|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مفهوم الاستبداد في الفكر الغربي ـــ زكية حرح الاستبداد كلمة مستبعدة ومنفية من دوائر المعارف، ومحظّر تداولها بين الناس، ومُمارسه يحرص على أن يبقيه مصدراً يحيط به الغموض من كل جانب حتى لا يتسنى للناس تحقيق مقولة (اعرفْ عدوّك أولاً)، وبالتالي، حتى لا يتمكنوا من التغلب عليه. إن الاستبداد، فضلاً عن أنه يحاول التملّص من التحديد لابساً أثواباً تمويهية متنوّعة، فإن له أشكالاً متعددة تتطور وتتبدّل، مع تقدّم الحياة الإنسانية، بفضل ما يوفّره له منظّروه من أساليب جديدة. هذه هي البداية التي بدأ بها الدكتور محمد جمال طحان المحاضرة التي قدمها في المعهد الفرنسي (بدار حماض) بمدينة حلب العصماء والتي كانت بعنوان (مفهوم الاستبداد في الفكر الغربي) تناول فيها: موضوع الاستبداد المتعلق بالإنسان فقال عن ذلك: إذا كان الفاعل (إنساناً) أوقع الفعل على نفسه بوساطة آخر، فيكون ذلك إمّا ثقة منه (بالآخر)، أو معرفة منه بنقصه عن الآخر، أو جهلاً منه في قدرته على سياسة نفسه. وفي كل هذه الحالات نلاحظ أنّ العلاقة لا تتجاوز الفرد، من حيث تعامله مع الاستبداد، ويكون الاستبداد فردياً من طرف الفاعل والمفعول، وليس في ذلك إجحاف لآخرين، وإن كان يوقع الذمّ للنفس. فعلى صعيد الاستحواز يكون الانفراد بالشيء: امتلاكه بغير حق، وعلى صعيد الفكر يكون: الانفراد بالرأي في ما تجب المشورة فيه. فإذا انفرد شخص (أو مجموعة) في رأي، وفي طريقة ممارسة فحواه من دون أصحاب العلاقة الآخرين، دخلنا في باب الاستبداد الاجتماعي. إنّ الانفراد بالحكم يرادفه (autarchy)، وهو لا يختلف كثيراً عن الحكم المطلق (absolutism) أما كلمة (despotism) التي وُضعت إزاء (استبدادية)، فهي التي يظهر أنّها تعبّر عن جوهر معنى (الاستبداد) الذي نعنيه، والذي كان هو المقصود عند بعض المفكّرين العرب في العصر الحديث، وإن كان بدرجات مختلفة من الوعي بمدى امتداد الاستبداد من أسلوب طاغٍ في الحكم (tyranny) وحسب، إلى كونه صيغة استبدادية للحياة في الدولة كلّها (despot ism). إلاَّ أنّ هذه الأخيرة يبدو أنّها ليست المصطلح، الكامل الدلالة، المستخدم لدى المفكّرين العرب، إذ ثمّة كلمات أخرى مكافئة لها، بشكل أو بآخر، مثل كلمة الدكتاتورية (dictatorship) التي نجدها أوسع انتشاراً منذ عهد اليونان القدماء... أما كلمة الطغيان (tyranny) التي تعني استبداداً الحاكم الذي يبني سياسته على العنف، فهي تشير، في أغلب الأحيان، إلى ما يُفهم من الاستبداد عينه. ثم تناول موضوع الاستبداد عند أفلاطون الذي يرى أن المستبد يستولي على السلطة بالقوّة ويمارسها بالعنف، بعد ذلك يسعى أوّلاً إلى التخلّص من أخطر أخصامه، ويُكثر من الوعود، ويبدأ بتقسيم الأراضي ممّا يجعله شعبياً ومحبوباً، وهو ما ينفكّ يفتعل حروباً ليظلّ الشعب بحاجة دائمة إلى قائد. وهذه الحروب تُفقر المواطنين من خلال ما يدفعونه من ضرائب باهظة، فيضطرون إلى زيادة ساعات العمل مما لا يدع لديهم الوقت للتآمر على المستبد. والحرب تساعده على التخلص من معارضي سياسته، حيث يقدّمهم إلى الصفوف الأولى في المعركة. ويتابع حديثه عن آراء المفكرين الغربيين: يفرّق (كسينوفون) بين الملك والطاغية بحيث أنه يرضى عن الأوّل ويرفض الثاني معرفاً إياه بأنه الحاكم الذي لا تستند سلطته إلى قوانين ولا تحوز على الرضى الشعبي، بينما يحكم الملك حكماً دستورياً برضى الشعب. لكن (كسينوفون) لا يشترط قانوناً محدداً على الملك، ولا يسمّي من يضع القوانين. ويبدو أنّ مقياس الفرق عنده بين الملك والطاغية هو رضى الشعب، في حين تُركت مسألة القانون كإجراء شكلي في النهاية. وهذا سمح للملوك التالين بأن يحكموا وفق دستور يضعونه بحسب أهوائهم ومصالحهم. ويجيز كسينوفون انقلاب الطاغية إلى ملك حين يجعل همّه الوحيد مصلحة رعاياه فيتغلّب على المعايب المادية والأخلاقية للنظام الذي يجسّده. وتحدث عن الطغيان عند (أرسطو) بقوله: هو حكومة الفرد الظالم، إذ تكون غايته المصلحة الشخصية لا مصلحة المحكومين. إن أرسطو يقبل أي نظام إلاَّ الطغيان المفرط والملكية التي لابدّ أن تحوّل إلى استبداد، معتمدة على القوة إلاَّ أن هذا الدرس لم يُحفظ جيّداً مما جعل (شيشرون) يشير إلى إيثاره الملكية نظاماً، ويرتئي رجلاً فاضلاً وحكيماً يكون بمنزلة الوصي عليها. ثم تحدث عن أهم خصوصيات الطرح السياسي (لميكافيلي) هو تجنّبه مفاهيم الأخلاق وأحكام القيم. لقد ابتعد عن حلم الجمهوريات والمدن الفاضلة والعادلة محاولاً دراسة ممارسة الأمير الفعليّة، كما يدّعي هو نفسه. انتقد ميكافيلي الكنيسة بحجّة أنّها تعلّم مبادئ متعالية لترسم مجد السماء، على حين أنه لم يكن يرغب إلاَّ في مجد الأرض. لذلك نصّب (الأمير) ليكون له القول الفصل في ما يتعلّق بدولته، ونصح له بأن يقدّر وحده الأوضاع الطارئة التي عليه أن يكون شريراً فيها ليحافظ على منصبه وأوضح في محاضرته إن الرجل الذي جاء بعد ميكافيلي كان (بودان) الذي دافع عن الاستبداد الملكي، ففي عام /1576/م نشر كتاباً عن الجمهورية أكّد فيه أن الاستبداد الفردي المطلق هو النظام الذي يتفق مع القانون الطبيعي، ذلك لأن الطبيعة قد شكّلت أوّل مجتمع في صورة الأسرة. أمّا (توماس هوبز) فقد وقف أحد كتبه المهمّة والأساسيّة من أجل الدفاع عن سلطة الملك المطلقة في وجه البرلمان، ثم ألَّف كتابه الآخر الذي يحمل فكره السياسي. كما تبدو أفكار هوبز مذهباً تسويغياً للاستبداد والحكم المطلق، فالعقد الذي شرحه، ودعمّه بالحجج، أفضى إلى تسويغ النزعة الاستبدادية المطلقة حين جعل مشيئة الحاكم فوق كل قانون. بينما اتسم تفكير (لوك) بروح فهو يسلّم بوجود قوانين طبيعية للسياسية والأخلاق، ويحاول أن يجد مسوغاً أخلاقياً للحكم. إن محور فلسفة لوك السياسية هو أن الحكومة مسؤولة تجاه الشعب، وسلطتها مقيّدة بواجباتها. لكنه، حين أسند النظام البرلماني إلى الإرادة الشعبية، فصرَ حق الأغلبية على اختيار البرلمان، الذي هو حكر على المالكين. ومع (مونتسكيو) يفقد الاستبداد شرعيته، إذ يعدّه النموذج الوحيد المرفوض من أنماط الحكم. وطبيعة هذا النمط هي أن واحداً يحكم بحسب نزواته، من دون قوانين أو قواعد، ومبدؤه الخوف؛ إذ يعامل المستبد رعاياه كالبهائم. إن مونتسكيو يقرر أنه ((لابد من الخوف في الحكومة المستبدة)) التي ((تستلزم.. إطاعة متناهية)) وترفض أي نقاش حول قراراتها، ولا تبالي إلاَّ بإنفاذ رغباتها، مهما كان ثمن ذلك باهظاً على غيرها، حتى ((إذا ما أراد همج لوزيانة نيل ثمرة قطعوا الشجرة من أسفلها واقتطفوا الثمرة، فهذه هي الحكومة المستبدة)). ويشرح (روسو) ما يُقصد بالطاغية لدى الإغريق: ((هو ملك يحكم بعنف دون مبالاة بالعدالة والقوانين، هو فرد يستأثر بالسلطة الملكيّة دون أن يكون له فيها وجه حق)). إلاَّ أنَّه، بدوره، يفرّق بين الطاغية والمستبد: ((إطلاقاً لأسماء مختلفة على أمور مختلفة فإنني أسمّي طاغية مغتصب السلطة الملكيّة ومستبدّاً مغتصب السلطة السيادية. فالطاغية هو من يتدخل ضد القوانين ليحكم وفقاً للقوانين، والمستبد هو من يضع نفسه فوق القوانين نفسها. وهكذا يمكن للطاغية أن لا يكون مستبداً، لكن المستبد يكون دائماً طاغية)). بينما اتسم تفكير (لوك) بروح فهو يسلّم بوجود قوانين طبيعية للسياسة والأخلاق، ويحاول أن يجد مسوغاً أخلاقياً للحكم. إن محور فلسفة لوك السياسية هو أن الحكومة مسؤولة تجاه الشعب، وسلطتها مقيّدة بواجباتها. لكنه، حين أسند النظام البرلماني إلى الإرادة الشعبية، قصرَ حق الأغلبية على اختيار البرلمان، الذي هو حكر على المالكين. ومع (مونتسكيو) يفقد الاستبداد شرعيته، إذ يعدّه النموذج الوحيد المرفوض من أنماط الحكم. وطبيعة هذا النمط هي أن واحداً يحكم بحسب نزواته، من دون قوانين أو قواعد، ومبدؤه الخوف؛ إذ يعامل المستبد رعاياه كالبهائم ويشرح (روسو) ما يُقصد بالطاغية لدى الإغريق: ((هو ملك يحكم بعنف دون مبالاة بالعدالة والقوانين، هو فرد يستأثر بالسلطة الملكيّة دون أن يكون له فيها وجه حق)). إلاَّ أنّه، بدوره، يفرّق بين الطاغية والمستبد لكنه يبدو لنا أنّ اسم الطاغية المقترن دائماً باستخدام العنف ينفي إمكانية أي تقيّد للحاكم بالقوانين. واستنتج د.طحان أن للاستبداد أشكالاً كثيرة وامتداداً واسعاً، تبعاً لمن يصدر عنه الاستبداد أولاً، وتبعاً لمن يقع عليه ثانياً، ثم للوسائل المستخدمة في ممارسته ثالثاً. فإذا كان من يقع عليه الاستبداد فرداً أو جماعة أو فئة أو طبقة أو كلهم مجتمعين، جازت تسمية ذلك استبداداً اجتماعياً لأنّ الاستبداد إذا كان يحكم العلاقة بين اثنين فأكثر يكون اجتماعياً، مهما اختلفت مصادره ووسائله. فهو يشمل كلّ أشكال الاستبداد، مجتمعة أو متفرقة، لذلك فهو بعيد، عن التحديد، وغامض. ثم تحدث عن الاستبداد الفكري والاستبداد الاقتصادي وصولاً إلى الاستبداد السياسي حيث رأى أن تلك الاستبدادات: الفكرية والاقتصادية... وإن كان لها أثر كبير في المجتمع، فضلاً عن أنّها تمهّد للاستبداد السياسي وتدعمه فهي لا تملك قوة تنفيذية إلاَّ بقدر ما يسمح به الاستبداد السياسي، بعد أن يتمكنّ من السيطرة. وخلص المحاضر إلى أن الاستبداد في أوضح صوره هو استبداد سياسي، حيث تدور المعارك بين الحاكمين والمحكومين، بين مواطنين يملكون زمام السلطة وأجهزة الإكراه الاجتماعي، وبين مواطنين يخضعون لتلك السلطة ويتحركون كدمى متأثرين بوخز أجهزتها من غير أن يكون في إمكانهم مقاومتها. والحكم الاستبدادي يستغلّ المبدأ الحقوقي، الذي بموجبه تحتفظ الحكومة لنفسها بحقّ الإكراه، ويحولّه إلى سلاح لإرهاب أصحاب وجهات النظر التي تعارض سياسة الحكومة، فيتسع الجهاز البوليسي ويمارس رقابة دقيقة، ويصبح الإعلام وقفاً على النظام، وتصبح كل ثقافة لا تخدم (عظمة النظام) مرفوضة وعميلة. لذا فإن الاستبداد يريد أن يتبع الشعبُ قادته المتحكّمين، ويؤمن بما يؤمنون به من غير مناقشة، وأن يغيّر عقائده كلما رأى القادة وجوب ذلك. فالرأي هو رأي الحاكم، والقرار قراره وحده، مادام هو الدولة، وبالطبع لا يمكن أن يكون هناك رأي لآخر، وبالتالي، فلا مجال لأي فئة أو طبقة أو حزب آخر سوى حزب المستبد الذي يتمتع بإيديولوجيا (ideology) رسمية تغطي جوانب الحياة الإنسانية جميعها، تساعد رقابة بوليسية مشدّدة، ودعاية مركزّة، وتكون إدارة الاقتصاد متحكماً بها مركزيّاً. وهكذا يوضح المحاضر الأمور فيقول: إنّ واحداً، تساعده مجموعة، يفرض ممارسة وحيدة المصدر تتميّز بانعدام الحوار وإلغاء الآخرين حيث لا مناقشة في أيّ قرار ولا رقابة على ممارسات السلطة التي لا تتبّع سوى هواها في إصدار القوانين وفي التحكم في مجرياتها؛ هذا هو شكل الحكم الاستبدادي. أما ما يكمن خلف هذا الشكل فهو شبكة عنكبوتية من العلاقات الاستبدادية هي التي تسمح بالبروز إلى السطح، وهي التي يمكن تسميتها استبداداً تسمية مطلقة. وبعد أن ميّز المحاضر بين الاستلاب والاستغلال والاستعمار، رأى أخيراً أن الاستبداد، من حيث الهيئة الصادر عنها، هو، في النهاية، استبداد سياسي مدجّج بالسلاح والفكر والمال، وإن بدا –مبدئياً- على شكل استلاب فكري أو استغلال اقتصادي. وهو ينتشر من الحكومة إلى الدولة، ويقع على المجتمع متوسلاً الفكر أو الاقتصاد أو القوّة... ولكنّ السياسة –وحدها- مصدره. وعلى هذا فالاستبداد كلمة يجب ألاَّ تطلق إلاَّ على الفعل السياسي وحده من دون سواه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |