جريدة الاسبوع الادبي العدد 1017 تاريخ 29/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

استحقاق الكلام الجديد ـــ عبد القادر الحصني

يُستنفد الكلام، وتنتهي مدّةُ صلاحيته، ويفوت.‏

يحول لونه، ويكلح، وينصل، ويبهت، ويصير قذى العين والسمع.‏

يتهرّأ، ويتفكك، ويتفسّخ، ويخمُج، وتنبعث روائحه الكريهة إذا بقيت جثث مفرداته وتراكيبه وطروحه وأفكاره ملقاةً في عراء القول.‏

صحيح أنّ بعضه، أي الكلام، يخضع للتجفيف، والتمليح، والتبريد، والتجميد، والتخليل (المعاملة بالخلّ)، والتسكير(المعاملة بالسكر)، والتدخين، والتعليب، والضغط، وتفريغ الهواء، وإضافة المواد الحافظة، ولكنه والأحوال هذه يُوضع في المخازن والمستودعات وبيوت المؤونة، ودوائر الأرشيف، وفي الأقبية وعلى السقائف، والفاخر وحسن الحظّ منه، أي الكلام، يمكن أن يجد له مكاناً في المتاحف.‏

لماذا يحدث ما يحدث للكلام من الاستنفاد والفساد؟‏

ولماذا يُفعل به ما يفعل لدرء التلف واستنقاذ ما يمكن استنقاذه منه؟‏

يحدث مايحدث له لأنه ورقُ شجرةِ الحياة التي لا تكفّ عن نفض أوراقها ليُتاح للوليد والجديد أن يخضّر ويخضلّ، ويُفعل به ما يُفعل حين تتلبّث العقول عندما عقلت، فيتهيّأ لها أنْ لا معقول وراءه وبعده، وأنّ موسماً كان لا يتبقى لما سيكون إلاّ ما يستبقونه منه.‏

إنّه ضرب من الذهاب إلى الموت، محمول على خَدَر لذيذ مستمرئ، يعفي صاحبه من الكدح ركونُه إلى ما يعيله، ويقيم أوده، من (حواضر) البيت. ولكنه في الوقت ذاته يرتّب عليه، ويراكم استحقاقات حيويّته الواجبة والمؤجّلة. وهي استحقاقات لا فكاك منها لأنّها من إملاءات الحياة .‏

أرى هذا الرأي. وأرى ما يجري من قول وفكر وفعل، فإذا نحن بين ثلاثة:‏

أولهم: لا يرى هذه الاستحقاقات، وإذا رآها فإنّه لا يراها كبيرة، ويرى أن قليلاً من الإصلاح وكثيراً من التشبث بما مضى من كلام كفيلان بسداد المستحقّ.. وهو يأخذه الندم بين حين وآخر على ما فرّط حين لم يحكم قبضة تفكيره وفعله على ذلك الكلام الماضي، إذاً لما وصل إلى ما وصل إليه... شأنه شأن حافر حفرة عاد فردمها، فبقي من ترابها مالم تستوعبه لأن التراب تباعدت حبيباته وتخلّله فراغ كبير، فعلّل عدم الاستيعاب بتقصيره عن الزيادة في الحفر قليلاً... هذا ماضويّ، ينفخ في قِربة مقطوعة.‏

وثانيهم: يرى، ويعرف حجم هذه الاستحقاقات، ولكنّه موهوم بأنّ الحياة يمكن أن (يُلعبَ عليها)، فيتّخذ قليلاً من (المكياج)، وبعضاً من المستلزمات الشكليّة بديلاً عمّا ينبغي عليه من جذريّة في التعامل مع ما قال وفكّر وفعل.. هذا يقدّم رشاوى ومجاملات تتقبلها الحياة هازئة، ومصرّة على مالها من استحقاقات.‏

وثالثهم: يرى حجم الاستحقاقات، ويرى وجوب الجذريّة في الاستقلاب لاشتقاق كلام جديد من فعل جديد، ولكنّه معوّق بالأول والثاني اللذين ما فتئا يلمّعان ما رثّ، ويستصرخان مامات، مدجّجَيْن ببنى بُنيتْ، وآلياتٍ كُرِّستْ، وعقليّات جمدتْ، ومصالح لا يحرسها إلا استمرار الفساد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244