جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

محنة عبد المعين الملوحي ـــ نبيل سليمان

ذات مساء من عام 1974، أثناء أدائي للخدمة الإلزامية، قادني المرحوم سحبان العمر إلى بيت عبد المعين الملوحي.‏

طوال اللقاء الذي امتد إلى منتصف الليل كنت أبحث في وجه مضيفنا وفي صوته ونظراته ووقفته وحركة أصابعه وجلسته عن الصورة التي لازمتني عنه منذ نسخت قصيدته (بهيرة) قبل سنوات من ذلك اللقاء، أثناء دراستي الجامعية وموران التكوين بالوجودية والماركسية.‏

وإذن هذا هو الزوج المفجوع بزوجته، بل هذا هو العاشق المفجوع بحبيبته، الشاعر المتمرد الذي بات (ورشة) للكتابة والترجمة، ولم أفتأ أتابع ما ينشره منذ مساء نسخي لـ(بهيرة) إلى هذا المساء الذي يطوِّحني فيه بين الأدب الفيتنامي والشيوعي والتاريخ العربي الإسلامي، يفور عافية وحماسة ويلهب أشواقي وطاقتي كي أقرأ وأكتب وأكون أكثر شجاعة وزهداً، وأنا في أول الطريق.‏

بعد سنوات قادني المرحوم هادي العلوي إلى بيت عبد المعين الملوحي للمرة الثانية الأخيرة. كان ذلك بعيد إياب هادي من سفرته الأخيرة إلى الصين ذات مساء شتوي من نهاية ثمانينات القرن الماضي، إن لم تخني الذاكرة. وعلى الرغم من أنني كنت قد كتبت ما كتبت، وخوضت ما خوضت في الحياة العامة وفي الأسفار، فقد رأيتني بين الرجلين تلميذاً صغيراً تتلاعب به أشواقه إلى ما يتحدثان به. كانا فيضاً من الجلال والثقافة والنزاهة والألفة. وقد غلب على السهرة حديثهما في التاريخ العربي الإسلامي. كان هادي العلوي يتفجّر بما كتب من تاريخ التعذيب في الإسلام، وكان عبد المعين الملوحي يتفجّر بما انتهى من قراءته للمرة الثانية: كتاب (المحن) للتميمي. وحين قرأت ما كتبه بعد شهور عن هذا الكتاب في مجلة (النهج) المحتجبة، ترجّع صوته في أعماقي قادماً من تلك السهرة إلى صفحات المجلة، بالحرارة نفسها والدفء نفسه والبساطة نفسها، لكأن التميمي صديقه الأثير، بل لكأنه هو من كتب كتاب (المحن) وليس ذلك الذي عرف بلقبه (أبو العرب).‏

للأسف، لم أقرأ هذا الكتاب حتى اليوم. لكنني عرفت من عبد المعين الملوحي –شفاهاً ثم كتابة- أن الكتاب كان مخطوطة دفينة في جامعة كمبردج بإنكلترا، إلى أن حققه وقدم له ونشره يحيى وهيب الجبوري. وقد نقل الملوحي من مقدمة الجبوري أن (أبا العرب) عاش في عصر ساءت فيه الأحوال السياسية، وتخطفت فيه الناس أيادي الظالمين، ونكّل بهم ولاة الجور وأعوانهم الذين امتهنوا البطش بكل فكر حر ومؤمن صابر محتسب "لايبرر جور السلطان، ولا يسبح بحمد الطغاة، وما أشبه الليلة بالبارحة".‏

كان عبد المعين الملوحي وهادي العلوي يرددان بأسى ونقمة: ما أشبه الليلة بالبارحة، وهاهو صوت الراحلين يترجّع في الفضاء العربي والإسلامي، بل في الفضاء الكوني برمته، كصوت (أبي العرب) الذي ابتلي أيضاً بالسجن وبغيره من صنوف القمع، فالتفت إلى التراث يلتمس منه العزاء لنفسه ولعصره ولنا ولمن سيلينا، ويحرض في الآن نفسه الهمة على مقاومة الطغيان.‏

من دروس كتاب (المحن) يعدد عبد المعين الملوحي أن الاضطهاد والتعذيب والإرهاب مستمر منذ انقسم المجتمع إلى حاكم محكوم، ويبدو أن مفردة /مصطلح (الإرهاب) يلح على عبد المعين الملوحي منذ ذلك الوقت، ولكن بغير الدلالات التي صارت له في زمن العربدة الأمريكية. فالرجل، بعد أن يذكر الإرهاب في الدرس الأول لكتاب (المحن) كما تقدم، يتابع القول: "ويبدو أن الإرهاب كان –على الخصوص- شديد الوطأة على المسلمين والعرب طوال عصورهم القديمة والحديثة.. وكأنهم لم يعرفوا الحكم الديمقراطي العادل إلا في فترات قصيرة من تاريخهم الطويل. ويخيل إليَّ أننا قلَّ أن نجد من رجال الفكر والدين والدولة من نجا من الإرهاب في مختلف أشكاله". ويصوغ الملوحي الدرس الثاني لكتاب (المحن) على هيئة سؤال، فيقول: "إذا كان هذا الإرهاب قد نال كبار الناس وعلماءهم وفقهاءهم، فما حال الشعب العادي المحروم في ظل هذه النظمة الإرهابية؟". أما دروس الكتاب الأخرى فيراها الملوحي في تحوّل رجال الفكر الأحرار إلى جلادين مستبدين كما كان مع المعتزلة عندما استعانوا بالسلطة لفرض آراءهم-وكذلك في المقاومة الشعبية للاضطهاد وللإرهاب، والدعوة إلى حرية الفكر، كما كان من الناس يوم الحرة، ويوم رفض سعيد بين المسيّب بيعة سليمان بن الوليد، ويوم أمر المعتصم بضرب أحمد بن حنبل. وينقل الملوحي عن صديقه الأثير هادي العلوي إحصاءه لمواقف شعبية مماثلة، كدفاع العامة عن بغداد عندما هاجمها قائد المأمون لخلع الأمين؛ وثورة العامة في قرطبة المسماة (فتنة الربض) ودحر عامة بغداد للجيش السلوقي، ولأول جيش مغولي.. ويبدو أن الدرس الأكبر لكتاب (المحن) كان درساً شخصياً للملوحي، ويتمثل في تحريض الكتاب له على فكرة إعادة كتابة التاريخ العربي الذي جاءت أكثر كتبه تاريخاً للخلفاء والأمراء والحكام. إلا أن تاريخ الشعب مبثوث أيضاً في بطون تلك الكتب كما هو مبثوث في بطون كتب الآداب. وهنا يتحسر الملوحي على أنه لم ينهض بتلك الفكرة في مطلع شبابه، وعلى أنه سلك في حياته "سيرة متطفل على العلم لا سيرة عالم".‏

وبالتواضع الذي عُرِفَ به، والشدة البالغة مع النفس مما عُرف به، يقول: "ولو كنت عالماً لبدأت بصنع جذاذات حسب الموضوعات لكل ما قرأت من كتب التاريخ والأدب ودواوين الشعر. ولكني –ويا للأسف- لم أفعل ذلك، وأنا أوصي كل من يهمه البحث والعلم وأمر نفسه في آن واحد أن يبدأ بصنع جذاذات لكل مطالعاته، هذه الجذاذات التي لا يستغني عنها كل مؤلف وباحث".‏

إنها أمثولة عبد المعين الملوحي وليست وصيته فقط، والتي تجسدت في الكثير مما كتب، حيث كان وكده الغالب في المسكوت عنه والمهمّش والمقموع، وبخاصة في التراث العربي الإسلامي، كالذي كتبه عن أشعار اللصوص، وكالشمعة التي أضاءها للتميمي أبي العرب وكتابه (المحن)، كأنما هي شمعة لمحنة الملوحي نفسه، أي لمحنتنا جميعاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244