|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أين ذهبت الروح الثورية؟ ـــ أ.د.حسين جمعة هاهي ذي الذكرى الرابعة والأربعون لثورة الثامن من آذار تؤكد أنها واحدة من الثورات الوطنية والإنسانية التي تأطرت في أهداف ووظائف تطلعت إلى تحقيقها في دستور الحزب ومنطلقاته النظرية وفي المنهاج المرحلي للثورة وغير ذلك من الأدبيات، وأثبتت أن نجاح التجربة الثورية إنما هو نتاج أصيل للمشاركة الشاملة للمجتمع أفراداً أو مؤسسات في عملية التنمية على مستويات عِدَّة علمياً ومعرفياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً و.. فالثورة حاولت تحقيق النموذج الأفضل للبنى التحتية، في الوقت الذي حرصت فيه على مبدأ العدالة الاجتماعية والاقتصادية ما جعلها تؤطر عملها في مؤسسات ديمقراطية للشرائح السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية ولا سيما الإنتاجية والمهنية والحرفية و.. وكانت ثورة آذار تهدف إلى إثبات أن التنمية ليست مجرد عمل سياسي حكومي، وإنما هي نتيجة للعمل الجماعي الذي يقوم على مشاركة جميع أبناء الوطن باعتبارها تنمية شاملة، بيد أن معاناة الأحداث السياسية شغلت الجميع ثم تبينا أن المشاركة الشاملة لم تكن بالكفاءة المطلوبة، وبالدرجات المتساوية حجماً وتوزعاً وعناية. فهناك مؤسسات وسلطات ظلت قلقة مضطربة في أعمالها والقيام بمسؤولياتها المنوطة بها حتى صارت مجرد شاهد على مراحل التنمية المتعددة، ما أدى إلى وجود تقصير هنا وعجز هناك. فثورة آذار التي ولدت من رحم المجتمع العربي المكبل بالتخلف والتجزئة والفقر والظلم خططت للوصول إلى نوع من التقدم في مجالات شتى، لكنه كان تقدماً بطيئاً في مكان هنا، وعاجزاً في مكان هناك، ومنحرفاً في مكان آخر، وذلك كله أدى إلى تململ اجتماعي، أو خلل اقتصادي أو قصور إداري و.. وحين نتساءل عن سبب ذلك يأتينا الجواب بأن الروح الثورية قد ضعفت. ثم جاءت الحركة التصحيحية بقيادة القائد الخالد في (16 /تشرين الثاني/ عام 1970 لتطلق أفكاراً متقدمة لتطوير الروح الثورية الجماعية، وفي طليعتها مفهوم التعددية السياسية، وبناء المؤسسات الديمقراطية التي تقود نفسها بنفسها، بَيْد أن كلاً منها ظل يسير وفق الأنماط القديمة ولم يحمل مسؤوليته كاملة ولم يقم بما كان يرجى منه تطويراً وأداءً. ثم أطلقت الحركة التصحيحية رؤاها لفصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، ومنَحت الأخيرة سلطات واسعة، غير أن أداءها كان دون المستوى المرجو. وفي هذا المقام نستطيع أن نقول: لقد شهدنا في مسيرة التنمية الشاملة كثيراً من الحالات الضبابية في عمل السلطة التشريعية؛ في الوقت الذي شعرنا بضعف الرقابة الصارمة على أداء السلطة التنفيذية ما أدى إلى ازدياد الفجوة بين المجتمع والحكومة من جهة وبين المجتمع وممثليه من جهة أخرى. أما المؤسسات النقابية فلم يكن أداؤها وفق المستوى المطلوب من أعضائها، علماً بأن كثيراً منها ممثل في السلطة التشريعية. ويمكنني أن أنطلق من خطاب القسم المشهور للسيد الرئيس بشار الأسد في مجلس الشعب عام (2000م)، وهو الذي عُدَّ أصلاً لطموح تلك السلطة كي تؤكد نجاحها في عملية التنمية الشاملة والقيام بدورها الرقابي على الحكومة، ولكن المتابع لما جرى يدرك أنه لم يشهد في ردهات مجلس الشعب مساءلة لوزير عن نتائج قراراته التي أدت ـ أحياناً ـ إلى أضرار جسيمة بحق الوطن وتقدم أبنائه. ومن بَعْدُ لم نشهد مناقشة عملية موضوعية وجادة وحقيقية لمفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي، على الرغم من أن صفحات الصحف قد امتلأت بالحديث عنه، فضلاً عن النقاشات العديدة في الملتقيات والندوات الحزبية والفكرية والاقتصادية، بل كنا نجد أن يد الحكومة هي الأقوى والأطول في هذا الشأن، وكأن المجلس لا علاقة له بما يجري خارج أروقته من مفهوم تحول النظام الاجتماعي الاقتصادي من القطاع العام والمشترك إلى نظام اقتصاد السوق... وكذلك لم نشهد محاكمة لفاسد هنا أو هناك وكأن كل شيء في الوطن يجري على أحسن وجه. أما ما ذكرته الصحف من حالات الفساد الإداري والاقتصادي لهذا المسؤول أو ذاك وإحالته إلى القضاء وكف يده كما حدث في الأيام الأخيرة فهذا ليس من شأن السلطة التشريعية، ولا من شأن المجتمع.. ثم إن المقابلات التي أديرت مع بعض أعضاء مجلس الشعب قد كشفت عن ذلك كله؛ وأكدت أنه لا معنى لفصل السلطة التنفيذية عن التشريعية... هذا يعني أن الروح الثورية التي جاءت بها منطلقات ثورة آذار قد تحولت إلى أزمة روحية، في الوقت الذي انفتحت فيه على احتمالات لا تخفى على المواطن العادي؛ فكيف خفيت على أذهان من صار صاحب تجربة في العمل الثوري الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي والشعبي؟ إن الروح الثورية ليست وليدة العدم، ولا وليدة اللحظة الراهنة وإنما هي رؤية تمتلك خصائص استثنائية تؤسس عملية البناء والتقدم في صميم التنمية الشاملة التي تحتاج دائماً إلى مراجعة مستمرة وفق معطيات الإخلاص في الأداء والنزاهة والمحاسبة القانونية العادلة، والكفاءة، و... وتواجه كل أنماط التخلف والعجز والتقصير والفساد لتقتلعها نهائياً. فإذا كان النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة يستبيح الدول والشعوب لمصالحه فإن الفساد الإداري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي قد استباح الروح الثورية وحاول اجتثاثها من العقل والفكر والمنهج والسلوك والثقافة وأفرز النتيجة نفسها التي تتوخاها خطط العولمة الأمريكية. فهل يمكننا أن نسترجع الروح الثورية لثورة الثامن من آذار في ذكراها الرابعة والأربعين؟ فالهزيمة لا تأتي من الفراغ، وليست مجرد ضعف مُزْرٍ في الأداء، أو انحراف خطير في القيم والأخلاق فحسب وإنما هي نتيجة استباحة منظمة لقتل الروح الثورية في التنمية الشاملة، وفي تربية الذات الفردية والاجتماعية وفق قيم الحقوق والواجبات التي يؤسسها القانون، وفي إطار المواطنة الحرة الشريفة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |