض، ويرصّها بصبر ودراية فوق أخواتها لتصير سلسلة منيعة تسوّر حلمهما، تسكن في شقوقها السحالي والحرادين، ولا تجد من يذبّها..‏

تراقبه بسعادة، وتسابق ابتسامتها الآسرة خطواته، تمسح عرقه، وتجفّف قروح كفيّه بمحرمة تضمّخها بماء الورد، وتريح رأسه على صدرها، ويغيبان في رسم التفاصيل..‏

حظيرة صغيرة تتّسع لقطيع صيصان، يتابعان نموّه يوماً بعد يوم، حتى يصيروا بحجم التسويق، زوجان من الأرانب النادرة، طيور زرقاء، وكثير من العصافير الملوّنة.. إلى جانب كوخ صغير، مزنّر بأحواض النعناع، والريحان، تتعربش على واجهته أغصان شجرة خميسة، فتتدلى أوراقها الخضراء كثريات تنبض بلون الحياة..‏

وبساط مزركش مشغول من مجموعة خيطان متعددة الألوان تفرده مساءً أمام عتبة البيت، تزيّنه بإبريق شاي معطّر بأوراق الميرمية، وباقة زهور مغروزة سيقانها في ماء كأس زجاجي، ينثر بينهما العناق والقبل، ويشرفان من فوقه على مساحة حبهما الكبير، وحلمهما الصغير..‏

فاجأه صوتها الآتي من ضباب صباح شتوي:‏

-هل أستطيع مساعدتك..؟‏

لحظتها قابل عينيها للمرة الأولى، تلعثم، التصق لسانه بحلقه، أحس بأطرافه ترتجف، وبأسنانه لم تعد قادرة على تثبيت فكيّه..‏

حاول أن يجيب، فلم تسعفه الكلمات، استجمع شتات شجاعته، أوشك أن يقول شيئاً، لكنّها في اللحظة نفسها.. اختفت فغادر المكان على عجل، يطوي بين جناحيه، حسرة وخيبة..‏

الآن تأتي إليه ببريقها، وأحلامها، وقوامها المنتصب كنخلة ما زالت صورتها تعشش بين عينيه، تسدل شعرها الخروبي على كتفيها فتبدو كما رآها أول مرة، أنثى نورس تشدّ جناحيها لتحمله إلى كوخ ريفي، تحوطه سلاسل من الحجارة البيضاء..‏

هل هي سميّة؟..‏

كانت تجلس إلى جانبه، ترسل بين لحظة وأخرى نظرات عابرة إلى أقفاص مرصوصة في الصندوق الخلفي لسيارتهما الصغيرة، وتطرب إلى أصوات صياح الديكة..‏

تتساءل..؟.. لم تتصارع فيما بينها.؟ هل يحرص كل واحد في البحث عن مكان يتّسع لحركته، أم هو مجرد رغبة فطرية في إظهار فحولته أمام الآخرين.. وتبتسم..‏

عندما يصلان إلى المدينة، سينتهي فصل من الحلم، ويبدأ آخر.‏

-نشتري بقرة..‏

تعلو خدّيها حمرة خفيفة، تلمس بطنها برفق، وتغمض عينيها بتلذذ..‏

-سنحتاج حليبها قريباً..‏

يقبض على سمّاعة الهاتف، تتكئ وجنتها على راحة كفّه بقوة فيحسّ بأنفاسها تقول:‏

-كم أحبك!..‏

توقفّت السيارة أمام حاجز، واقترب منها جندي يحمل بندقية طويلة، بينما وقف رفاقه الباقون يتابعون ما يجري، ويبتسمون...‏

أطلّ عليهما من نافذة السيارة، كانت تقاطيع وجهه الأصفر باهتة، وساخرة.. رفع إصبعه حتى لامس خوذته، وهمس بأدب بالغ:‏

-شالوم...‏

****‏

منذ سنوات وهي تحتل مكاناً خلف المكتب ذاته، تعمل موظفة في المصرف ذاته، تطالعها عشرات الوجوه كل يوم، لكنها لم تتوقّف مذهولة، إلا أمام وجه جاد...‏

هاهو ذا يدخل من الباب بقامته الفارهة كما دخله أول مرّة، يحمل سمرته التي لم تقدر على الصمود أمامها، أحسّت يومها كما تحسّ الآن بتلك اللحظة السحرية التي سمعت رفيقاتها يتحدثن عنها ويتهامسن، تأتي بلا مقدمات كفجأة القدر.. تلعثمت ساعتها، واصطكت أسنانها..‏

قال لها:‏

-لا أحب ضجيج المدن، تعالي نسكن في الريف...‏

تقف وراءه، تحتضن تعبه، وتجعل من عينيها فراش حركته، تنقل الحجارة التي يقتلعها ، وترصّها كما يفعل فوق سلسلة تقيم حدود حلمهما، يحضن كفيّها في المساء، وتنام على رائحة عرق كرائحة التراب تفوح من جسده، تسترخي على صدره العريض، وتذوب حتى الثمالة في شقوق خفيفة ثلّمت شفتيه، يقول لها:‏

-أحبك...‏

فتمسك راحتيه، تحسسّه ذلك الصاخب يصول في أحشائها ويجول، تقول له:‏

-معك أعيش الأمان...‏

تسوّره بحبها، وتفانيها، ويضيئان معاً فوانيس مستقبل مشرق، يفرشانه تحت أقدام الآتي حديقة ورود وزهور..‏

يأخذها الحلم أبعد، فتهمس:‏

أودّعه صباح كل يوم، أدسّ في محفظته الصغيرة عروس الزعتر والزيت، فيعلقّها على ظهره الطريّ، ويطبع قبلة على خدّي..‏

تستكين إلى ذلك الحلم الجميل، كأنه ينسّل من روحها، تركض خطواته على طريق يعرفه جيداً، يقوده إلى المدرسة، يخربش خطوطاً ملوّنة على صفحات دفتره، يرسم حروفاً، ويلفظها متقطعة.. يلعب مع أترابه، فيطفح وجهه حمرة قانية، تتسّخ ثيابه، وتنرشم خدوش على ركبتيه، تستقبله في المساء، تضمّه إلى صدرها، وتعيد معه دورة الأيام...‏

وتغيب مع جاد في جنّة حلمها، تضع رأسها على صدره، تقول له:‏

-أسميّه جاد الصغير..‏

فيبتسم، وتنام راحته على جبينها..‏

من أجل ساعديه القويين رهنت عمرها، وأحبت أحلامه.. منذ تلك اللحظة السحرية اتي اجتاحتها يوم دخل مكتبها أول مرّة.. تلك الأشياء الصغيرة تحفر في ذاكرتها وتقيم..‏

يزحف الطريق تحت عجلات السيارة ببطء، فجأة تهدأ حركة الأقفاص، وتسكت صيحات الديكة، وصراعاتهم المحمومة، وتهطل لحظات صمت تقف مترقّبة بسكون على حد حاجز، يقترب منهما وجه أصفر، يغزوه نمش كثيف، مصفح بخوذة معدنية، يطل عليهما..‏

كيف استطاع النجاة من قلب الجحيم، ثم يأتيها بقامته الفارهة إلى المكان ذاته، يحمل بين جنبيه النبضات ذاتها، هاهو ذا يلمس سماعة الهاتف، راحته تحمل عطر وجنتها، وصدره العريض مشرع كما كان مذ أطل على عمرها أول مرة...‏

بعد لحظة.. تبخر من المكان، وما ترك وراءه غير باب يلفظ اهتزازاته الأخيرة...‏

****‏

كانت الظهيرة موحشةً، لأول مرة يخاف عبور الطرقات، يتهادى جسده في الفراغ، لا يستطيع النظر في وجوه الناس، كل شيء أمامه باهت ليس له لون، كأنه يفقد ذاته، ويضيع بين ذرّات دخان أسود.. تتسمّر خطواته، ويصرعه شعور واحد...‏

قبل لحظة كانت بين يديه، وهاهو ذا يغادرها، يتركها بين أشياء جديدة يعرف أنها لا تحبها، ويمضي إلى مجهول...‏

أمسك بقايا حطامه الذاوي، وأطلق صرخة عاليه، أحسّ أنها تطبق على الفضاء:‏

-أعود إليها..‏

تسارعت خطواته على إسفلت الطريق المصهور..‏

قبل لحظة كان يقف أمامها.. كيف تتركه يمضي ولا تنهمر على صدره..‏

معطفها النائم على ذراع الكرسي لم يعد يحمل تلك الزرفة التي تعشقها، فراغ المكان يجعلها تطير ولا تستطيع التشبث بالأشياء، كلها قطعة هلامية، تخنقها سحابات دخان تفتت أصغر خليّة في جسدها، تقتلع صوتها من حجم النار، وتصرخ...‏

-ألحقه قبل أن يغيب..‏

تسارعت خطواتها على الدرج النازل إلى الحلم..‏

كان يجب أن يلتقيا في مكان ما، على نقطة بين الموت والحياة..‏

تلفّت حوله، فلم ير وجه سميّة..‏

تلفّتت حولها، فلم تر وجه جاد..‏

أحلام صغيرة تتدحرج على حافّة حاجز، وتنساب لينّة طازجة بين خطواتهما الغائبة..في ركن بعيد يقف جاد الصغير، تلحقه سميّة.. تدسّ في محفظته المعلّقة على ظهره الطري أشياء غريبة تشبه الحجارة.. وتمسح كفيه بماء الورد...‏

وجهان غريبان مصفّحان بخوذتين فولاذيتين يطلاّن عليهما من نافذتي السيارة.. ورصاصتان تنطلقان في وقت واحد من بندقيتين طويلتين تخترقان حلماً واحداً..‏

ألف جاد قفزوا من الأقفاص، وانتشروا على مساحة الطريق ا لموصل إلى سلاسل الحجارة، وعريشة الخميسة.. تكرج الأحلام طازجة نديّة، بين خطواتهم الصغيرة..‏

ألف سميّة كن بانتظارهم، بين أيديهن محارم مضمّخة بماء الورد..‏

حين التقيا، بلا جسدين، كانت سيارتهما الصغيرة تحترق عن آخرها أمام حاجز من المكعّبات الإسمنتية، ورائحة شواء ديكه وآدميين تنبعث منها..‏

مجموعة جنود يحملون بنادق طويلة، يضحكون بهستيريا... يحاولون الإمساك بأكبر عدد من الديوك الناجية، أصواتهم تطلق بوتيرة ضاجّة كلمة تافهة ليس لها معنى..‏

شالوم..!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244