|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الرجل والسلاح جورج برنارد شو ـــ ت.هبة غوكة جورج برنارد شو، واحد من أعظم الإيرلنديين الذين كتبوا مسرحيات ممتعة باللغة الإنكليزية، ولد شو في دبلن في 26 تموز عام 1856 وكان والده، جورج كار شو، الابن الأصغر من عائلة مؤلفة من ثلاثة عشر طفلاً، والذي أصبح موظفاً صغيراً في محكمة دبلن، لكنه بعد سنوات قليلة، تقاعد بأجر قليل، واتجه إلى ميدان الأعمال الحرة كتاجر للقمح ولكن بدون نجاح. وتزوج بابنة إقطاعي إيرلندي، والتي سرعان ما عرفت أن زوجها كان سكيراً وغير قادر على كسب مالٍ كافٍ لإعانتها وأطفالها الثلاثة جورج وأختيه. كانت السيدة شو صاحبة صوت غنائي جميل، فقامت هي وأصدقائها بتعليم جورج الصغير الموسيقى الأوبرالية، التي أفادته كثيراً فيما بعد. وعندما أصبح في عمر السادسة عشر غادرت أمه وأخواته دبلن، وذهبوا للإقامة في لندن بشكل دائم، حيث وجدت السيدة شو وبناتها دعماً من خلال إعطاء دروس للموسيقى، والعناء في الحفلات الموسيقية. في تلك الأثناء، كان شو ما يزال تلميذاً في مدارس دبلن حتى أصبح في الخامسة عشرة من عمره، أصبح محاسباً في مكتب عقاري حتى نيسان من عام 1876، عندما لحق بوالدته إلى لندن بعد أن أدرك أن والده غير كفء ليكون الرأس المدبر على العائلة، وأن والدته تخصص وقتاً أطول لموسيقاها أكثر من أطفالها، فأدى هذا الوضع إلى تطوير الاستقلال العقلي والروحي الغير عادي، والتي كانت تمكنه، كرجل، من النظر إلى النوع البشري وعلاقاته مع الكائنات الأخرى المتأرجحة إما عن طريق العادة، أو عن طريق أفكار الأشخاص الآخرين المحافظة، عن الصح والخطأ.. أما بالنسبة إلى حبه للموسيقى، فقد كان تعويضاً للحب الأموي من جهة، ومن جهة أخرى بداية لحياته المهنية، التي عمل من خلالها في الصحافة كناقد موسيقي في صحيفة "النجمة" اللندنية المسائية. ثم عمل بالإضافة إلى النقد الموسيقي كناقد مسرحي لصالح دورية أسبوعية، وفيها كتب مقالات ذات نوعية عالية، وما تزال تُقرأ بعد أكثر من خمسين سنة من طباعتها لأول مرة. عندما بدأ شو كتابة مسرحياته، سمع بأذنه الموسيقية الداخلية وقع الكلمات التي كتبها لتُقال على ألسنة الممثلين، بالإضافة إلى جمله المقفّاة التي تتناوب بسلاسة لتجعل مسرحيته سهلة الأداء، وممتعة، ولهذا السبب نفسه تظل الحوارات الطويلة في مسرحيات شو مسترعية انتباهنا حتى النهاية. بعد الاستقرار في لندن، ظل شو معتمداً على أمه لمدة عشر سنوات في المأكل والملبس، وانضم خلالها إلى التجمعات السياسية ومخاطباً المنتديات الشعبية، وسرعان ما انتمى إلى المجتمع المتأني المُنشأ حديثاً، والذين أرادوا جلباً تغييراً ثورياً متدرجاً، وليس مفاجئاً وقاسياً، من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وفي سنواته الأولى كاشتراكي آمن شو أنه بالإمكان تحسين المجتمعات المتحضرة، من خلال تشريع يهدف إلى المساواة، مخفضين بطرق متنوعة ثروات الأغنياء، للمساعدة في تحسين حياة الفقراء. وتوصل إلى الرأي القائل، بأن الشيء الأول المطلوب لصناعة مجتمع صالح، هو القوانين الجيدة، بالإضافة إلى رجال ونساء عادلين بالفطرة، وليسوا مجرد أشخاص حسني النية وطيبي القلب. أشخاصٌ جيدون سيضعون قوانين جيدة، ولكن القوانين الجيدة التي تطبق من قلة من الناس ليس بالضرورة أن تصنع مجتمعاً أفضل. سيطرت الصحافة والسياسة على شو حتى وصل إلى عمر الثانية والأربعين، وفشلت محاولاته الأولى لخلق عمل أدبي فكتب خمس روايات غير ناجحة بين عامي 1879 و1883 وفي عام 1885 قدم محاولته الأولى لكتابة مسرحية ولكنه تركها بلا إكمال، حتى أكملها بعد سبع سنوات عام 1892 ومُثّلت في لندن، وسميت "بيوت الأرامل". تعاملت هذه المسرحية مع شرور أحياء لندن المزدحمة. والتي كان موضوعها شيئاً جديداً على المسارح الإنكليزية بشكل كامل، فانطلق شو إلى كتابة مسرحيات أخرى تتناول القضايا الاجتماعية المتنوعة من البغاء (مهنة السيدة وارن) الحرب (الرجل والسلاح)، الانتقام (هداية الكابتن براسبوند) وغيرها. وهكذا أصبح شو قائداً لطرق جديدة في التفكير، وبطلاً للحرية الفكرية. توفي شو عام 1950 عن عمر ناهز الخامسة والتسعين بعد أن قدم مسرحيته الأخيرة (عربة التفاح) من عشرين سنة خلت في عام 1929. الرجل والسلاح: هي واحدة من مسرحيات شو المبكرة ذات الموضوع الفكاهي، ولكنها في نفس الوقت تحثنا على إعمال الفكر بسبب رسائلها الجادة لعام 1894. فمسرحية الرجل والسلاح تضم من الأفكار الجادة والفكاهة ما يجعلها حديثة اليوم كما كانت في الوقت الذي كتبت فيه. وما يستدعي التشاؤم أو الضحك ليس ببساطة الظلم المؤقت أو الحماقة العابرة عبر جيله، ولكنها الشخصيات الإنسانية المحددة التي تدوم من جيل إلى آخر. الملاحظة الأولى الهامة في المسرحية هي أن الأحداث يُعتقد بأنها جرت في بلغاريا عام 1885، مع شخصيات هي من الجنود البلغاريين ونسائهم، ابن مالك فندق سويسري، مع المشاهد البهية، والأنماط الخلابة. ولم يكن شو متردداً في استعمال الأساليب التقليدية كشكسبير، فكلاهما طمحا إلى أنواع من الأصالة التي لم تعتمد على الحبكة أو المشهد أو العادات. ولكن الإطار البلغاري للمسرحية صنعت صورة لمسرحية جذابة لرواد المسرح الدائمين والذين يريدون التسلية فقط، وبما أنها أسرت اهتمامهم لأول مرة، فربما جعلهم شو يفكرون، وكجائزة لتفكيرهم، أضحكهم أيضاً. فما الذي أراد شو منهم ومنا بأن نفكر حوله؟. تحتوي المسرحية على رسالتين؛ الأولى هي الحرب، والثانية هي الزواج. وهذان الهدفان متداخلان، لاعتقاد شو بأنه ربما تكون الحرب شراً وعملاً غبياً، والزواج مرغوباً وعملاً جيداً، إلا أن كلاهما أصبحا مصرورين في خيالات رومانسية تقود إلى حروب كارثية وإلى زيجات غير سعيدة. الرؤية الرومانسية للحرب والتي تعتمد على الفكر النمطي القائل بأن الرجل يقاتل لأنه بطل، وأن الجندي الذي يخاطر بشكل كبير يصل لأقصى درجات المجد، وهو أعظم الأبطال. في الرجل والسلاح، نوايا راينا بيتكوف، عندما تفتتح المسرحية، هي أن تصبح زوجة سيرغيوس سارانوف، الذي كان بعيداً في ذلك الوقت يقاتل الصرب. فالأخبار وصلت إلى راينا ووالدتها، بأن سيرغيوس قد قاد حملة ناجحة على الصرب مع عدد من الفرسان الشجعان، مما أدى إلى زيادة اعتقادها بأن خطيبها رائع ونبيل كما يبدو، وأن العالم رائع للمرأة التي تستطيع رؤية روعة هذا العالم، والرجال القادرين على تجسيد الرومانسية فيه. "وبعد أن تمجد صورة سيرغيوس تذهب راينا إلى سريرها وهي تتمتم "يا بطلي" يا بطلي" فهذه هي النظرة الرومانسية لفتاة رومانسية للحياة، ولكن الحقيقة سرعان ما تنجلي لها فجأة. خلال تراجع الجيش الصربي المهزوم، يندفع ضابط من الأعداء إلى غرفتها من الشرفة الخارجية للاختباء، من خلال يأسه، وإرهاقه، وخوفه. فتظل راينا قابعة في مكانها محدقة به، وعلى أي حال، عندما أتى المطاردون لتفتيش المنزل، خبأت راينا الشارد، وأنكرت بأنها قد رأته، وعلمت بعد انتهاء المطاردة، بأنه سويسري، وأنه يحارب لدى الصرب كجندي محترف؛ وأخبرها بأنه عوضاً عن الذخيرة يحمل حبات من الشوكولاته في حقيبته الخاصة بالذخيرة، وذلك لأنه وجد أن الطعام أكثر فائدة من الرصاص في المعركة. وبطلب من راينا، وصف الضابط مهمة الفرسان البلغار العظيمة. وأخبرها بأن قائدهم (والتي تعرف بأنه سيرغيوس) يمتطي حصانه كأنه في عمل مسرحي... بشكل محبب... معتقداً بأنه يقوم بأذكى عمل عُرف حتى الآن، بينما يجب أن يحاكم محاكمة عسكرية لأجل ذلك، ومن بين كل الحمقى الذين خسروا في ساحة المعركة، يجب أن يكون ذلك الرجل أكثرهم جنونا. هو وكتيبته العسكرية ينتحرون.... أو سينتحرون) وتابع الرجل قوله بأن (الصرب لم يعد لديهم الذخيرة الكافية لصد الحملة) وينتهي المشهد الأول بسقوط الرجل نائماً عبر قلق لا سيطرة له عليه، وتجد راينا نفسها تشعر بالأسى على المعاناة التي تعرض لها. فقد تخيلت الحرب كرياضة ممتعة؛ ولكنها الآن شاهدتها كواقع مرعب من خلال تعاملها مع واحد من المهزومين. حتى الحرب التي استمرت من عام 1914 إلى 1918 أتت لتدعم الفكرة القائلة بأن الاحتراف والحيطة في المعركة ليسا بأقل أهمية من الشجاعة الجسدية، وبنفس الوقت استعان شو بحربين عالميتين ليبرهن بدون شك أن الشوكولا (والتي هي رمز لكل أنواع الطعام) مهمة للجيش كالذخيرة. وتتطور المشاهد اللاحقة في المسرحية تصاعدياً، فبعد انتهاء الحرب وعودة الجنود لمنازلهم، نجد أن سيرغيوس، أيضاً، تعلم شيئاً عن حقائق الحرب، واشمأز كثيراً حتى أجبر على التقاعد، قائلاً: "أيها الجنود.... هو فن القتال للجبناء، بالقتال بلا رحمة عندما تكونوا أقوياء، والبقاء بعيداً عن الضرر عندما تكونوا ضعفاء". ومع ذلك تستمر راينا كبطل رومانسي، حتى يأتي الكابتن بلونتشلي لزيارة منزل آل بيتكوف، ويعرف الكل أنه الشاب الذي اختبأ في غرفة راينا خلال التراجع، وفي مشهد ممتع من النوع الذي يتبع الشكل النمطي بشكل خاص عند برنارد شو، يجعل بلونشلي راينا ترى شخصيتها الحقيقية تحت قناع الرومانسية الذي كانت ترتديه منذ الطفولة، وجعلته كشخصية وهمية لها. بلونتشلي الذي لا يمكن أن يُخدع يقول لها: "عندما تتصرفين بتلك الهيئة النبيلة وتتحدثين بذلك الصوت الحاد، أحترمك، ولكنني أجد من المستحيل أن أصدق كلمة مما تقولين"، وبعد انتهاء فورة غضبها، تستسلم راينا وتسأل: "كيف اكتشفتني؟.... وكم هو غريب أن يتم التحدث إلي بهذه الطريقة! أنت تعلم، أني عشت حياتي بتلك الطريقة........ أعني أني كنت أقوم بذلك مع مربيتي، وأمام والدي، وأمام سيرغيوس، فتنطلي عليهم"، ولكن زائرها السويسري لم يُخدع. سيرغيوس نفسه لم يقدر على خداع بلونتشلي، وهو نفسه لم يكن غافلاً عن طبيعته الحقيقية، عندما وجد نفسه يلهو مع لوكا، الخادمة. وبعد مشهد غزلي مع لوكا قام بتحليل نفسه بصراحة: "أنا متفاجئ من نفسي، لوكا. ماالذي سيقوله سيرغيوس بطل سليفنتزا، إذا ما رآني الآن؟ ما الذي سيقوله سيرغيوس رسول الحب الأسمى إذا ما رآني الآن؟ ما الذي سيقوله نصف دزينة من السيرغيوس الذين يندفعون داخلاً وخارجاً من هذا الشكل الوسيم مني إذا ما قبضوا علينا هنا؟"... وعندما خضعت راينا أخيراً للرجل الذي أطلقت عليه لقب "جندي كريمة الشوكولا" قام بلونتشلي بعلاجها من المظهر الثاني الخادع، والذي حكم حياتها، فعند بداية الفصل الثاني، لم تعد تفكر بالحرب كلعبة رومانسية، ولم تعد كذلك تفكر بالزواج كلقاء بين بطل وسيم وجميلة في حلم رومانسي يدوم مدى الحياة. وعوضاً عن سيرغيوس المتعالي، اتخذت من بلونتشلي الصريح زوجاً لها، والذي إحساسه العام وفنادقه الست في سويسرا ستعطيها الثبات والراحة. حقائق الحب والرومانسية أصبحت واحدة من أكثر المواضيع الشائعة لدى شو فقد بين أن الزواج هو عقد سام، وليس نزهة عائلية طائشة. في الرجل والسلاح، وعادة في كل مكان آخر تقبع سخرية شو من الأشياء السامية، ولكنه خلف مرح راينا، سيرغيوس وبلونتشلي تقبع ذكريات شو نفسه في منزل مظلل بفشل زواج والديه. باقي المسرحية بشكل عام، هو كوميديا خفيفة الظل، كتعالي الخادم نيكولا، وسخريته، وتفاخر آل بيتكوف، الذين يظنون أنفسهم أفضل من جيرانهم، لأنهم يملكون مكتبة وجرساً كهربائياً، وقد اعتقد شو أن من الحماقة التصرف على أساس أن امتلاك الثروة هو مؤشر على الرفعة الشخصية، وأن الناس ربما لم يعودوا بعد الآن يعتقدون أنه من المؤثر أن تمتلك جرساً كهربائياً في المنزل، لكن في بعض البلدان في هذه الأيام، حيث العائلات التي تمتلك أجهزة التلفاز والسيارات يشعرون بشكل غبي بالفخر كما تفعل عائلة بيتكوف مع جرسهم ومكتبتهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |