جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البيضة المضيئة بقلم: فرنسيسكو كولووان "الشيلي" ـــ ت.ساسي حمام

وقف "أووارزو" المسؤول عن حراسة المنارة أمام زميله ليمنعه من الوصول إلى الدجاجة التي تقوق قافزة هنا وهناك.‏

-لا.... إلا الدجاجة!...‏

ألقى "مالدونادو" على زميله نظرة ملؤها الحقد واليأس وتراجع.‏

منذ خمسة عشر يوماً والبحر واليابسة في معركة ضارية في هذه المنطقة الرهيبة من جنوب المحيط الأطلسي: تنتصب منارة "ايفنجليستاز" الأكثر علواً والأكثر وحدة في هذه الجزر التي تحرس المدخل الغربي لمضيق "ماجلان" على قمة جرداء تهدي البحارة وتحيي في نفوسهم الأمل للهروب من عواصف المحيط.‏

هذا اليابسة والبحر في مواجهة مستمرة منذ أن خلق الكون. تآكلت سلسلة الجبال العالية على مر القرون. حفرت الأمواج الهائجة قنوات وفجوات ولم تبق واقفة غير الصخور الصلدة مثل الصخرة التي تعلوها المنارة إنها جزيرة سوداء ترتفع شاقولياً فوق المياه.‏

كان بناء المنارة صفحة بطولية كتبها بحارة محطة "ماجلان" البحرية وأول رجل تسلق القمة كان بطلاً نكرة مثل كل الذين جابهوا هذه الطبيعة القاسية.‏

وحيداً رفعها آجرة فوق آجرة. وما زال إلى اليوم حراس هذه المنارة الهامة جنوب المحيط الأطلسي الشجعان معزولين عن العالم.‏

لا يوجد غير مسلك ضيق يربط القمة بالبحر: سلم من الحبال (بلغة البحارة "سلم قط") يتدلى دائماً بمحاذاة هذه الهاوية الموحشة.‏

ترفع المؤن من القوارب بواسطة رافعة تعمل يدوياً وضعت في القمة.‏

قارب صغير من سلاح البحرية يغادر ميناء "بونتا أريناس" دورياً لتفقد المنارات الغربية وتزويدها بالمؤن والوقود.‏

المرسى الأكثر خطورة والذي تخشاه هذه السفن الصغيرة القوية هو مرسى "ايفنجيلستاز" فعندما يكون الطقس رديئاً يستحيل على هذا القارب تفريغ حمولته.‏

على بضعة أميال يوجد ميناء "كوارنتادياز" (الأربعون يوماً) الشهير بإنذار السفن التي يمكن أن تبقى راسية هناك أسابيع. تستغل هذه القوارب في بعض الأحيان هدوء البحر فتخرج ولكن لا تتجرأ على الاقتراب من المنارة بسبب الأمواج العاتية فترجع على أعقابها لتلتجئ إلى ميناء "كوارنتادياز".‏

استمرت العاصفة هذه المرة أكثرمن خمسة عشر يوماً. كانت واحدة من أكثر العواصف شراسة لقد كان الجبل يرتعد حتى لكأنه سيتفتت عندما تنقض عليه المياه وتصطدم بجوانبه.‏

ولكن عاصفة أخرى بطيئة... فظيعة تقوم داخل المنارة.... في قلب إنسان.... عقله أرهقته أصوات الملايين من قطرات المطر وهي ترتطم بزنك السقف... مشاعر يعذبها عواء الريح الذي يزعزع المنارة.. إنسان أنهكه الجوع... إنه الحارس مالدونادو".‏

في المرة الثانية ينقذ "أووارزو" الحارس العظيم الجثة الدجاجة التي بدأت تبيض من غرائز صديقه...‏

لقد تأخرت السفينة التي تزودهم بالمؤونة والوقود شهراً كاملاً بسبب العاصفة التي خنقت ميناء "كوارنتادياز" فأتى الحارسان على كامل المؤونة المدخرة.‏

تبيض الدجاجة بيضة كل يوم موفرة للرجلين غذاء وقتياً: تطهى بقليل من الماء مع أربعين حبة لوبيا لكل واحد.‏

-خذ...! قال "أووارزو" بحدة مقدما لزميله حصته من الطعام..‏

تأمل "مالدونادو" حبات اللوبيا في باطن كفه. تذكر أن حياته لم ترخص إلى هذا الحد إلامرة واحدة في منارة "سان فليكس" عندما خسر في لعبة الورق حصة سنتين من اللوبيا.‏

سنتان فقط من وجوده ولكن الآن هذه الحبات القليلة من اللوبيا هي كل وجوده لأنها تقيه الجوع الذي يحوم مثل حيوان كاسر فوق المنارة.‏

فرض "أووارزو" الحاد الطبع والقاسي والقوي والأمين على كل واحد حصة عادلة من اللوبيا وكان يتنازل عن حصته في بعض الأحيان. ولم ينس الدجاجة: تقدم لها حصتها ساخنة مخلوطة بالصدف المسحوق حتى تواصل البيض. هدير البحر الصاخب لا ينقطع ليلاً أو نهاراً والجوع ينشب أظافره السود في الرجلين والموت يقترب منهما.‏

"أووارزو" يقود المعركة ضد الجوع بحكمة وشجاعة وذكاء حتى يبقى الثلاثة على قيد الحياة: الدجاجة والرجلان بفضل ما توفره لهم الحبات القليلة من اللوبيا والبيضة من طاقة تمكن الرجلين من إنارة الفنار أمل وسلامة البحارة الذين يجوبون هذه المياه الخطرة.‏

فكرة واحدة تسيطر على "مالدونادو" الدجاجة. لقد أنهكه الجوع ونهش أحشاءه والآن يهجم على ضميره لقد ظهر وميض غدر يرقص في ذهنه حاول إطفاءه دون جدوى.‏

استنتج أخيراً أنه لن يموت مطمئناً إلا إذا أكل حتى الشبع. تلك أصبحت أمنيته الوحيدة.‏

برغم ذلك لا يجرؤ على التفكير أو على مسايرة غرائزه لأنه غير قادر على قتل رفيقه من أجل دجاجة "إلى الجحيم!". ارتعش كامل بدنه خوفاً وبدأ يدور في كل الاتجاهات وكأن أحداً يريد دفعه في هاوية.‏

البحر يواصل هجوماته على المنارة دون كلل وقطرات المطر الذي لا ينقطع ترتطم بصفائح الزنك وعويل الرياح يرعد البرج اين يشتعل الفنار كل ليلة بفضل بيضة تحولها بسالة رجل إلى نور.‏

العواصف البحرية غير منتظمة، تهدأ قليلاً ثم تعود إلى عنفوانها كل أربع ساعات.‏

ظن الرجلان ذات ليلة أن نهاية العالم قد أزفت. كانت زمجرة الأمواج وعويل الرياح تزعزع القمة الصغيرة فشعرا كأنها انفصلت عن قاعدتها وجرفتها الأمواج الثائرة.‏

يمسك "مالدونادو" سكيناً ويشق الظلام على أطراف أصابعه ويتجه نحو مرقد "أووارزو" الذي يحمي الدجاجة جيداً خوفاً عليها من زميله.‏

ليس لمالدونادو نيّات محددة لقد أتعبه الجوع وأصبح لا يقوى على المشي. لم يفكر يوماً في استعمال السكين التي يمسكها، ببساطة هدفه الاستيلاء على الدجاجة فإذا ذبحت فإن "أووارزو" سيجبر على أن يقاسمه الطعام، ولكن إذا منعه مثل هذه المرة السابقة.... يهدده بالسكين.‏

لم تنشب معركة لأن الحارس قوي...شل حركته وأوثق يديه وراء ظهره.‏

واصل "أووارزو" عمله ومقاومته للجوع، يطبخ البيضة مع حبات اللوبيا ويطعم بنفسه زميله حصته من الأكل فيطأطئ رأسه ويأكل ما يقدم إليه ولكن رغم الجوع الذي يمزق أحشاءه فإنه يشعر بالمرارة حين ينزل الطعام في حلقه.‏

-شكرا!!.. اصفح عني...‏

ولكن "أووارزو" لا يرد عليه.‏

لم تهدأ العاصفة منذ أيام وفيضان الماء والهواء لا ينقطع.‏

-فك وثاقي... سأساعدك.... أنت تضحي بنفسك! قال "مالدونادو" ذات صباح بصوت يائس... أقسم لك أني لن أسيء للدجاجة!... تأمل "أووارزو" زميله المقيد، رفع الأخير رأسه، التقت نظراتهما، كانا منهكين، تعبين، أضناهما الجوع! يظهر أنهما تفاهما في هذه المرة الوجيزة.... افترقت نظراتهما...‏

-سأقاوم وحيداً إلى آخر وجبة... قال "أووارزو" بصوت حذر...‏

لسعت كلماته ضمير "مالدونادو" كالسياط، لو خيره لاختار أن يصفعه عوض أن يقول له هذه الكلمات المثقلة حقداً وشكاً...‏

باضت الدجاجة بيضة أخرى فطهاها "أووارزو" مع ما بقي من حبات اللوبيا.‏

اقترب من السجين مرة أخرى ووضع في فمه ملعقة غير مملوءة مثلما يفعل مع طفل صغير ولكن السجين رفع رأسه وحدق في عيني زميله وقال بحدة:‏

-لا أريد أن آكل شيئاً من يدك...!‏

انفرجت أسارير وجه "أووارزو" كأنه سمع خبراً مفرحاً ونظر إلى زميله بانتباه وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة تنم عن الطيبة والفرح، وضع صحن الطعام وفك وثاقه قائلاً:‏

-أعتذر... الحق معك... لم تعد تستحق هذه المعاملة أصبح الآن لايفنجليستاز" حارسان من جديد...‏

-وهو كذلك.... قال الآخر ثم نهض وصافح صديقه بحرارة...‏

بعد أن انتهت عملية تزويدهما بالمؤونة والوقود صعد قبطان السفينة للمنارة ليستطلع أخبارهما. تملكته الدهشة عندما لاحظ آثار معركة على وجهي الحارسين، تأملهما جيداً... لم يترك له "أووارزو" الوقت ليلقي أسئلة فتقدم نحوه مبتسماً ممسكاً الدجاجة تحت إبطه مداعباً رأسها...‏

-أردنا ذبح الدجاجة ذات البيض الذهبي فدافعت عن نفسها...‏

-تريد أن تقول الدجاجة ذات البيض المضيء! كل بيضة أنارت طريق سفننا ليلة! قال قبطان السفينة الذي تخيل كل ما وقع...‏

*ولد "فرنسيسكو كولووان" سنة 1910 بجزيرة جنوب الشيلي. نشر العديد من الروايات والمجموعات القصصية، نال شهرة كبيرة... يعتبره النقاد أعظم كاتب شيلي على الإطلاق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244