|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ثقافة الهوس ـــ زبير سلطان اليوم نحصد نتائج الغزو الثقافي الخارجي الذي استهدف تدمير العقل العربي عبر عملية غسيل للتراكم الثقافي القيّمي، الذي أنتجته حضارات عبر آلاف السنين، أوجدت للعالم أول أبجدية، وقدمت أولى أشكال المعرفة من علوم الكلام والرياضيات والفيزياء، وكانت أرض العرب مهداً للديانات السماوية الثلاث، التي ينتمي إليها معظم سكان الأرض، ونبع منها القانون والفن والنحت والرسم، حضارة تتلوها حضارة من الفراعنة إلى حضارة بغداد والأندلس إلى سقط وهج صناعة الحضارة من عقول العرب، ليعيشوا اليوم كنبات طفيلي على الحضارة العالمية الحديثة، فليس لهم أي فضل في اختراعاتها. وعلى الرغم من هذا التخلف الحضاري اليوم، تم الغزو الثقافي الغربي بقيادة الولايات المتحدة والصهيونية، ليدمروا ما تراكم من قيم حضارية لدى العرب ومخزونهم المعرفي، وبعد أن تتم عملية غسيل الأدمغة العربية؛ يتم إحلال ثقافة هامشية تافهة تمتلك العقل والإرادة، من مميزاتها سهولة التناول في عقل متناولها، فهي لاتحتاج لجهد ذهني في البحث بين الكتب والمراجع، ولا تتطلب المحاكاة العقلية، أو تتطلب المزيد من حالة المعرفة والإدراك، تدغدغ الغرائز قبل العقل، تصيب صاحبها بالخدر والكسل، فيمتنع عن البحث، وبذل الجهد. هذه الثقافة الغازية تتلون بأشكال مختلفة من المعرفة، ولكنها تقدمها فارغة المضمون والهدف، ومنها اليوم الثقافة الرياضية البدنية، فبدلاً عن رياضة الممارسة تقدم ثقافة الهوس الرياضي، لتعم فئات الشعب نساء ورجالاً وشباباً وشيباً وأطفالاً، ترتكز ثقافة الهوس على تخدير العقل والجسم، حيث تهدف إلى إبقاء الإنسان ساعات طويلة خلف شاشات التلفاز مشدود الأعصاب، جاحظ العينين، يزعق، ويصرخ، يرتفع ضغط الدم لديه، وتزداد سرعة دقات قلبه مع سرعة تنقل كرة القدم بين أقدام اللاعبين. الخطورة في الهوس الرياضي الذي أصبح اليوم طوفاناً يغرق فيه الكثير من الناس بازدياد مستمر، وما (المونديال) الأخير لكأس العالم لكرة القدم إلا المثل على هذا الطوفان من الهوس الرياضي. إضافة إلى التعب العقلي والنفسي، وإلهاء العرب عما يدور في أقطارهم كالعراق وفلسطين ولبنان والسودان، والتهديد لسورية والصومال وبقية الأقطار ليست بعيدة عن مشاريع الهيمنة. استهدفت ثقافة الهوس صرف الطلبة عن دراسة مقررات امتحاناتهم بشكل جيد، كما تم نهب عشرات الملايين من الدولارات من جيوب العرب لصالح شركات احتكارية أجنبية لرؤية ألعاب كأس العالم، مع العلم أن كثيراً من العائلات هي بأمس الحاجة لتلك الأموال لشراء قوتها وعلاجها الصحي ومتطلبات الحياة اليومية. ماذا حصدنا من هذا الهوس الجنوني سوى ضياع الوقت والمال؟ سوى المتعة الآنية التي تزول بعد انتهاء الدورة الرياضية، لو أن تلك الأموال صرفت على كتب علمية أو ثقافية، لكان ناتجها تطوير العقل والثقافة، وفائدة لا تزول إلا بزوال الحياة. ومن الغريب من دفع آلاف الليرات، وهو يشتكي من عدم القدرة على شراء كتاب لا يتجاوز قيمته المئات أو عشرات الليرات السورية، مع العلم بيعت كتب بقيمة خمسين ليرة من قبل اتحاد الكتاب العرب ووزارة الثقافة. ومن أخطر ما رأيت من يعلق أعلام ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول التي تخوض جنودها حروباً ضد العرب والمسلمين أو يتآمر عليها، وتنسى أعلام العراق وفلسطين وسورية الصامدة. ومن مأساة هذا الهوس استغلال الكيان الصهيوني انشغال الناس والرأي العام العربي والدولي بلهو كرة القدم، فأقدم على قتل العشرات في فلسطين، وأطلق جواسيسه في لبنان يقتلون المناضلين، ويعيثون به فساداً، كما أن العراق يذبح شعبه من الوريد إلى الوريد. إننا بحاجة إلى صحوة حقيقية لنبذ هذه الثقافة التافهة، التي غزت عقول ملايين العرب من خلال الهوس الرياضي وأغاني الفيديو كليب، وأن نعود إلى العقل والمعرفة إلى ممارسة للرياضة، لنكون بحق أمة اقرأ، أمة تستعيد نفسها لصناعة التاريخ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |